آخر هذه الاعتداءات في قرية رنتيس غرب رام الله، كان على مزارع وأفراد من عائلته أثناء محاولتهم قطف ثمار الزيتون من أرضهم.
وروى رئيس مجلس قروي رنتيس، ماجد خلف لـ"عروبة 22"، كيف هاجم المستوطنون عددًا من المواطنين في الأراضي الزراعية التابعة للقرية، مستخدمين العصي والأسلحة ورذاذ الغاز، فيما تعرّضت زوجة أحد المصابين للدهس خلال الاعتداء، ما أدّى إلى نقل ثلاثة مواطنين إلى المستشفى لتلقّي العلاج.
وأشار إلى أنّ المستوطنين طردوا، قبل أيام، عائلةً فلسطينية كانت تبعد نحو 200 متر فقط عن منزلها، أثناء محاولتها الوصول إلى أرضها وقطف ثمار الزيتون، لافتًا إلى أنّ هذا العام يشهد هجمات شرسة بحماية جيش الاحتلال، في مسعى لفرض أمر واقع جديد والسيطرة على الأراضي الزراعية.
وكشف خلف أنّ المستوطنين استولوا مؤخرًا على نحو خمسة آلاف دونم من أراضي القرية المزروعة بأشجار الزيتون، كما أقدموا، قبيل بدء الموسم، على إقامة معصرة للزيتون قرب القرية، ويقومون حاليًا بجني ثمار الزيتون وعصرها في المعصرة التابعة لهم، في الوقت الذي يُحرم فيه المزارعون الفلسطينيون من الوصول إلى أراضيهم وقطف محصولهم.
وفق توثيقات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد نفّذت قوات الاحتلال والمستوطنون، خلال الشهر الماضي، 2051 اعتداءً ضدّ المواطنين وأراضيهم وممتلكاتهم، بينها 1404 اعتداءات نفّذتها قوات الاحتلال و647 اعتداءً من المستوطنون.
وبيّن مدير عام مجلس الزيت والزيتون الفلسطيني فياض فياض، في حديثه لـ"عروبة 22"، أنّه منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اللحظة، حُرم أصحاب نحو 128 ألف دونم من الوصول إلى حقولهم، وهو ما انعكس على موسم الزيتون، وحال دون الاستفادة من نحو 20% من المحصول.
وقال إنّ هذا العام يبدو "أكثر سخونة"، إذ بدأ المستوطنون حملاتهم قبل انطلاق موسم قطاف الزيتون، وبأساليب تصعيدية، فيما تتواصل عمليات الاعتداء على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم.
وأضاف فياض: "في مواجهة هذه الاعتداءات، نحن بحاجة إلى مزيد من التضامن والتكافل والتعاضد، لأنّ حجم المحصول سيتراجع بالتأكيد بالقدر الذي يُمنع فيه المزارعون من الوصول إلى أراضيهم وقطف ثمار الزيتون". واستطرد قائلًا: "نحن كفلسطينيين ثابتون على هذه الأرض، ومهما حاول الاحتلال سرقة زيتوننا، فلن يستطيع سرقة تراثنا، لأن الزيتون جزء أصيل من هذا التراث، ومرتبط بذاكرتنا وهويّتنا".
ويوضح فياض: "إذا تمكنّا من الوصول إلى جميع أراضينا، فإنّ إنتاجنا من الزيتون يُقدّر بنحو 21,500 طن، وبالتالي فإنّ حجم الإنتاج الذي سنتمكّن من تحقيقه يرتبط بشكل مباشر بقدرتنا على الوصول إلى أراضينا وقطف محصولنا".
من جانبه، قال منسّق اتحاد جمعيات المزارعين في الضفة الغربية، محمد علوان، لـ"عروبة 22"، إنّ التوثيقات التي تصل إلى الاتحاد تشير إلى تصعيد واضح في اعتداءات المستوطنين بالتزامن مع بدء موسم قطاف الزيتون، مشيرًا إلى ضرورة التمييز بين إجمالي اعتداءات المستوطنين خلال العام 2026، وتلك المرتبطة مباشرة بموسم القطاف.
وبحسب علوان، فقد تصاعدت الاعتداءات منذ أواخر أيلول وبداية موسم القطاف، واتخذت أشكالًا متعدّدة، من الاعتداء الجسدي على المزارعين وقاطفي الزيتون بالضرب والحجارة والعصي والأسلحة، إلى منع الوصول إلى الأراضي وإجبار المزارعين على مغادرتها، كما حدث في بلدات فقوعة وكفر راعي وعربونة.
كما شملت الاعتداءات سرقة ثمار الزيتون والاستيلاء على المحاصيل، في مناطق بينها سنجل وعبوين، إلى جانب قطع الأشجار وإحراقها وتخريب المعدات والمركبات الزراعية. إذ في إحدى الوقائع الأخيرة في برقا، جرى الاستيلاء على جرّار زراعي، في الوقت الذي قمعت فيه قوات الاحتلال فلسطينيين ومتضامنين كانوا يشاركون في عمليات القطاف.
ويمتدّ التصعيد، وفق علوان، إلى مناطق متعدّدة في الضفّة الغربية، بينها أبو ديس وسنجل والمغير وعقربا وعموريا وبرقا وبيتا، مع تسجيل حوادث إحراق للأشجار واحتجاز للفلسطينيين، بينما تقوم قوات الاحتلال بتوفير الحماية للمستوطنين خلال اعتداءاتهم. وفي بعض الحالات، لم يتوقّف الأمر عند الاعتداء على الفلسطينيين في حقولهم، بل امتدّ إلى إطلاق النار على قاطفي الزيتون في حدائق المنازل أيضًا، كما حدث في عقربا جنوب نابلس.
ولا تقتصر الخسائر على موسم واحد، فبحسب توثيق طواقم اتحاد المزارعين، لم يتبقَّ في بعض القرى سوى نسبة محدودة من أشجار الزيتون، إذ تراجعت النسبة إلى نحو 15% في سنجل، و2% في المغير، و12% في كفر مالك.
ويصف علوان ما يجري بأنّه سلسلة اعتداءات متكاملة تبدأ باقتلاع الأشجار وتجريف الأراضي وحرقها وقطعها، مرورًا بإقامة البؤر الاستيطانية ومدّ الأسلاك الشائكة ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وصولًا إلى سرقة الثمار من الأشجار التي بقيت.
الخسارة، وفق علوان، لا تُقاس بقيمة الزيتون المسروق خلال هذا الموسم فقط، وإنّما تمتدّ إلى خسارة إنتاجية متراكمة؛ فالشجرة التي تُقتلع لا تعود منتجةً في الموسم التالي، والأرض التي يُمنع صاحبها من الوصول إليها تخرج عمليًّا من الدورة الزراعية، بما يهدّد مصدر رزق العائلات ويضعف ارتباط المزارع بأرضه.
وفي المشاهد التي يظهر فيها مستوطنون وهم يقطفون ثمار الزيتون من أشجار فلسطينيّة، يرى علوان أنّ المسألة تتجاوز بُعدها الاقتصادي والميداني. فاستيلاء المستوطنين على المحصول يهدف إلى حرمان المزارع الفلسطيني من إنتاج أرضه، والضغط على مصادر رزقه، ومنعه بالتالي من البقاء في أرضه.
أمّا على المستوى الرمزي والإعلامي، فإنّ إظهار المستوطنين وهم يقطفون الثمار أمام الكاميرات يحمل، بحسب علوان، دلالةً تتجاوز سرقة محصول موسمي، إذ يحاول المُعتدي الظهور بمظهر صاحب الأرض والمحصول، في مشهدٍ يعكس فرض السيطرة على الأرض بالتوازي مع حرمان أصحابها الفلسطينيين من الوصول إليها.
وهكذا، يتحوّل موسم قطاف الزيتون من طقس زراعي إلى ساحة جديدة للصراع؛ صراع لا يستهدف الأشجار والثمار وحدها؛ بل الأرض وهويتها الفلسطينية!.
(خاص عروبة 22)

