افتتحت الحرب بين إيران والولايات المتحدة شهرها الثامن دون أن يكون هناك مؤشر على قرب الوصول إلى اتفاق لإنهائها وتسوية الخلافات التي نشبت بسببها. وفي الواقع، فإن مثل هذا الاتفاق المحتمل يبدو مستعصياً لأسباب كثيرة، أهمها سببان: أولهما، غياب صفة "الديمومة" التي يمكن أن تتيح لأي اتفاق تجاوز المنحنيات الصعبة التي يمكن أن يواجهها، وأبرزها وجود أطراف داخلية في الدولتين لديها رغبة وربما مصلحة في تعطيله، وهو ما تتلاقى فيه مع إسرائيل.
وثانيهما، "المعادلة الحدِّية" التي يتبناها كل طرف والتىيلا توفر خيارات كثيرة أو حرية حركة وهامشاً واسعاً من المناورة. هذه المعادلة يفرضها إصرار كل طرف على انتزاع ما يمكن أن يصفه ويروج له في الداخل على أنه "إنجاز" أو "انتصار" في أى اتفاق محتمل، وهو ما يدفعهما إلى الإصرار على التمسك بمواقفهما من الملفات الخلافية الرئيسية، ولاسيما البرنامج النووي. وربما يفسر ذلك إلى حد كبير الدائرة المفرغة التي يدور فيها الصراع بين إجراء مفاوضات على فترات متقطعة والعودة إلى استئناف العمليات العسكرية من جديد.
قد يكون البرنامج النووي الإيراني هو العنوان الأبرز للمأزق الحالي الذي تواجهه الولايات المتحدة وإيران ويمنع الوصول إلى اتفاق مستدام بينهما. فرغم طرح أفكار ومبادرات عديدة حول هذا البرنامج ورغم الجهود الحثيثة التي تبذلها قوى إقليمية عديدة للتوسط بينهما، إلا أنها فشلت في مجملها في تحقيق الهدف الأهم وهو الوصول إلى توافق ثم إلى اتفاق يمكن التعويل عليه لإنهاء الحرب.
هنا، يمكن القول إن سياسات ورؤى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنتجت المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة في الوقت الحالي. فقد اعتمدت هذه السياسات من البداية على ضرورة الوصول إلى اتفاق مع إيران – سواء بالقوة أو بالتفاوض – أفضل إلى حد كبير من الاتفاق النووي الذي توصل إليه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مع إيران في 14 يوليو 2015. ومن هنا، فإن ترامب رفض كل المبادرات التي طرحت حتى الآن باعتبار أنها لم تقدم ما يفوق ما قدمته إيران لأوباما في عام 2015.
وبعبارة أخرى، فإن إصرار الرئيس ترامب على رفع سقف التوقعات بشأن الاتفاق الذي يمكن أن ينتزعه من إيران فرض عليه ضغوطاً وقيَّد هامش المناورة الذي كان يمكن أن يمنحه حرية حركة أكبر في إدارة المواجهة مع إيران. إذ إن قبوله بتقديم إيران تنازلات فيما يتعلق بتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم على سبيل المثال سوف يُعرِّضه لضغوط وانتقادات شديدة على مستوى الداخل الأمريكي، باعتبار أن ذلك في الأساس كان متوافراً في الاتفاق النووي عام 2015، حتى لو كان لأمد معين.
ومن ثم، فإنه في هذه الحالة كان سيواجه تساؤلات عديدة أولاً عن أسباب انسحابه من الاتفاق النووي في عام 2018، وثانياً عن أسباب إصراره على استخدام القوة التي فرضت تداعيات سلبية عديدة سواء على مستوى الخسائر البشرية والكلفة الاقتصادية أو على مستوى أزمة الطاقة التي عاناها العالم ووصلت ارتداداتها إلى الولايات المتحدة، رغم أنه كان من الممكن أن يصل إلى صفقة بهذا المستوى من دون استخدام القوة. وهنا، نصل إلى النتيجة الأهم. إذ إن إصرار ترامب على تحقيق انتصار حاسم أو تبني معادلة حدِّية في إدارة المواجهة مع إيران يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي تعطل الاتفاق حتى الآن.
إيران بدورها تواجه المأزق نفسه. إذ إن قيادتها الحالية – ممثلة في المرشد الأعلى للجمهورية مجتبى خامنئي - لا تستطيع الآن أن تقبل ما رفضته القيادة السابقة قبل الحرب، وإلا فإنها تجازف بمواجهة تساؤلات على المستوى الداخلي عن مغزى الإصرار على عدم التجاوب مع مطالب الرئيس ترامب خلال المفاوضات التي سبقت الحرب والمجازفة بتعريض البلاد لهذه الحرب الضروس التي كبَّدتها خسائر ضخمة على كل المستويات، العسكرية والبشرية والاقتصادية.
وبمعنى آخر، فإن المرشد مجتبى خامنئي – مع افتراض أنه يستطيع فرض رأيه على المؤسسات التي تدير المواجهة الحالية ولاسيما الحرس الثوري – يتبنى المعادلة الحدِّية نفسها، والتي تقوم على رفض تقديم التنازلات التي يطلبها الرئيس ترامب، والتي ستكون في هذه الحالة "وصفة ممتازة للانهيار والاستسلام". بل إن هذه المعادلة نفسها هي التي تدفع طهران الآن إلى التمترس خلف ما تسميه حالياً "الشروط السبعة"، والتي يتعلق أبرزها بإنهاء الحرب على كل الجبهات الإقليمية، ورفع العقوبات، وإنهاء الحصار، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
هنا، يبدو من الصعب أن تتجاوب واشنطن مع هذه الشروط، أولاً لأنها ستبدو في هذه الحالة وكأنها الطرف الخاسر الذي يستجيب لإملاءات الطرف المنتصر، وثانياً لأن هذه المطالب نفسها لم تنجح إيران في انتزاعها حتى في الاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع أوباما، الذي وضع ما يمكن تسميته بــ"اللغم" الذي انفجر في وجه إيران في 28 أغسطس 2025 عندما تم تفعيل "آلية الزناد" التي أعيدت بمقتضاها العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على إيران وتم تعليقها بموجب الاتفاق النووي!.
إن ذلك في مجمله يعني أن واشنطن وطهران تواجهان معضلة تسويق أي اتفاق محتمل بينهما والإصرار على استمراره إن تم إبرامه في الأساس، خاصة أن عملية جردة حساب داخلية ستجرى على مستوى الداخل الأمريكي والإيراني لهذا الاتفاق في آنٍ واحد، بما يضع عقبات عديدة أمام الخروج من الدائرة المفرغة التي يدور فيها الصراع ويبدو أنه سيواصل الدوران فيها.
(الأهرام المصرية)

