يشير أحدث هرم لتوزيع الثروات العالمية في تقرير الثروات العالمي لعام 2026 إلى أنّ عدد البالغين الذين يمتلكون الثروات العالمية بلغ 3846 مليون شخص. وبلغ عدد مَن تضمّهم الشريحة الأدنى من الثروات نحو 1620 مليون نسمة من البالغين يشكّلون نحو 42,1% من مجموع البالغين في العالم. ويملك كلّ منهم ثروة أقل من 10 آلاف دولار، بمجموع بلغ 3220 مليار دولار تُشكّل 0,6% من مجموع الثروات العالمية.
أمّا الشريحة التي تتراوح ثروة الفرد فيها بين 10 آلاف دولار ونحو 100 ألف دولار فبلغت نحو 1580 مليون نسمة شكّلوا 41,1% من مجموع البالغين في العالم. وبلغ مجموع ثرواتهم نحو 63160 مليار دولار تشكّل نحو 12,2% من الإجمالي العالمي. ومجموع الشريحتَيْن يشكّل 83,2% من عدد البالغين في العالم ممّن يُصنّفون ضمن الفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، ويملكون 12,8% فقط من الثروات العالمية.
أمّا الشريحة التي تتراوح ثروة الفرد البالغ فيها بين 100 ألف دولار ومليون دولار، فبلغ عددها 588 مليون نسمة من البالغين، شكّلوا 15,3% من مجموع البالغين في العالم. وبلغ مجموع ثرواتهم نحو 200720 مليار دولار، تشكّل نحو 38,8% من مجموع الثروات العالمية.
الأثرياء في الكيان الصهيوني يفتقدون الثقة في استمرار كيان تأسّس بالاغتصاب ويستمرّ بالعدوان
أمّا الشريحة الأعلى من الأثرياء ممّن يمتلك الفرد البالغ فيها مليون دولار فأكثر، فبلغ تعدادها نحو 58 مليون نسمة من البالغين، أي نحو 1,5% من عدد البالغين في العالم، وبلغ مجموع ثرواتهم نحو 250590 مليار دولار، بما يعادل نحو 48,4% من مجموع الثروات العالمية، أي نحو 3,8 مرة قدر ما يملكه 83,2% من البالغين الأقلّ دخلًا في العالم!.
الثروات المالية تكتسح كلّ أشكال الثروة العقارية والإنتاجية
تُشير بيانات تقرير الثروات العالمي إلى هيمنة الأصول المالية على الغالبية السّاحقة من الثروات في الولايات المتحدة وكندا واليابان والبرازيل ودول الخليج الثرية مثل قطر والسعودية والإمارات. وهو ما يعني أنّ الأثرياء في تلك البلدان يفضّلون الأوعية المالية لاختزان ثرواتهم، باعتبارها الأسهل في التسييل.
ويأتي الكيان الصهيوني في مقدمة مَن يحتفظون بالثروة في أصول مالية بنسبة 82,1% من إجمالي الثروات، حيث يفتقد الأثرياء فيه الثقة في أمان وحتى في استمرار كيان تأسّس بالاغتصاب ويستمرّ بالعدوان. والأمر نفسه ينطبق على جنوب أفريقيا حيث تشكّل الأصول المالية نحو 79,5% من إجمالي الثروات، إذ يحتفظ الأثرياء، وغالبيتهم الساحقة من الأقلية البيضاء، بثرواتهم في أصول مالية يسهل تسييلها، فتلك الأقلية الفاحشة الثراء لا تثق في المستقبل في بلدٍ فقدت فيه سيطرتها وتسلّطها على مقادير السياسة والحكم.
وبلغت حصة الأصول المالية كنسبة من إجمالي الثروات نحو 78,9%، و73,3%، و68,9%، و66,2% في الولايات المتحدة، والبرازيل، واليابان، وكندا بالترتيب.
وبلغت النسبة في قطر والإمارات والسعودية بالترتيب نحو 76,7%، و59,2%، و58,6%. وبلغت حصة الأصول المالية كنسبةٍ من إجمالي الثروات نحو 55,9% في بريطانيا، ونحو 50,9% في إيطاليا، ونحو 46,9% في فرنسا، ونحو 43,6% في ألمانيا، ونحو 51,9% في الصين (الأرض الرئيسيّة)، ونحو 31,2% في روسيا.
تأثير خيارات معالجة اختلال توزيع الدخل عربيًا وعالميًا وداخليًا على السلام الدولي والاجتماعي
يترافق سوء توزيع الدخل الواضح من هرم توزيع الثروات العالمية، مع سوء توزيع للدخل في كل بلد. ويُشير مؤشر جيني الذي يقيس نمط توزيع الدخل (كلّما اقترب المؤشر من الواحد الصحيح كان ذلك مؤشرًا على سوء توزيع الدخل) إلى أنّ ذلك المؤشر بلغ في عام 2025 نحو 0,82 في كل من الإمارات وروسيا. وبلغ 0,81 في كل من جنوب أفريقيا والبرازيل. وبلغ 0,78، و0,77، و0,73، و0,67، و0,60، و0,59، و0,54، و0,53، و0,47 في كل من السعودية، والولايات المتحدة، وتركيا، وألمانيا، والصين، وبريطانيا، وإيطاليا، واليابان، وقطر بالترتيب.
الدول الرأسمالية الغنية لم تلتزم بتخصيص نسبة 0,8% من ناتجها لمساعدة الدول الفقيرة
وفي ظلّ الواقع المشار إليه آنفًا لهرم توزيع الدخل العالمي، واختلال توزيع الدخل في بعض البلدان التي أتاحت البيانات حول ذلك التوزيع، يبدو التساؤل عن فرص السلام العالمي أمرًا منطقيًا، فالدول الأشد فقرًا، تُحاول مجموعات من مواطنيها الهجرة إلى بلدان أغنى وأكثر استقرارًا، ما يخلق موضوعًا مفتوحًا للتوتّر بين دول المنبع ودول تمرير المهاجرين، وبين دول المقصد، سواء في القارة الأوروبية والولايات المتحدة أو حتى في دول آسيوية ولاتينية وإفريقية ناهضة تعتبر مقصدًا للمهاجرين من بلدان أفقر أو تعاني من اضطرابات سياسية وأمنية.
ولن تنتهي تلك القضية ما دام سوء توزيع الدخل العالمي قائمًا ويتفاقم، خاصّةً أنّ الكثير من مواطني الدول الفقيرة لديهم قناعة بأنّ الدول الأكثر ثراءً في أوروبا والولايات المتحدة بنت جزءًا من ثرائها على نهب ثروات أوطانهم في العهد الاستدماري، وعلى استغلال بلدانهم في ما بعد ذلك العهد عبر مختلف آليّات التجارة والاستثمار وأسعار الصرف، بما يخلق احتقانات يمكن أن تتجلّى في أي صورة، خاصّةً أنّ الدول الرأسمالية الغنية لم تلتزم أبدًا بمبادرة الأمم المتحدة التي وافقت عليها والتي نصّت على تخصيص نسبة 0,8% من ناتجها لمساعدة الدول الفقيرة.
اختلال توزيع الدخل سيظلّ مولّدًا دائمًا للتوترات الاجتماعية والسياسية
وفي المنطقة العربية، توجد فوارق هائلة بين دخل الفرد في دول الخليج وباقي دول المنطقة، لكن قوة العمل التي تحتاج إليها دول الخليج من دول الإقليم العربي تُتيح فرصة لتيار من التحويلات إلى الدول المصدّرة لخدمات العمالة، بما يهدئ الخواطر داخل الإقليم نسبيًا.
وداخل كل بلد يعاني من اختلال توزيع الدخل، سيظلّ ذلك الاختلال مولّدًا دائمًا للتوترات الاجتماعية والسياسية ما بقيت تلك الدول بعيدةً عن تحقيق العدالة الاجتماعية وعن توزيع ثمار التنمية بشكل عادل على كل مَن ساهموا في تحقيقها بالمال أو بالعلم أو بالعمل.
(خاص عروبة 22)

