لم يعد ممكنا النظر إلى الدور الإيراني في الشرق الأوسط باعتباره مجرد سياسة خارجية لدولة إقليمية تسعى إلى حماية مصالحها أو توسيع نفوذها. فقد تجاوز الأمر، خلال العقود الأخيرة، حدود التنافس التقليدي بين الدول، وأصبحنا أمام نمط من السلوك الإقليمي يعتمد على بناء شبكات من القوى المسلحة غير الدولتية، واختراق مؤسسات الدول الوطنية، واستثمار الانقسامات المجتمعية والسياسية، وتحويل ساحات عربية متعددة إلى ميادين للصراع بالوكالة. وهذه هي الزاوية التي أراها ضرورية لفهم ما يمكن وصفه بالدور الإيراني التفتيتي في الشرق الأوسط.
ولا تعني هذه القراءة تبني خطاب عدائي تجاه إيران أو تجاه الشعب الإيراني، ولا تعني إنكار حق إيران في أن تكون دولة إقليمية ذات مصالح وأمن ومكانة. المشكلة تتعلق بطبيعة الأدوات التي استخدمتها طهران لتحقيق مصالحها، وبخاصة حين تصبح الميليشيات المسلحة بديلا عن الدولة، وحين تتحول الانقسامات الطائفية والمذهبية إلى موارد سياسية، وحين تستخدم الجغرافيا العربية كمساحة للضغط على الخصوم الإقليميين والدوليين.
لقد نشأت في العراق ولبنان واليمن وساحات أخرى تشكيلات مسلحة مرتبطة بدرجات متفاوتة بإيران، وأصبح لبعضها قدرة على التأثير في القرار السياسي والأمني للدولة. وفي الحالة اليمنية، يكشف التطور الأخير للخطر بصورة أكثر وضوحا، إذ تحولت جماعة الحوثي من فاعل محلي إلى قوة قادرة على تهديد أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية وضرب الأراضي السعودية. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدا حادا في المواجهة مع الحوثيين، بما في ذلك تهديد باب المندب، الأمر الذي يؤكد أن ظاهرة الوكلاء المسلحين لم تعد مسألة داخلية تخص دولة عربية بعينها، وإنما أصبحت قضية أمن إقليمي ودولي.
الأخطر في هذا النمط أن الميليشيا لا تكتفي بمنافسة الدولة على السلطة، وإنما تعيد تعريف مفهوم السيادة نفسه. فالدولة التي تحتكر السلاح وتحدد السياسة الخارجية وتدير الحدود والممرات البحرية يمكنها، رغم أزماتها، أن تكون طرفا مسؤولا في العلاقات الدولية. أما عندما توجد داخل الدولة قوة مسلحة تستطيع اتخاذ قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الوطنية، فإن الدولة تفقد جزءا أساسيا من قدرتها على حماية مواطنيها وعلى الالتزام بتعهداتها الإقليمية والدولية. وهنا تحديدا تكمن خطورة الدور الإيراني التفتيتي. فالمشكلة ليست فقط في النفوذ الإيراني، وإنما في تحويل النفوذ إلى بنية موازية للدولة. إيران تستطيع أن تتعامل مع حكومات عربية منتخبة أو غير منتخبة، وأن تنافسها سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا؛ لكن عندما يصبح السلاح خارج سلطة الدولة، يصبح التنافس الإقليمي عاملا من عوامل تفكيك الدولة ذاتها.
ومن الخطأ، في المقابل، التعامل مع هذه المشكلة باعتبارها صراعا سنيا- شيعيا. مثل هذا التفسير يضر بالعرب وبالمنطقة، كما يختزل المشكلة في بعدها المذهبي ويمنح السياسة الإيرانية فرصة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها مدافعة عن جماعات مذهبية. القضية الأساسية هي قضية الدولة والسيادة واحتكار القوة المسلحة. وهي قضية ينبغي أن تشمل العرب وإيران وتركيا وإسرائيل وسائر دول المنطقة على قدم المساواة. من هنا تأتي أهمية الدور المصري. فمصر لا تحتاج إلى الانخراط في حرب مفتوحة مع إيران، ولا ينبغي أن تبحث عن مواجهة عسكرية مباشرة معها. ما تحتاجه هو سياسة نشطة للدفاع عن مفهوم الدولة الوطنية وعن أمن الدول العربية وعن حرية الملاحة وعن عدم تحويل الممرات الاستراتيجية إلى أوراق ابتزاز في الصراعات الإقليمية.
تمتلك القاهرة مقومات فريدة للقيام بهذا الدور. فهي الدولة العربية الأكبر من حيث الوزن السياسي والمؤسسي، وصاحبة موقع جغرافي يربط الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، كما أنها صاحبة خبرة طويلة في الوساطة وإدارة الأزمات. وقد أظهرت القاهرة خلال أزمة الحرب الأمريكية -الإيرانية في 2026 قدرتها على استخدام القنوات الدبلوماسية الهادئة للمساعدة في احتواء التصعيد. والدور المصري المطلوب، في تقديري، ينبغي أن يقوم على ثلاث دوائر مترابطة. الدائرة الأولى هي حماية الأمن العربي، وخصوصا أمن البحر الأحمر وقناة السويس، بالتنسيق مع السعودية والدول العربية المشاطئة. والدائرة الثانية هي الدفاع عن الدولة الوطنية في العراق واليمن ولبنان وسوريا، بما يعني دعم المؤسسات الرسمية في مواجهة أي قوة مسلحة تعمل خارجها. أما الدائرة الثالثة فهي الدفع نحو ترتيب أمني إقليمي لا يقوم على المحاور العسكرية، بل على قواعد واضحة لعدم استخدام القوة، واحترام السيادة، وتسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية.
أما السعودية، فدورها مختلف بحكم موقعها الجغرافي والسياسي. المملكة هي الدولة العربية الأكثر تعرضا بصورة مباشرة لتداعيات النفوذ الإيراني، سواء عبر الخليج أو العراق أو اليمن. ولذلك لا تستطيع الرياض تجاهل خطر الميليشيات المرتبطة بإيران، ولا سيما عندما تتحول إلى أدوات لاستهداف المدن والمنشآت الاقتصادية والمطارات والممرات البحرية السعودية. وقد أظهرت الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية أن التهديد لم يعد افتراضيا، بل بات يمس الأمن الوطني السعودي مباشرة. لكن قوة الموقف السعودي لا ينبغى أن تقاس بعدد الضربات العسكرية التي يمكن توجيهها للحوثيين أو لأي قوة أخرى، وإنما بقدرة المملكة على بناء ترتيبات إقليمية تمنع تكرار إنتاج هذه التهديدات. وهذا يعني الجمع بين الردع والدبلوماسية، وبين حماية الحدود والمصالح الحيوية وبين معالجة جذور الأزمات السياسية التي تسمح للميليشيات بالتمدد.
وهنا تتقاطع المصالح المصرية والسعودية بصورة واضحة. فالقاهرة تحتاج إلى استقرار الخليج والبحر الأحمر، والرياض تحتاج إلى استقرار البحر الأحمر والعالم العربي. ومصر والسعودية معا تستطيعان الانتقال من منطق رد الفعل على الأزمات إلى بناء تصور عربي للأمن الإقليمي. وتأتي تركيا لتضيف بعدا مهما إلى هذا التصور. فأنقرة ليست دولة عربية، لكنها قوة إقليمية رئيسية، ولها مصالح مباشرة في العراق وسوريا والخليج والبحر الأحمر، كما أنها تملك قدرات سياسية وعسكرية واقتصادية تجعلها لاعبا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية للأمن الشرق أوسطي. وقد دعت تركيا خلال 2026 إلى تعزيز قدرة دول المنطقة على معالجة أزماتها بنفسها والحد من الاعتماد المفرط على القوى الخارجية.
والأهم أن التعاون المصري - السعودي - التركي يمكن أن يقدم نموذجا مختلفا عن التحالفات التقليدية. فالمطلوب ليس إنشاء حلف موجه ضد إيران، ولا إقامة محور سني في مواجهة محور شيعي، وإنما بناء كتلة من الدول الإقليمية الرئيسية تدافع عن مجموعة من القواعد: الدولة الوطنية، السيادة، عدم التدخل، رفض الميليشيات العابرة للحدود، حرية الملاحة، وتسوية النزاعات عبر التفاوض. وهذا يفسر أهمية التشاور الذي جمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان خلال 2026. فقد أكدت هذه الدول، في اجتماعاتها، أن التعاون بينها يستهدف السلام والأمن والاستقرار والازدهار، وأن الحوار والدبلوماسية هما الطريق إلى حلول مستدامة. كما شددت في اجتماع نيويورك في سبتمبر على دعم أمن السعودية في مواجهة الهجمات الحوثية. هذه الصيغة يمكن تطويرها إلى نواة لعملية أمن إقليمي أوسع. ويمكن لمصر أن تدفع باتجاهها من موقع الدولة التي لا تسعى إلى الهيمنة، وللسعودية أن توفر لها الثقل العربي والخليجي، بينما تستطيع تركيا أن توفر بعدا إقليميا إضافيا يمنع اختزال الترتيبات الأمنية في إطار عربي أو مذهبي ضيق.
وفي هذا السياق ينبغي أن تكون الرسالة إلى إيران واضحة ولكن غير عدائية: إن المنطقة لا تستطيع قبول استمرار سياسة بناء الوكلاء المسلحين وتقويض الدول العربية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد إقصاء إيران من الإقليم ولا تسعى إلى تغيير نظامها السياسي. المطلوب هو تغيير السلوك الإقليمي، لا تغيير النظام الإيراني. وهذا هو الفارق بين سياسة الاحتواء الإقليمية وسياسة الحرب. فالاحتواء يعني منع إيران من استخدام الميليشيات لتغيير موازين القوى داخل الدول العربية، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا. ويعنى كذلك تقديم حوافز لإيران إذا قبلت بقواعد جديدة للعلاقات الإقليمية، تماما كما ينبغي أن تكون هناك كلفة سياسية واقتصادية وأمنية واضحة إذا واصلت سياسة تقويض الدول واستخدام الوكلاء.
وفي المقابل، ينبغي ألا تقع مصر والسعودية وتركيا فى الخطأ نفسه الذي وقعت فيه قوى دولية وإقليمية أخرى، أي الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على إنتاج الأمن. التجارب العراقية واليمنية والسورية واللبنانية تؤكد أن الحروب تستطيع تدمير القدرات، لكنها لا تنتج بالضرورة دولا مستقرة. بل إن الفراغ الناتج عن انهيار الدولة كثيرا ما يخلق البيئة المثالية لنمو الميليشيات. لذلك فإن مواجهة الدور الإيراني التفتيتي لا تبدأ من طهران وحدها، وإنما من داخل الدول العربية نفسها. كلما كانت مؤسسات الدولة قوية، وجيوشها موحدة، ونظمها السياسية قادرة على إدارة التنوع المجتمعي، تراجعت قدرة أي قوة خارجية على اختراقها. وكلما ضعفت الدولة وانقسم مجتمعها السياسي، أصبحت أكثر قابلية للتحول إلى ساحة نفوذ إقليمي.
من هنا أرى أن مصر والسعودية وتركيا أمام فرصة تاريخية. فالحروب المتتالية في الشرق الأوسط كشفت فشل الاعتماد المفرط على القوى الخارجية، كما كشفت أن الأمن لا يمكن أن يستقر في ظل تنافس إقليمي مفتوح واستخدام مستمر للوكلاء المسلحين. وقد دفع ذلك بالفعل إلى ظهور مشاورات إقليمية جديدة تبحث عن إطار أكثر استقلالا للأمن والاستقرار. المطلوب الآن هو الانتقال من التشاور إلى بناء قواعد. قواعد تمنع تفتيت الدول، وتضع حدا لاستخدام الميليشيات، وتحمي الممرات البحرية، وتمنع فرض الأمر الواقع بالقوة، وتفتح المجال أمام التسويات السياسية. وفي إطار كهذا يمكن أن تصبح إيران جزءا من النظام الإقليمي، ولكن على أساس احترام سيادة الدول وعدم استخدام الوكلاء المسلحين لتغييرها من الداخل. إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة ضد إيران، كما لا يحتاج إلى تسليم أمنه لإيران أو لأى قوة إقليمية أخرى. ما يحتاجه هو نظام أمني إقليمي جديد تتوازن فيه القوى، وتحكمه قواعد، وتكون فيه الدول، لا الميليشيات، هي وحدات النظام الإقليمى الأساسية.
وهنا يمكن لمصر والسعودية وتركيا أن تؤدى أدوارا متكاملة: مصر تقود سياسيا ودبلوماسيا، والسعودية توفر الثقل العربي والخليجي، وتركيا تضيف وزنا إقليميا واستراتيجيا. وإذا نجحت الدول الثلاث في تحويل هذا التعاون إلى عملية أمن إقليمية مفتوحة، فإنها لن تواجه الدور الإيراني التفتيتى فحسب، وإنما ستساهم فى معالجة أحد جذور أزمة الشرق الأوسط: غياب نظام إقليمي قادر على حماية الدول من بعضها ومن التدخلات الخارجية ومن القوى المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة. وهذا، في النهاية، هو الطريق الأكثر واقعية للخروج من منطق الحروب والمحاور: ليس هزيمة إيران، ولا محاصرة تركيا، ولا إبعاد القوى الكبرى، وإنما بناء شرق أوسط تكون فيه السيادة للدولة، والأمن مسؤولية إقليمية، والدبلوماسية بديلا دائما عن الحرب.
(الشروق المصرية)

