على وقع اجتماع الرياض الذي ضمّ دول "اتفاقية مكة"، أي المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، كانت المعارك تحتدم في اليمن والأعمال القتالية تتصاعد، غداة إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، يوم الأحد، بدء عملياتٍ عسكريةٍ لاستعادة ما تبقى من أراضي البلاد وتحريرها من قبضة الحوثيين، مؤكدًا انتقال الحكومة من مرحلة الاستعداد إلى "مرحلة العمل لاستعادة الدولة". وهذه المعركة، وقبلها إطلاق النفير والتعبئة العامة، تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، لا سيّما أن الصورة الأوضح تؤكد وجود دعمٍ إيرانيٍ "غير محدود" لجماعة الحوثيين، فضلًا عن أن المملكة ضاقت ذرعًا بتهديد أمنها واستقرارها واستهداف منشآتها الحيوية. ومن هنا، ستكون الأيام القليلة المقبلة مفصليةً لتحديد ما سيجري ميدانيًا وسياسيًا على هذه الجبهة، التي باتت أشبه بمعركة "كسر عظم".
وفي هذا الإطار، أعلنت القوات الحكومية اليمنية السيطرة على مدينة المخا الساحلية، في محافظة تعز، واستعادتها من الحوثيين، بعد قتالٍ عنيف. وتكتسبُ هذه المدينة أهميةً استراتيجيّةً نظرًا إلى موقعها القريب من مضيق باب المندب وخطوط الملاحة الدوليّة في البحر الأحمر، ما يجعلها نقطةً ذات أبعادٍ عسكرية واقتصادية وإقليمية تتجاوز حدود محافظة تعز والساحل الغربي. في حين أشار الناطق الرسمي للقوات، ماجد النزيلي، إلى أن قوات ألوية العمالقة ودرع الوطن تمكّنت من السيطرة على باب المندب، معلنًا السيطرة على مطار ذو باب وقطع الطريق الرابط بين ذو باب والمخا وإحكام السيطرة النارية عليه. وأضاف أن مئاتٍ من العناصر الحوثية باتوا محاصرين في المنطقة، داعيًا إياهم إلى تسليم أنفسهم، في حين قال إن بعض عناصر الجماعة فرّوا عبر البحر باستخدام القوارب بعد إحكام الحصار عليهم. في إطارٍ متصلٍ، أفاد المتحدث باسم قوات التحالف، الذي تقوده السعودية، بأن 100 طائرة مقاتلة شاركت في عملية "فجر اليمن"، مشيرًا إلى تدمير 324 هدفًا عالي القيمة منذ انطلاق العملية. وإذ لفت اللواء الركن تركي المالكي إلى إحباط مخططٍ لهجماتٍ وشيكةٍ تستهدف الممرّات المائية جنوب البحر الأحمر، أكد تدمير مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخّخة وألغام بحرية. ولاحقًا، كشف عن تدمير منصّةٍ لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، ومخزنٍ داخل موقعٍ جبليٍ يضمّ 20 صاروخًا باليستيًا في صعدة.
وإزاء كل هذه المستجدات، يدخل اليمن مرحلةً جديدةً من الحسم العسكري ستحدّد موازين القوى المستقبليّة، فيما تبرز أسئلةٌ حول طبيعة المرحلة المقبلة، وقدرة القوات الحكومية على تحويل التقدم الميداني إلى تغييرٍ أوسعٍ في خطوط التماس، ومدى انعكاس السيطرة على باب المندب وتأمين الشريط الساحلي على مسار المعركة، إضافة إلى دور الإسناد الجوّي للتحالف في دعم العمليات البرية. لكن كل ذلك يبقى مرهونًا بالتقدم الميداني، خصوصًا أن معطيات الساعات الأخيرة "تُبشّرُ" باستعادة الشرعية مناطق استراتيجيّة سعيًا إلى عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل مطلع أيلول/سبتمبر الماضي. وعليه، يبدو من المهم اليوم البناء على ما تحقّق والبقاء في المخا وذو باب والمناطق الأخرى التي استُعيدت من الحوثيين، فيما ستكون "اتفاقية مكّة" تحت "مجهر الاختبار"، بعد الاجتماع الطارئ في الرياض، أمس الاثنين، الذي تقرّر خلاله البدء فورًا بتنفيذ التزامات الدفاع المشترك، وتوفير القوات والقدرات العسكرية ونشرها سريعًا في السعودية. وأكد وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، تفعيل تدابير الردع الجماعي، ضدّ الاعتداءات على المملكة والمشاعر المقدسة في إطار "حلف مكة"، بينما خرج البيان الصادر عن الخارجية الباكستانية ليوضح المواقف الأخيرة لجهة التشديد على وحدة الصف بين إسلام آباد وأنقرة والرياض.
هذا ولم تكن الولايات المتحدة بعيدةً عن التطورات، إذ أبدى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، تفهّم بلاده للخطوات التي يتّخذها التحالف العربي بقيادة السعودية ضدّ الحوثيين، موضحًا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعتزم الوفاء بالتزاماتها الأمنية الثنائية مع المملكة في مواجهة الاعتداءات، التي تتعرض لها من الجماعة الموالية لإيران، من دون تقديم تفاصيل أكثر حول العمليات العسكرية. الموقف الأميركي يأتي في غمرة التصعيد والانتقادات لواشنطن بالوقوف في صفّ "المتفرّج"، بينما تتعرّض دول المنطقة لاعتداءاتٍ آثمةٍ نتيجة الحرب التي بدأتها على إيران، التي أدت إلى التوسّع نحو جبهاتٍ جديدة. وحتى اللحظة لا يحمل الموقف الأميركي أيّ دلالةٍ على إمكانية انخراطها عسكريًا لدعم المعارك الجارية، وأن دورها يقتصر على تقديم المعلومات الاستخباراتية. إلا أن هذا كله مرهونٌ بالميدان، الذي ستكون له الكلمة الفصل، في حين كشف موقع "أكسيوس" أن كبار المسؤولين في إدارة ترامب اجتمعوا لساعاتٍ برئاسة نائب الرئيس جاي دي فانس، في كامب ديفيد، يوم الجمعة الماضي، لمناقشة الخطوات التالية في الحرب مع إيران، والردّ على الحوثيين في اليمن. وتتحرّك الرياض على كافة الصعد، لتؤكد أن أمنها "خطٌ أحمر" لن تتوانى عن الدفاع عنه "مهما كان الثمن"، ما عكسه بيان وزارة الخارجية السعودية، الذي نبّه إلى أن الحوثيين هم من اختاروا التصعيد العسكري المستمر، ورفض السلام، مُجددًا دعم المملكة السياسي والعسكري للحكومة اليمنيّة لإنهاء الانقلاب، واستعادة الدولة ومؤسساتها.
في غضون ذلك، تراقب إيران بحذرٍ ما يجري في اليمن، لمعرفتها المسبقة أن هذه المعركة "لن تكون كسابقاتها"، بسبب ارتباطها بالمسار المتعثّر من مفاوضات الحرب بين واشنطن وطهران، في ظلّ تمسّك كل طرفٍ بشروطه وسقفه العالي من المطالب. واعتبر الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أمس الاثنين، أنه لا معنى للتفاوض مع استمرار الاغتيالات والعقوبات والضغوط وانتهاك الالتزامات، كاشفًا عن أن حكومته "اتخذت تشكيلةً جديدةً لإدارة الظروف الخاصة" التي تمرّ بها البلاد، مؤكدًا أن "مخططات العدو استهدفت قطع الشرايين الحيوية للبلاد". وترك هذا الإعلان الباب واسعًا أمام التساؤلات عن مهمة التشكيلة الجديدة ورجال المرحلة لمواجهة "الحرب الاقتصادية"، التي تتحدث عنها الحكومة الإيرانيّة، مع تزايد الخناق المفروض عليها. وانعكست الأزمة المتفاقمة على قطاعاتٍ حيويةٍ، مع ازدياد الشكاوى من تراجع قيمة الرواتب، وتأخر مستحقات المتقاعدين. وفي مؤشرٍ على صعوبة الوضع، أقرّ مسؤولون إيرانيون بتدهور الظروف الاقتصادية، محذّرين من أن البلاد تمرّ بواحدةٍ من أصعب مراحلها، وفق ما جاء على لسان مستشار الأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، الذي اعتبر أن الاقتصاد المتدهور بسرعة دفع البلاد إلى واحدةٍ من أصعب الفترات في تاريخها. ولم تنقل وكالات الأنباء الرسمية الإيرانية تصريحات الأخير بصورةٍ مباشرةٍ، لكن وكالة (إرنا) أفادت بأنه "وصف الظروف بأنها من بين أصعب الفترات التي مرّت بها البلاد"، جازمًا بأن مجلس الأمن القومي سيقدّم كل ما يستطيع من دعم. ويرفض "نظام الثورة الإسلامية" تقديم أيّ تنازلاتٍ متمسكًا بوحدة البلاد خلف قائدها، على الرغم من أن المعطيات تشير إلى أن "الرماد تحت النار".
وتتخوّف طهران من عودة الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية، لذلك، تفرض قيودًا مشدّدةً مع تزايد عمليات الاعدام، إذ نفذت الحكم أمس برجلين أدينا بالضلوع في مقتل أربعة من أفراد الشرطة خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة مطلع العام، بالتزامن مع إعلان مسؤولٍ إيرانيٍّ رفيعٍ أن السلطات تمكنّت للمرة الأولى من تعطيل خدمة "ستارلينك" للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، التي استخدمها محتجون للتحايل على القيود المفروضة على شبكة الإنترنت. وتعكس هاتين الخطوتين مدى تشديد السلطات قبضتها الأمنية والرقمية، مع تزايد الهموم الاقتصادية والمعيشية للشعب الإيراني. وإدراك حكومة بزشكيان للأمر لا يُغير شيئًا في المعادلة، خصوصًا أن الجمود في المباحثات يبدو سيد الموقف، على الرغم من إبداء كل جانب انفتاحه على استكمال الحوار والتفاوض. ففيما صرّح ترامب أنه منفتحٌ دائمًا على محادثاتٍ مباشرةٍ مع إيران، أعلنت الخارجية الإيرانية أنها تدرس الرد الأميركي عبر الوسيط القطري بشأن المقترح التفاوضي المتعلق بفتح مضيق هُرمز خلال مدة سبعة أيام مقابل شروطٍ، وستعلن موقفها قريبًا، مشددةً، في الوقت عينه، على استعداد طهران المزدوج للخيارين الدبلوماسيّ والعسكري لمواجهة مختلف السيناريوهات. في المقابل، برزت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى إسلام آباد لمدة 4 أيام، ضمن إطار المساعي الهادفة إلى إنهاء الصراع وكسر حالة المراوحة السائدة. ومن المقرر أن يلتقي الأمين العام رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، إسحاق دار، والرئيس آصف علي زرداري، فضلًا عن كبار المسؤولين الحكوميين.
أما التعويل على إمكانية تحقيق أيّ تقدّمٍ إيجابيٍّ فمحكومٌ بمدى قدرة كلٍّ من الطرفين على إيجاد نقاطٍ مشتركةٍ، خصوصًا أن واشنطن تريد حلًا متكاملًا يبدأ من السلاح النووي وينتهي عند عودة الأمور إلى سابق عهدها في مضيق هُرمز. في المقابل، تعطي طهران الأولوية لوقف الحصار المفروض على موانئها وسفنها، ورفع العقوبات والإفراج عن أصولها المُجمّدة في الخارج، أيّ أنها تولي أهميةً قصوى لمكتساباتها الاقتصادية، لذلك، تكرّر رغبتها في العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد، التي لم تصمد طويلًا. وبات مضيق هُرمز "الشغل الشاغل"، وأحد أهم إفرازات الحرب، وسط مخاوف من استمرار الوضع على ما هو عليه، ما ينعكس على أسعار النفط والأسواق العالمية. وفي هذا السياق، حذّر الرئيس التنفيذي لـ"أرامكو السعودية"، أمين الناصر، من أن هامش الأمان في منظومة إمدادات النفط العالمية أصبح "أضيق بكثير مما يُعتقد"، بعدما استنزفت الأزمة نحو 3 مليارات برميلٍ من الإمدادات، وسحب أكثر من مليار برميلٍ من المخزونات لتعويض جانبٍ من النقص. كما أشار إلى أن إعادة بناء المخزونات قد تستغرق نحو عامين، حتى بعد إعادة فتح المضيق بالكامل. وتأتي تحذيرات الأخير بعد اتفاق دول "مجموعة السبع" على إطلاق ما يصل إلى 100 مليون برميلٍ من مخزونات النفط والديزل الطارئة، في محاولةٍ لتخفيف ضغوط الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود. لكن هذه الخطوات، على أهميتها، تحتاج إلى حلٍّ جذريٍّ والشروع الجدّي في مناقشاتٍ تضع الأولويات على الطاولة، على الرغم من أن مؤشرات عودة الحرب لا تزال مطروحةً وبقوة، ما تخشاه دول المنطقة التي تُسارع الزمن للوصول إلى تفاهماتٍ تضع حدًا للتدهور الجاري.
توازيًا، كشف الرئيس الأميركي أن "تهديداتٍ" تستهدف القاذفات الأميركية المتمركزة في المملكة المتحدة كانت وراء سحبها من قاعدة فيرفورد في جنوب غربي إنجلترا، متهمًا إيران بالوقوف خلف الأمر، لكن من دون تقديم أيّ أدلةٍ واضحة. وكانت هذه القاعدة مثار جدلٍ خلال الأيام الماضية، بعدما استُدعيت الشرطة في 27 أيلول/سبتمبر نتيجة الإبلاغ عن نشاطٍ "مريبٍ" لمجموعةٍ من الرجال وعددٍ من الشاحنات الصغيرة، ما أدى إلى توقيف عدة أشخاص قبل إطلاق سراحهم بكفالة. وهذه الواقعة، التي لا تزال ملابساتها غامضة، تُثير حذر الدول الغربية التي تهاب تداعيات الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، التي تهدد في كلّ مرةٍ بأن نطاق العمليات لن يبقى على حاله في حال تجدّد الضربات عليها. ويتزامن الأفق المغلق مع تطوراتٍ أخرى في المنطقة، ففي لبنان، تستغلّ إسرائيل "اتفاق الإطار" الذي أُبرِمَ من أجل الاستمرار في سياسة "الأرض المحروقة" واستكمال عملياتها التصعيدية في جنوب لبنان، بينما خرج رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو متوعدًا بمواصلة "ضرب حزب الله"، معتبرًا أن ذلك "سيخلق فرصةً للسلام مع دولةٍ يريد معظم شعبها السلام معنا". وتماطل إسرائيل، أقلّه في المرحلة التي تسبق استحقاقاتها الانتخابية، ومن هنا، لا يمكن الحديث عن خروقاتٍ جوهريةٍ، بل على العكس، يوحي خطاب نتنياهو بأن تلّ أبيب تريد الاحتفاظ بحرية العمل العسكري، وتربط أيّ انسحابٍ أو تهدئةٍ بتقدّم لبنان في ملفّ حصر سلاح "حزب الله"، وهو أشبه بـ"قنبلةٍ" في وجه الحكومة، التي تسعى إلى التوصل إلى حلولٍ بعيدًا عن التأزم الداخلي لكي لا "تصب الزيت على النار".
وهذا الانسداد هو ما يدفع رئيس مجلس الوزراء، نواف سلام، إلى التمسّك بالدولة كضامنةٍ أساسيّةٍ في وجه ما تتعرّض له البلاد، في حين يواجه رفضًا كاملًا من "حزب الله"، الذي اعتبر على لسان عضو كتلة "الوفاء للمقاومة"، النائب حسن عز الدين، أن إصرار الدولة على المفاوضات لم يحقّق حتى الآن وقفًا للعمليات أو القتل أو التدمير. وذهب إلى اعتبار أن "اتفاق الإطار" أعطى إسرائيل حرية الحركة والعمل وشرعن بقاءها، من دون مقابلٍ فعلي للبنان. وفي الاتجاه عينه، لا تتغير نبرة النواب المحسوبين على الحزب، بينما اعتداءات الاحتلال لا تتوقف. فميدانيًا، استمرّ القصف الإسرائيلي على أكثر من محورٍ جنوبي، من زبقين ومجدل زون إلى النبطية الفوقا ومحيط حداثا وبرعشيت، بالإضافة إلى الغارات التي استهدفت كفرتبنيت ووادي الحجير، فيما نفّذ جيش العدو عمليات تفجيرٍ واسعة في مناطق جنوبية أخرى. في المقابل، يتقدّم ملف قوات "اليونيفيل" إلى الواجهة مجددًا، مع اقتراب الموعد الذي حدّده مجلس الأمن لإنهاء ولايتها والبدء بانسحابها التدريجي. إذ تتحرّك كتلٌ نيابيةٌ لبنانيةٌ لإعادة فتح النقاش حول القرار 2790، محذّرةً من أن تطبيقه في الظروف الحالية قد يترك البلدات الجنوبية أمام فراغٍ أمنيٍّ لا تملك الدولة اللبنانية القدرة الكاملة على ملئه بعد. وهذا الموضوع سيكون محط نقاشاتٍ مستمرةٍ في المرحلة المقبلة، خصوصًا أنه لا توجد مؤشرات واضحة على البدائل، على الرغم من الضغط الفرنسي تحديدًا في هذا الاتجاه.
ومن لبنان إلى غزّة، تواصل القوات الإسرائيلية خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار، وسط استمرار الغارات التي تمتدّ من شمال القطاع إلى جنوبه، موقعةً المزيد من الشهداء والجرحى. بالتوازي، يستمرّ الاحتلال في تعزيز وجوده في منطقة "الخط الأصفر"، من خلال إقامة عائقٍ ماديٍّ يضمّ خندقًا وساترًا ترابيًا، إلى جانب عمليات حفرٍ استكشافيةٍ يقول إنها تهدف إلى رصد الأنفاق. وهذا القضم يتمدّد ويضيّق الخناق أكثر على الفلسطينيين، الذين تتزايد معاناتهم مع إحياء ذكرى 7 تشرين الأول/أكتوبر، وسط إغلاقٍ كاملٍ لجميع الطرق والمعابر، سواء في غزّة أو الضفة الغربية. في إطارٍ ذي صلة، كشفت مصادر عن محاولةٍ دبلوماسيةٍ جرت بعيدًا عن الأضواء لمنع قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية المحتلة، بالتزامن مع تقارير إعلامية عن تهديدٍ بريطانيٍّ بطرد 27 دبلوماسيًا إسرائيليًا إذا مضت تلّ أبيب في خطوتها. وفي الملفّ السوداني، أوضح كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تدعم وحدة السودان وسيادته، مؤكدًا استمرار جهودها، بالتنسيق مع مصر وشركاء إقليميين ودوليين، للدفع نحو حلٍّ سياسيٍّ وإنهاء الحرب. وجاء هذا التصريح بعد لقائه رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، خلال مأدبة غداء أقامها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على هامش الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي المُنعقد في مدينة العَلَمين المصرية.
هذه التطورات وغيرها أفردت لها الصحف العربية الصادرة اليوم حيزًا من تحليلاتها وعناوينها. وفي الآتي أبرزها:
تحت عنوان "الوقوع في فخ باب المندب"، كتبت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "باب المندب ليس ورقة يمنية داخلية. إنه ممر رئيسي للملاحة الدولية، وأي تهديد لحركة السفن فيه يتحول سريعًا إلى قضية تتجاوز حدود اليمن. وهذا تحديدًا ما أخطأ الحوثي في تقديره. اعتقدت الجماعة أن تهديد الملاحة سيمنحها نفوذًا إضافيًا. أرادت أن تقول للمنطقة والعالم إن تجاهلها غير ممكن. لكن النتيجة كانت عكسية". واعتبرت أن "عزل الحوثي عن الساحل الغربي لا يتعلق فقط بتأمين الملاحة. المسألة تتصل أيضًا بقدرته العسكرية والسياسية. فإبعاده عن البحر يقلل خياراته، ويضعف خطوط الإمداد، ويحد من قدرته على استخدام الساحل كورقة تفاوض". وخلصت إلى القول إن "عزل الحوثي بحريًا، وقطع خطوط إمداده وقدرته على الابتزاز الإقليمي، يجرده تدريجيًًا من الرئة التي يتنفس منها سياسيًا وعسكريًا. والعاصمة المختطفة خلف الجبال تسمع اليوم صدى التحولات، وترى في الأفق انكسار الهيمنة، وتدرك يقينًا أن حلم التحرير بات خطة عملياتية تنفذ على الأرض، لا مجرد شعار مكرر".
أما صحيفة "الدستور" الأردنية، فلفتت إلى أن الرئيس ترامب "لا يفتأ على أن ينتقد الاتفاقية التي أبرمها الرئيس باراك أوباما للحد من طموحات إيران النووية، وقد التقى موقفه هذا مع عقيدة مجرم الحرب نتنياهو، التي تبنّاها منذ تسعينيات القرن الماضي، والقائمة على ضرورة القضاء على البرنامج النووي الإيراني. فزيّن مجرم الحرب لترامب فكرة توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وقدّم له تقارير استخباراتية مضللة توحي بأن الولايات المتحدة قادرة على شنّ ضربة تفضي إلى تغيير النظام الإيراني. وهكذا تلاقت رغبة الرجلين، ولم يُصغِ ترامب إلى التقارير التي حذّرته من خوض هذه المعركة، بل واجهها بالاستغناء عن عدد من كبار قياداته العسكرية". وشددت على أنه "لم تبدُ الدبلوماسية الأميركية يومًا بهذا القدر من الضعف والارتباك؛ فقد أُقصيت الخبرات، وهُمّشت المؤسسات، وحلّ الولاء الشخصي محلّ الكفاءة. وهكذا وجد ترامب نفسه عالقًا في حرب لا يستطيع حسمها، ولا يعرف كيف ينهيها. وإنما أحاط نفسه برجال كان قربهم منه أكبر من خبرتهم بشؤون الدولة، فتحوّلوا إلى جزء من المأزق، بدلًا من أن يكونوا سبيلًا للخروج منه".
وبحسب صحيفة "الخليج" الإماراتية، فإن "طهران هي الرابح الاستراتيجي الأول من الانسحاب الأميركي من العراق، خاصة أنها لطالما اعتبرت الوجود الأميركيّ تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، والآن ترى أن مشروعها في "وحدة الساحات" حقق هدفًا مركزيًا. لكن هذا الانتصار يضعها أمام مأزق جديد: فبعد زوال العدو الخارجي المشترك (أميركا)، ستظهر التناقضات بين الفصائل نفسها حول اقتسام النفوذ والموارد، وقد تجد طهران نفسها مضطرة لضبط فصائلها كي لا تتحول من أدوات ردع إلى عبء يهدد استقرار حليفها في بغداد. وقالت "إن مرحلة ما بعد الانسحاب هي مرحلة "السيادة المقيدة"، حيث تملك بغداد قرار الحرب والسلم نظريًا، لكنها لا تملك أدوات فرضه عمليًا، المسار المرجح حتى حزيران/يونيو 2027 هو سيناريو "التوافق الهش": لا تسليم للسلاح، ولا مواجهة؛ بل إعادة تدوير للسلاح تحت مسمى الدولة".
صحيفة "الصباح" العراقية، بدورها، أشارت إلى أن "استعادة زمام المبادرة وإدارة البوصلة السياسية والاقتصادية صوب التحولات الكبرى والتكتلات والتجمعات الاقتصادية العملاقة في المنطقة والعالم يعكس نظرة استراتيجية مهمة تعمل حكومة الرئيس علي الزيدي على تبنيها والعمل بها، والتي ستعدل ميزان القوى في المنطقة وستجعل من العراق لاعبًا مؤثرًا ومهًما فيها، بما ينسجم مع الإمكانيات والقدرات التي يملكها، حيث إن العراق قد قطع أشواطًا مهمة فعلية وما يزال في هذا المجال، وهو ما يفسر حرص دول العالم المختلفة وكذلك دول المنطقة على العودة إلى العراق والتطلع إلى إقامة مشاريع الشراكة والتعاون مع بغداد، وهي حالة إيجابية تعكس ثقة المجتمع الدولي الكبيرة بالبلاد". وقالت: "لقد أعطى لقاء الزيدي مع الرئيس الأميركي انطباعًا إيجابيًا وثقة كبيرة بقدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها أمام المجتمع الدولي وقدرتها على امتلاك قرارها الوطني المبني على أسس الاحترام المتبادل للسيادة والمصالح الوطنية وعدم المساس بأمنها وسيادتها، وفق رؤية شاملة تقوم على مبادئ الحوارات والتفاهمات الشاملة التي من شأنها أن تعمل على حل الخلافات والنزاعات".
(رصد "عروبة 22")

