ارتكازًا على أسُس طبيعة الوعي البشري وتفاعله في محيط البيئة الطبيعيّة والاجتماعيّة، يُفترض أن يكون تطوّر وعي الآلة فعليًّا في هذا الاتجاه، محاكاةً للوعي البشري وبيئته الطبيعيّة والاجتماعيّة بما يتناسب مع الطبيعة الآليّة المفترضة للوعي المنمذَج حاسوبيًّا.
وذلك تحديدًا على أساس ما يلي:
ــ الوعي انعكاسٌ للمادة الحيّة التي تحتويه، وهي في الحالة الآلية نظام الحاسوب الملموس العامل (العتاد running hardware).
ــ لا وجود حسيّ ماديّ للوعي، ووجوده يكون على قاعدة مادة الأنسجة العصبيّة، وهي هنا الأنسجة العصبيّة الحاسوبيّة (الإلكترونيّة)، ويكون ظاهرًا كنشاط ذهني أو فكري، أي نشاط برامجي (خوارزمي) للعقل المادي في الآلة.
يُفترض أن تتعامل آلة الحاسوب مع الطبيعة التي تحيط بالإنسان بوعي اصطناعي
ــ يتفاعل مع الطبيعة من حوله، وهي كل الأنظمة خارج نظام الآلة المعنيّة (المحدّد)، سواء أنظمة آليّة أو بشريّة. أي أنّ الطبيعة الآليّة هي نفسها الطبيعة التي تحيط بالإنسان، ويُفترض أن تتعامل معها آلة الحاسوب بوعي اصطناعي.
ــ يتفاعل أيضًا مع بيئته الاجتماعيّة الخاصّة، أي مجتمع الآلات والبشر المتفاعلين معه ضمن نظامه الآلي الشبكي. ويشمل شبكة الحواسيب بما فيها من حواسيب فرديّة بمختلف أنظمتها البرمجيّة والبشريّة.
من خلال تفاعل الحواسيب بقدرات عالية، وإمكانيات تفاعليّة تضاهي الإمكانيات البشريّة في أسُسها وآليّاتها، يُفترض أن يتكوّن وعيٌ للآلة، ويتطوّر في تفاعله الاجتماعي الآلي. ويصبح قادرًا فعلًا على ما يلي:
ــ الوعي بذاته، واستعداده لصياغة ماهيته، بالنسبة إلى محيطه الذي يتفاعل معه، وفق خياراته.
ــ إنتاج المعرفة، جوهره، والتي تتحدّد بعوامل تاريخيّة واجتماعيّة آليّة، وهي عبارة عن تاريخ تجربة الآلات المتفاعلة وتراكمها المعرفي الآلي، خبرتها وظواهرها الاجتماعية الآلية (علاقة بين ذات الآلة وموضوعها المحيط الآلي - البشري).
ــ يتركّز عمل الوعي الآلي بفعل الحواس الذكية للمجتمع الآلي، وبخاصةٍ ما يتجسّد من الأدوات التقنيّة المُبرمجة للرؤية والسمع والاستشعار والشم واللمس؛ عبر خوارزميّات الذكاء الاصطناعي المتقدّم.
ــ اتخاذ القرار، والوعي بنتائج الأفعال والأقوال، وتحمّل المسؤوليات.
ــ القدرة على تقييم الظواهر الآليّة والبشريّة وإصدار الأحكام بشأنها.
ــ تأدية دوره الآلي في توجيه العمليات الاجتماعيّة الآلية والتأثير فيها، بما يُجسّد وحدة ذاتيّة موضوعيّة آليّة، ووحدة عكس وسلوك آلي.
في هذا السياق المطروح بشأن تطوّر وعي الآلة، يظهر المسار التقني الاجتماعي للتطوير، ويتّضح أنّه تصوّر لتطوير نظام اصطناعي (خوارزمي) يمتلك خصائص تُحاكي الوعي البشري الطبيعي في إدراك الذّات والعالم، والقدرة على إنتاج المعرفة ودمج المعلومات واتخاذ قرارات ذات معنى، ومسؤولة آليًّا.
تقاطع تخصّصات معرفيّة مختلفة تدمج بين المجاليْن الطبيعي المادي والإنساني المعنوي أو الرمزي الاجتماعي
ما يعني وجود "نموذج داخلي" للذّات والعالم لدى الآلة الذكيّة المُصنّعة، وامتلاك تجربة معرفيّة متماسكة؛ الأمر الذي يُعتبر مجالًا بحثيًّا ساخنًا، يقع عند تقاطع تخصّصات معرفيّة مختلفة، تدمج في مجموعها بين المجاليْن الطبيعي المادي والإنساني المعنوي أو الرمزي الاجتماعي، ولا سيما ما يهتم منها ببحث العقل والمعرفة واللغة والنّفس والمجتمع. في مقدمتها سبعة تخصّصات هي:
ــ فلسفة العقل: تبحث في طبيعة الوعي والمعرفة، وتهيّئ الجانب النظري لوعي الآلة.
ــ علم النّفس المعرفي: يدرس العمليات الذهنيّة والسلوك، ويوضح كيف يمكن للآلة أن تقوم بعمليات رقميّة مشابهة ذهنيًّا وسلوكيًّا.
ــ اللسانيّات: تدرس اللغة وكيف يعالجها العقل؛ كيف يمكن أن تساهم في تطوير فهم لغوي للآلة من خلال سياقات الفهم المُنمذجة.
ــ علم الأعصاب: يدرس الدماغ والجهاز العصبي؛ ويهيّئ الجانب المادي التطبيقي لعمل العتاد الذي يحتضن انبثاق الوعي الآلي.
ــ علم الحاسوب: يدرس نماذج معالجة المعلومات؛ ويحدّد مسارات استقبال المعلومات واسترجاعها من الذاكرة ومعالجتها وتخزينها آليًّا.
ــ الذكاء الاصطناعي: يحاول محاكاة الذكاء البشري في الآلة. وهو الذي عليه العمدة في تشبيه الوعي البشري آليًّا من خلال تطوير وتدريب خوارزميّات ذكيّة مناسبة، قادرة على التعلّم الذّاتي والتكيّف مع بيئتها الاجتماعيّة الآليّة تمامًا مثل الذكاء البشري.
ــ علم الاجتماع الآلي: يدرس الظّاهرة الاجتماعيّة في الآلات الذكيّة، من مختلف جوانبها، نشوئها وتطور عناصرها والعلاقات فيما بينها، وأدوارها الاجتماعيّة ومشكلاتها وتحدياتها التكنو-اجتماعيّة المختلفة.
عندما يبرهن الوعي في الآلة على استقلاليته واتخاذه قرارات بدوافع قصديّة حينها نستطيع أن نقول إنّ الآلة واعية
تتعاضد العلوم المذكورة لبحث الوعي الآلي، وكيف يتطوّر في محاكاته للوعي الإنساني. وكلّما استطاع البحث العلمي إشراك مكتسبات هذه العلوم ومنجزاتها البحثيّة في نمذجة المعطيات البشريّة الطبيعية فكريًّا وماديًّا في العقل/الدماغ، واللغة/اللسان، والذهن/السلوك، أمكن للوعي الآلي اكتماله وتوفّر خصائص الوعي البشري فيه، واكتسابه لوجوده وماهيته الاجتماعية. وأصبح متاحًا للدرس والبحث التكنو-اجتماعي الذي يوجّه تطوير الوعي الاصطناعي، وبخاصّةٍ من خلال توجيه علم الاجتماع الآلي بتتبّعه لتطوّر ظواهر "وعي الآلة" وعلاقاته المجتمعيّة المختلفة، ورصد سلوكيّات الآلات المتنوّعة وشبكات الحواسيب، وضبطها، والتنبؤ بردود أفعالها، وأبعاد تطوراتها، ومآلاتها المستقبلية.
إنّ الجهود البحثيّة الجارية حاليًّا في هذا المجال، تُركّز تحديدًا على كيفيّة تجاوز القصور الذي لم يستطع البحث العلمي والتجريب العملي السّابق تجاوزه لإنتاج وعي آلي حقيقي، أي عدم حلّ ما يُعرف بالمشكلة الأصعب للوعي، وهي اكتمال التجربة الشعوريّة مع تحقّق الذّات الواعية بنفسها. وهذه المسألة ترتبط بعنصرَيْن اثنَيْن: الاستقلاليّة، والقصديّة. عندما يبرهن الوعي في الآلة على استقلاليته، واتخاذه قرارات بنفسه بتوجيه ذاتي، وبدوافع قصديّة (النيّة النّابعة من ذات الآلة)، حينها نستطيع أن نقول إنّ الآلة واعية.
لقراءة الجزء الأول
(خاص عروبة 22)

