تقدير موقف

التطوير الاجتماعي للوعي الاصطناعي: تطبيقات ومسارات ونتائج (1/2)

عملت العديد من الشركات والمؤسّسات البحثية على إطلاق مشاريع تطبيقيّة مهمّة لإنتاج "وعي اصطناعي"، مثل "مشروع محاكاة الدماغ" خلال الفترة (2005-2023)؛ وهو مبادرة بحثية علمية بين المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا (EPFL) وشركة (IBM) الأميركيّة، عُرف باسم (Blue Brain Project)، يهدف إلى محاكاة الدماغ البشري على مستوى الخلايا العصبيّة. ومن إنجازاته مُحاكاة أعمدة عصبية في القشرة الدماغية، وبناء نماذج رقميّة للخلايا العصبية. لكن المشروع لم يصل إلى الوعي.

التطوير الاجتماعي للوعي الاصطناعي: تطبيقات ومسارات ونتائج (1/2)

كذلك، هناك المشروع الأوروبي للدماغ البشري (Human Brain Project)، خلال الفترة (2013-2023)، هدفه فهم بنية الدماغ وتطوير حوسبة عصبية، وأدّى إلى تطوير رقائق تحاكي الدماغ. مثل رقائق (IBM TrueNorth)؛ و(Intel Loihi) لتقليد طريقة عمل الخلايا العصبيّة، لكنها لا تزال بعيدة جدًا عن مستوى الدماغ البشري.

هذا، إلى جانب التطورات الأخيرة لنماذج اللغة الكبيرة، مثل (ChatGPT)، و(Claude)، و(AlphaGo)، وغيرها؛ فقد حقّقت إنجازات كبيرة في فهم اللغة البشرية، وتوليد معرفة معقّدة، واتخاذ قرارات استراتيجيّة. لكنها تعمل عبر الشبكات العصبيّة العميقة والتنبؤ الإحصائي، وليس لديها تجربة شعوريّة أو إدراك ذاتي.

لا يمكن أن ينبثق الوعي ويتطوّر من دون المنظور الاجتماعي

مع ذلك، هناك إنجازات مهمّة في "الوعي الاصطناعي الجزئي" على الرغم من عدم وجود وعي حقيقي، خصوصًا إنجازات في أربعة مسارات:

- النماذج الذّاتية: وهي أنظمة تبني نموذجًا عن نفسها داخل البيئة.

- الإدراك متعدّد الحواس: صناعة روبوتات تجمع بين الرؤية واللمس والحركة.

- الذكاء المجسّد: أي الذكاء المرتبط بالجسد والتفاعل مع البيئة.

- الأنظمة التكيّفيّة: أنظمة قادرة على تعديل سلوكها باستمرار.

تشير هذه الإنجازات إلى تركيز البحث في العمليّات الذكية المتفاعلة مع البيئة، أي العمليات الاجتماعية، وارتباط الآلة سلوكيًّا مع بيئتها، وذلك تبنّيًا للمنظور الاجتماعي للوعي الذي لا يمكن أن ينبثق ويتطوّر من دونه.

الوعي نتاجٌ للعلاقة بين المجتمع والطبيعة

وتظلُّ النتيجة العامّة للمشاريع التطبيقية المشار إليها، أنّها لم تصل بالآلة إلى حالة الوعي الحقيقي، وهي بعيدة عن مُحاكاة الدماغ البشري بدقة، على الرغم من نجاحاتها النسبية، خاصّةً في تفاعلها البيئي الاجتماعي التكيّفي. ويظلُّ البحث والتجريب المادي في إنجاز الوعي الحقيقي للآلة أمرًا عسيرًا لم ينجح بعدُ، حتى الآن.

من أبرز مظاهر الوعي وصعوباته في الوقت عينه، أنّه يتمظهر في البنية الاجتماعيّة المعقّدة، ويرتكز في الذات الفرديّة الغامضة، ويتميّز بشكل خاصٍ باستقلاليته (التعالي)، وقصديته (النّية). الشيء الذي يفتح المجال واسعًا أمام النظر والتحليل التكنو-اجتماعي بالخصوص.

في مسارب التفكير الفلسفيّ العقلي المرتبط باللغة والمجتمع، يُلاحظ أنَّ الوعي يبرز بصورته المبيّنة هنا، بكونه يحيا باستمرار بتفاعله مع الطبيعة والمجتمع. فالمجتمع في حقيقته هو الوسيط الذي ينبثق من خلاله الوعي، ينشأ ويتطوّر ويُعبّر عن نفسه عبر اللغة. فالمجتمع وسط الوعي، وهو رسالته (ماكلوهان: الوسط هو الرسالة). وبذا، فالوعي مجتمع من هذه الناحية، وهو انعكاسٌ أيضًا لعلاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقته بالمجتمع، مضمونًا للوعي ووسطَه الذي يتفاعل من خلاله.

وكما هو واقعٌ، ليس للوعي حضور مادي ملموس، فطبيعته ذهنية (فكرية) وهي ما تكوّن فارقًا نوعيًّا بينه وبين المادة. الوعي نتاجٌ للعلاقة بين المجتمع والطبيعة، وهو نتاجٌ اجتماعيٌّ أيضًا بسببه ومضمونه، أي إنّه وحدة الذات والمضمون (المجتمع).

ومثلما أنّ الوعي يعمل من خلال الحواس التي تنقل له صورة عن العالم الخارجي، فهو إذن، وظيفةٌ للعقل يُعبّر عن نفسه من خلال الذّات أي الإنسان كجوهرٍ واعٍ، وحركة مجتمعية، ولو أنّه يتمظهر من خلال المادة. وهنا، نحن لم نخرج عن النظرة الاجتماعيّة (الموضوعيّة) للوعي، في حين أنّ الإقرار بوجوده (الوعي) لا يعني بأيّ شكلٍ من الأشكال إعطاء الوعي وجودًا ماديًّا. بل النظر إليه كأحد وظائف المادة، كما سبق القول. (الموسوعة الفلسفية العربية، 1986).

في ما ذكر أعلاه، يأتي مفهومٌ خاص للفلسفة الوجودية في طبيعة الوعي، فهو وعيٌ بالأنا والعالم، في نشاط دائم. (هوسرل، سارتر...)، ما يؤدي إلى مقولة: "الوجود يسبق الماهية" (الشيرازي، سارتر)، ومن ثَمَّ فالإنسان الواعي يُحدّد ماهيته بحسب وعيه، من خلال اختياراته وقراراته. فالوعي يؤدّي إلى صياغة الذات وتحمّل المسؤوليّة من خلال الاختيارات.  

الدور الأساسي للوعي يكمن في تلقي المعرفة وإنتاجها

فضلًا عن ذلك، في بحث الوعي البشري بوجهات نظر مختلفة (مثاليّة، ماديّة، وجوديّة)، هناك عدد من النتائج بالغة الأهمية في ما نحن بصدده، منها:

ــ الأنا الواعي من داخل الإنسان، يفتح حدودًا لنفسه مع العالم الخارجي، ووعي الأنا هو وعيٌ ذاتيٌ.

ــ انعكاس الوعي ليس مطابقًا للواقع، لأنّ المعرفة محدّدة بعوامل تاريخية واجتماعية.

ــ وعي الإنسان لذاته هو أحد أشكال الوعي.

ــ الاتجاه العام للوعي هو المعرفة الموجّهة للإنسان.

ــ الوعي وجوده المادة وجوهره المعرفة.

الدور الأساسي للوعي، يكمن في تلقّي المعرفة وإنتاجها (معرفة الطبيعة والمجتمع والإنسان). ما يعني صياغة الماهية عبر الاختيارات، وتحمّل المسؤوليّة الاختياريّة تجاه الأنا والمجتمع.

تركيز قدر كبير من البحث التكنولوجي في محاكاة العمليات الاجتماعية التي تنتج الوعي البشري

المعرفة، نتيجة تكوّن الوعي بشكل علاقة بين الذّات والموضوع، وهذا من خصائص الإنسان وحده. فالحيوان يُحدث تغييرًا في الطبيعة لكنّه لا يعي فعله بأبعاده ونتائجه. إذن، من الأدوار المهمّة للوعي أنّه يقيّم الظواهر الموجودة؛ ويلعب دورًا في توجيه العمليات الاجتماعيّة والتأثير فيها؛ لأنّ الوعي هو وحدة الذاتيّة والموضوعيّة، ووحدة العكس والسلوك. (الموسوعة الفلسفية).

في الآونة الأخيرة، أصبح البحث التجريبي لإنتاج آلة حاسوبية واعية، يتجه إلى تركيز قدر كبير من البحث التكنولوجي في محاكاة العمليات الاجتماعية، التي تنتج الوعي البشري بصورته الإنسانية النموذجية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن