اليوم التالي

جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية (رويترز)

مع انتهاء، أو تحديدا إنهاء، مهام اليونيفيل (قوة الأمم المتحدة المؤقتة فى لبنان) نهاية هذا العام يبقى السؤال ماذا عن اليوم التالي. ومن الضروري التذكير أن اليونيفيل 2 التي ولدت في أغسطس 2006 من قرار مجلس الأمن 1701 تميزت "بتعزيز العدد والعدة والمهام" كما يذكر دائما مقارنة مع اليونيفيل الأولى التي أنشأت عام 1987 بقراري مجلس الأمن 425 و 426. لم تنجح محاولات لبنان لتمديد مهام اليونيفيل ولو لفترة قصيرة، دون العام، رغم توافر الدعم من دول صديقة أمام ما هو فيتو أمريكي عبر موقف واضح وحازم لإنهاء مهام القوة الدولية. وقيل إنه كان يجب أن تبدأ محاولات التمديد قبل فترة طويلة من صدور قرار مجلس الأمن 2790، في 28 أغسطس 2025 ممددًا للمرة الأخيرة لليونيفيل. وفي حقيقة الأمر أن القرار الأمريكي كان متخذا في هذا الخصوص ولم يكن من المنتظر النجاح في "إقناع" واشنطن بذلك.

ما العمل عشية "اليوم التالي" خاصة أمام وجود عوامل ثلاث يجب النجاح في التعامل معها: أولها ضغط عامل الوقت إذ سنذهب إلى المجهول بعد أقل من أشهر ثلاث، وثانيها ضغط التطورات الميدانية مع استمرار وتصعيد الحرب الإسرائيلية في القوة النارية وفي الجغرافيا كما نذكر دائمًا وتثبيت الحرب كجزء من المشهد التفاوضي منذ بدايته وكعنصر أساسي في إدارة المفاوضات، وثالث الضغوطات تحديد المهمة المطلوبة لأي قوة يجري تشكيلها، وكذلك أعضاؤها مع الفيتو الإسرائيلي على مشاركة دول عديدة وفي طليعتها فرنسا، إلى جانب مهامها ومرجعيتها القانونية الدولية. إن التعثر هو سيد الموقف حتى الآن، خاصة أن المطلوب القيام بمهمة أصعب من تلك التي قامت بها اليونيفيل.

فلم يعد الأمر يتعلق بالحفاظ على وضع قائم والإسهام في تثبيته أو تعزيزه وكذلك في إدارته بل المطلوب مواكبة مسار جديد يفترض أن ينطلق من المفاوضات لإمساك الجيش اللبناني كليا ووحيدا بالوضع على الأرض من جنوب الليطاني حتى الحدود الدولية للبنان، كمرحلة أولى تهيئ وتساعد لاحتكار السلاح من قبل السلطة اللبنانية على كامل الأراضى اللبنانية وكذلك لقرار الحرب والسلم: الشرط الضروري والمعيار الأهم لعودة الدولة، ككل دولة، لمهامها ومسؤولياتها ووظيفتها الأساسية. هذا المسار ما زال متعثرا لا بل هنالك مخاوف موضوعية لحدوث انفجار كبير وانزلاق إلى حرب مفتوحة والعودة إلى محاولة احتواء الموقف عبر "سياسة المراهم" أو التفاهمات المؤقتة والمتجددة: الأمر الذي لا يشجع أي طرف دولي ليندرج في مهمة سمتها الأساسية الغموض وانتظار حصول تفاهمات دولية إقليمية قد تؤدى إلى تهدئة غير ثابتة ولكن ليس إلى نزع فتيل الانفجار.

البعض يتحدث عن خيار اللجوء، كحل مؤقت، إلى هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO) الموجودة منذ عام 1948. البعض الآخر يتحدث عن خيار "مؤقت وانتقالي" أيضا كما نسمع يقوم على تعزيز دور وقدرات UNSCOL آلية المنسق الخاص للأمم المتحدة فى لبنان، وهذا بالطبع لا يفي أيضا بالهدف المنشود في ظل ما أشرنا إليه من تحديات ومخاطر متزايدة وشديدة التعقيد، في الذهاب نحو المجهول. في ظل لعبة السباق مع الوقت والمفارقة المثيرة للاهتمام إن كل تأخير، بسبب التحديات والصعوبات القائمة، يزيد من هذه الأخيرة، يبقى المدخل الصحيح والواقعي والموضوعي "لليوم التالي" وللمسار الأممي أو الدولي الذي يجب أن يواكب ذلك هو التوافق الفعلي، وبالتالي الفعال، عند أصحاب القرار الدولي في هذا الخصوص ومن ضمنهم أساسا وأولا واشنطن التي هي مهندس وراعى المفاوضات: توافق على اعتماد "استراتيجية فعل" تقوم على ثلاثية أولها الوقف الكلي للحرب الإسرائيلية المتصاعدة والمستمرة والتي هي كما نذكر دائما الورقة الأساسية والفعلية في إدارة المفاوضات من طرف إسرائيل وثانيها اعتماد منطق التزامن في الخطوات المطلوبة من الطرفين وثالثها اعتماد التبادلية في تلك الخطوات بمواكبة دولية وأممية.

هذا هو الطريق الوحيد لمسار التغيير المطلوب "وعودة الدولة" إلى الجنوب ومعها إلى لبنان فعليا وكليا. إنه المسار، الصعب ولكنه غير المستحيل، الذي يوفر الاستقرار والذي هو الشرط الأكثر من ضروري لولوج طريق الإنقاذ الوطني والازدهار.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن