الاقتصاد العربي.. وضرورات التكامل

حرب الطاقة الجديدة! كيف يمكن للعرب بناء صناعة بطاريات قادرة على المنافسة؟

تُمثّل صناعة البطاريات فرصةً يجب على الدول العربية عدم تفويتها في وقتٍ يتخلّى فيه العالم بسرعة عن الوقود الأحفوري ويتجه إلى الطاقات الجديدة التي تمثل البطاريات عماد عملية تخزينها.

حرب الطاقة الجديدة! 
كيف يمكن للعرب بناء صناعة بطاريات قادرة على المنافسة؟

لا تقتصر أهمية البطاريات على السيارات الكهربائية والهجينة فقط، ولكن تزداد أهميتها مع توجّه العالم إلى الطاقات الجديدة لإنتاج الكهرباء التي تتسم بتقلّب أوقات إنتاجها، ما يستلزم قدرات تخزين كبيرة.

وفي هذا السياق، يشهد الشرق الأوسط طفرةً في مشاريع الطاقة المتجدّدة، حيث من المتوقع أن تصل الاستثمارات فيها إلى حوالي 25 مليار دولار أميركي، وفقًا لتقرير موقع Ken Research (نُشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025).

وتزداد أهمية البطاريات جرّاء التوسّع العالمي لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة يُفترض أن يكون جزء كبير منها طاقات جديدة.

لدى العالم العربي ميزة كبيرة جرّاء احتوائه على معظم احتياطيات العالم من الفوسفات

وبينما تسعى دول عربية عدة للتحوّل إلى قاعدة لمراكز البيانات على رأسها دول الخليج ومصر والمغرب، فإنها تحتاج إلى التوسّع في صناعة البطاريات لمواكبة هذا التحوّل. ولدى العالم العربي ميزات نسبية في صناعة البطاريات، أهمّها وفرة الطاقة والأيدي العاملة ورخصهما والقرب من الأسواق المهمة إضافةً إلى وجود بعض المواد الخام المهمة في صناعة البطاريات، مثل الحديد في موريتانيا والجزائر، والمنغنيز في مصر، كما تنتج العديد من الدول العربية الألومنيوم بأسعار تنافسية بفضل توافر الطاقة، ولدى المغرب واحد من المناجم النادرة في العالم لإنتاج الكوبالت بنقاوة عالية هو منجم بُوزار في إقليم ورزازات.

والليثيوم نادر في المنطقة العربية، لكنّ السعودية استخلصته من مياه حقول النفط، والإنتاج التجاري متوقّع بحلول 2027، كما أعلنت الجزائر نتائج استكشاف أولية إيجابية لليثيوم من دون الإعلان عن الكميات.

أما المواد الخام النادرة في منطقتنا، فأغلبها يتواجد في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية وهي مناطق قريبة أو ليست بعيدة عن الدول العربية ما يجعل استيرادها مُيسّرًا إذا توفّرت الإرادة السياسية لبناء خطوط ملاحية للاستيراد وضخّ استثمارات عربية في هذه الدول عبر تأسيس شركات للتعدين فيها مثلما فعلت الصين.

بناء صناعة بطاريات قوية يتطلّب تنسيقًا وتعاونًا عربيًا لأنّ إمكانات الدول العربية تتكامل في هذا المجال

ولدى العالم العربي ميزة كبيرة جرّاء احتوائه على معظم احتياطيات العالم من الفوسفات بنسب تتراوح بين 78 و80% يتصدره المغرب بنسب تتراوح بين 68% إلى 70% من الاحتياطي العالمي، مقابل نحو 15% فقط من إمدادات التعدين العالمية بحسب الوكالة الدولية للطاقة؛ ثم مصر بنسب احتياطي نحو 3.8% من الاحتياطي العالمي وإنتاجها نحو 5.5 ملايين طن؛ والجزائر نحو 3% وإنتاجها نحو مليونَيْ طن؛ والسعودية نحو 1.4% وإنتاجها 10 ملايين طن؛ ثم الأردن 820 مليون طن نحو 1.1% من الاحتياطي العالمي وإنتاجه نحو 12 مليون طن، وهو رابع منتج عالمي؛ وتونس نحو 2.5 مليار طن نحو 3.4% من الاحتياطي العالمي.

وبحسب وكالة الطاقة الدولية، شكّلت بطاريات LFP نحو 55% من بطاريات السيارات الكهربائية و90% من بطاريات التخزين الثابت في 2025، وهي البطاريات التي تعتمد على الفوسفات، ما يعطي وزنًا محتملًا كبيرًا للعرب في هذا النوع من البطاريات تحديدًا. ولقد تعاقد المغرب على مشروع مهم مع شركة "Gotion" الصينية و"شركة فولكس فاغن" الألمانية لبناء مصنع عملاق لإنتاج بطاريات LFP للتصدير بطاقة سنوية تبلغ 100 ألف طن.

لكنّ بناء صناعة بطاريات قوية يتطلّب تنسيقًا وتعاونًا عربيًا لأن سوق أي دولة عربية وحدها لن تكون كافية، كما أنّ إمكانات الدول العربية تتكامل في هذا المجال فدول الخليج لديها الاستثمارات والطاقة الرخيصة وهناك دول فيها المواد الخام والأيدي العاملة بأسعار مناسبة مثل المغرب ومصر والجزائر والعراق والسعودية والأردن وتونس، كما بدأت بعض الدول العربية في بناء خبرات ووضع خطط قُطرية طموحة مثل المغرب والإمارات ومصر والسعودية.

يجب أن يكون هناك استثمار عربي مشترك في التعليم والبحث العلمي في مجال البطاريات وتعدين مدخلاتها

كما أن التعاون العربي ضرورة لمواجهة المنافسة الصينية - الأميركية الشرسة في هذا المجال، بعدما تحوّلت صناعة البطاريات إلى صناعة استراتيجية وبات التنافس حول موادها الخام في قلب حروب الطاقة الجديدة مثلها مثل النفط.

ولقد انتبهت دول الاتحاد الأوروبي إلى أهمية التعاون المشترك في صناعة البطاريات لمواجهة التفوق الصيني - الأميركي، وأنه من دون صناعة بطاريات قوية وكفؤة لا يمكن بناء صناعة حديثة، إذ إن تفوّق الصين في صناعات الإلكترونيات والسيارات الكهربائيّة قائم بشكل أساسي على استثمارها لسنوات في صناعة البطاريات واستخراج المواد الخام الخاصة بها سواء من أراضيها أو من الدول الأخرى.

ولإقامة صناعة بطاريات ناجحة يجب التغلب على العديد من التحديات، منها نقص التكنولوجيا والبنية الأساسية في المنطقة العربية ومعالجة محدودية البنية الخاصة بإعادة تدوير البطاريات، حيث لا تتجاوز نسبة البطاريات التي يُعاد تدويرها بفعّالية 12% في منطقة الشرق الأوسط.

كما يجب أن يكون هناك استثمار عربي مشترك في التعليم والبحث العلمي في مجال البطاريات وتعدين مدخلاتها، وهي مسألة يصعب على أي دولة عربية التفرّد بها وقد يكون هناك حاجة إلى إنشاء معاهد ومراكز عربية عابرة للدول في مجال تطوير البطاريات وتعدين مواد تصنيعها على غرار الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إضافةً إلى شركات عربية عابرة للحدود تعمل في هذا المجال.

أوروبا تعاني من ارتفاع تكاليف الطاقة والعمّال والأرض وهي جوانب يتميّز فيها العالم العربي

ويجب ربط صناعة البطاريات العربية بمشروعات الطاقة الجديدة ومراكز الذكاء الاصطناعي في المنطقة، وكذلك ربطها بمشروع أو خطة لبناء صناعة سيارات كهربائية وهجينة عربية مواكبةً للتطور العالمي، وكذلك التوجّه لتصدير البطاريات خاصة إلى الاتحاد الأوروبي الذي يريد التخلّص من هيمنة صناعة البطاريات الآسيوية ولا سيما الصينية، لكنّ أوروبا تفتقد الكثير من القدرات التنافسية في هذا المجال حيث تعاني من ارتفاع تكاليف الطاقة والعمّال والأرض وهي جوانب يتميّز فيها العالم العربي.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن