بين مخطّطات تتعلّق بتقويض صلاحيات السلطة وإعادة هندسة دورها، وسيناريوات تشمل تشديد الحصار المالي والاقتصادي وتغيير الواقع الجغرافي والدّيموغرافي، تتزايد المخاوف من انتقال التهديدات الإسرائيلية إلى مرحلةٍ أكثر خطورةً على مستقبل الوجود الفلسطيني ومؤسّساته السياسية.
يقول القيادي في "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" رباح جبر لـ "عروبة 22"، إنّ "المفاجأة الكبيرة جدًا" التي هدّد بها نتنياهو السلطة الفلسطينية ودعاها إلى انتظارها، باتت ملامحها واضحة، ويتحدّث عنها الإعلام الإسرائيلي وعدد من وزراء دولة الاحتلال (كاتس وبن غفير وسموتريتش) بوضوح تام.
عزل القرى وأحياء المدن عن بعضها والتحوّل إلى بلديات محلية لا سلطة فلسطينية مركزية عليها
ويؤكد أنّ هذه المخططات لم تعد مفاجئة، فقد بدأت تطبيقاتها العملية بالفعل منذ سنوات عدّة، لكن ترجماتها الميدانية العملياتية والسياسية باتت أوضح بعد "السابع من أكتوبر" وتشمل:
أولًا: ليس فقط عزل القدس المحتلة عن باقي أنحاء الضفّة الفلسطينية، أو الاستمرار في عزل قطاع غزّة عن الضفة الغربيّة، ولا الاكتفاء بعزل المحافظات عن بعضها البعض، ولا القرية أو البلدة عن مدن المحافظات، بل والقرية عن القرى المجاورة عبر مئات البوّابات الحديديّة التي أقامها الاحتلال مؤخرًا، وربما عزل أحياء المدن عن بعضها البعض.
ثانيًا: القضاء على مفهوم الحكم الذّاتي حسب ما نصّ عليه اتفاق أوسلو، وبناء إدارات محلية مرتبطة بالإدارة المدنية وجيش الاحتلال في كل مدينة وبلدة فلسطينية في المناطق التي تُدار حاليًا من قبل السلطة الفلسطينية، وهذا لا يشمل طبعًا المنطقة (ج) التي تُعادل حوالي 64% من مساحة الضفة.
ثالثًا: حلّ الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتجريد عناصرها من السلاح، والإبقاء على جهاز شرطي فقط يؤدّي أفراده مهامهم كلٌّ في مدينته أو بلدته أو قريته من دون السماح لهم بمغادرة أماكن سكنهم أو التنقّل بين المدن والمحافظات.
تغيير الجغرافيا والدّيموغرافيا الفلسطينية عبر التجريف والهدم والتطهير العرقي والتهجير
رابعًا: تفكيك سلطة الحكم الإداري الذّاتي (التي كانت في السنوات الأخيرة تقوم بدور بلدية كبرى على مستوى الضفة) وتقويض دورها السياسي والأمني، والتحوّل إلى بلديات محلية لا سلطة فلسطينية مركزية عليها، بل الإشراف المركزي عليها من قبل الإدارة المدنية وجيش الاحتلال، بينما الإنفاق المالي على هذه الإدارات والخدمات الصحية والتعليمية وغيرها المقدّمة للمواطنين يتم تمويله فلسطينيًا.
خامسًا: بلغت درجة الصفاقة السياسية في تصريحات العديد من وزراء دولة الاحتلال والإعلام اليميني الموالي لحكومة نتنياهو، حدّ الدعوة إلى ترحيل قادة السلطة السياسية إلى الأردن.
ويضيف جبر: "إنّ كل ذلك يترافق مع تغيير الجغرافيا والدّيموغرافيا الفلسطينية، عبر التجريف والهدم والتطهير العرقي والتهجير الذي لم يعد يقتصر على المخيمات والتجمّعات البدوية، بل تعدّاه ليمتد إلى المدن الفلسطينية كما يحدث في هذه الأيام في مدينة الخليل".
وأمام هذه التهديدات، يشدّد جبر على ضرورة التحرّك الفوري نحو حوار وطني شامل، يُفضي إلى صياغة استراتيجية فلسطينية موحّدة وتشكيل حكومة توافق وطني، وتوحيد الطاقات السياسية والشعبية لمواجهة مشاريع الاستيطان والضم والتهجير، وصولًا إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق حقّ العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
المسألة الأكثر تعقيدًا تتمثّل في مدى رغبة إسرائيل في إسقاط السلطة بصورة كاملة
في المقابل، يؤكّد المحلل السياسي نزار نزّال لـ"عروبة 22" أنّ قراءة تهديدات نتنياهو يجب أن تندرج ضمن سياق سياسي واستراتيجي أوسع من مجرّد الضغط على السلطة الفلسطينية أو التلويح بعقوبات مالية. ويشير إلى أنّ السؤال الأساسي يتمثّل في ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى فرض شروط جديدة على السلطة، أم إلى خلق واقع ميداني يحدّ من قدرتها على ممارسة ما تبقّى من صلاحياتها.
ويضيف نزّال أنّ توقيت هذه التصريحات، في أعقاب عملية الخليل، يفتح الباب أمام قراءتها أيضًا في سياق الحسابات السياسية والانتخابية الإسرائيلية، ومحاولة نتنياهو توظيف التصعيد لتعزيز موقعه أمام الشارع الإسرائيلي. لكنّه يحذّر في الوقت عينه من أنّ الحديث عن عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية، بالتوازي مع دعوات بن غفير إلى تفكيك السلطة ونزع سلاحها، يجعل احتمالات التصعيد الميداني قائمة، ولا سيما في ظلّ تعدّد المسارات التي يمكن أن تتخذها الخطوات الإسرائيلية المقبلة.
ويوضح نزّال أنّ هذه المسارات قد تشمل توسيع العمليات العسكرية في الضفّة الغربية، وتقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية، وتشديد الضغوط المالية والاقتصادية عليها، فضلًا عن اتخاذ خطوات تُعيد تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي الفلسطيني. غير أنّه يرى أنّ المسألة الأكثر تعقيدًا تتمثّل في مدى رغبة إسرائيل في إسقاط السلطة بصورة كاملة، مقابل السعي إلى إضعافها وإعادة تشكيلها وتغيير طبيعة دورها السياسي والأمني، ما يجعلها أكثر محدوديةً في ممارسة صلاحياتها وفي قدرتها على اتخاذ القرار.
كل المؤشّرات السياسية والميدانية تضع مستقبل السلطة الفلسطينية أمام مرحلة بالغة الحساسيّة
وبين التحذيرات الفلسطينية من مخطّطات تستهدف تفكيك السلطة وتكريس التجزئة الجغرافية، والقراءات السياسية التي ترجّح احتمالات إعادة هندسة دور السلطة الفلسطينية بدلًا من إسقاطها الفوري، تبقى طبيعة "المفاجأة الكبرى" التي تحدّث عنها نتنياهو غير محسومة. لكن الأكيد أنّ كل المؤشّرات السياسية والميدانية تضع مستقبل السلطة الفلسطينية أمام مرحلة بالغة الحساسيّة، في ظلّ مخاوف من أن تتجاوز الإجراءات الإسرائيلية حدود الضغط السياسي والاقتصادي، نحو فرض وقائع جديدة على الأرض تُعيد رسم شكل العلاقة بين الاحتلال والسلطة، وتفاقم التحدّيات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني.
(خاص عروبة 22)

