بصمات

من الضّباب إلى الفراغ: ظِلُّ الصّراع الفكري في البلاد المستقلة!

إذا كان النِّزاع الذي يطبع عالم السياسة، والصِّراع الذي يحكم عالم الاقتصاد، يتجلّيان بوضوح ولا يخفيان، فإنّ الصّدام والنِّزاع الفكريّ في عالمِ الأفكار يبدو أكثر احتجابًا، ولا يظهر بالوضوح الذي يظهر به غيرُه. والسّبب أنّ الأفكار لا تتجلّى إلّا من خلال آثارها ومفاعيلها، فالفكرة الدّينيّة مثلًا، نبصرها من خلال الممارسات والشعائر، وفكرة التقدّم نلحظها في مستوى مُنجزات الحضارة التقنيّة، وفكرة التنوير أيضًا، نرى آثارها في حريّة استعمال التعقّل بمعزل عن التحكّم والتّوجيه السلطوي وهكذا. وإذ تبيّن هذا، فإنّنا نصرف سعينا إلى أنّ مجالات القلق والصدام في عالم الأفكار اليوم تتقوّى وتمتدّ أكثر، ويتقوّى معها ويمتدّ عنصرٌ آخر لا يرغب في الظُّهور ولا تخدمه المرئيّة، بل إنّ خيوطه التّوجيهيّة دومًا في مصانع مخفيّة، بيْد أنّ آثارها وتجلّياتها أقوى وأقدر على توجيه حركة الأفكار والتحكُّم فيها.

من الضّباب إلى الفراغ: ظِلُّ الصّراع الفكري في البلاد المستقلة!

إنّه الصّراع الفكري الذي غرضه الإرباك والضّبابية والفراغ دفعًا لأيّ إرادة صلبة نحو البناء والفعل والتّغيير. هذا، ومن المجالات التي يعمل فيها هذا الصّراع الفكري من خلال مراصده وأدواته: حركة الأفكار في المشاريع، والخيارات الفكريّة التي تتبنّاها المؤسّسات والدول والمجتمعات بخاصّةٍ في رسم نقطة الانطلاق: من أين ننطلق في مشاريعنا الحضاريّة؟ وأيّ فلسفة أو رؤية نتبنّى في تدبيراتنا السياسيّة وأنظمتنا التعليميّة والاقتصاديّة وأوجه الحياة الأخرى كافّة؟.

الضباب في الرؤية يُنتج فراغًا في العمل

لقد اشتغلت هذه اليد الخفيّة غداة استقلال البلدان ومنها الجزائر، فكانت حركتها هي تفعيل الصّراع الفكري في البلاد المستقلّة، والشاهد على هذه الحقيقة ما رواه المفكّر الجزائري مالك بن نبي (1905 ــ 1973) الذي حضر لقاءً بين وزير التّوجيه الجزائري شريف بلقاسم (1933 ــ 2009) وجاك بيرك (1910 ــ 1995) المستشرق الفرنسي المعروف، الذي دُعِي إلى إلقاء محاضرةٍ في سنة 1964، وبعد اللقاء أوصى جاك بيرك الوزير الجزائري حينها، بأن يستضيف الفيلسوف الماركسي روجيه غارودي (1913 ــ 2012) قبل تحوّله إلى الإسلام.

وكما هي عادة مالك بن نبي، في تطبيقه مجهر التّحليل والمعاينة، تساءل رفقة صديقه عبد العزيز الخالدي، لماذا يقترح جاك بيرك روجيه غارودي، على الرغم من أنّ الأول من طبقة فرنسيّة رفيعة، بينما ينتمي غارودي إلى الفئة الكادحة التي تناضل من أجل تأمين مصادر الحياة؟ فمنطق الانتماء الطبقي يأبى هذا الاقتراح والتزكية.

والنّتيجة التي طالعنا بها مالك بن نبي من خلال مجهره التّحليلي والتّأويلي، أنّ غرض جاك بيرك من خلال هذا الاقتراح، هو إدخال الفكرة الماركسيّة ضمن برامج التّوجيه التنموي في الجزائر، لكن ليس من أجل إدراج مفردات الخطاب الماركسي، بل من أجل تكثير الأفكار والخيارات المُتعارضة: الفكرة الليبراليّة والفكرة الماركسيّة والفكرة العربيّة الإسلاميّة، وعندما تكثر الأفكار وتتعارض الاقتراحات، يستحيل العمل ويبقى النقاش ضمن هذا المستوى من غير أثرٍ فعليّ جليّ، وهذه هي النتيجة المنطقيّة: ضبابٌ في الرؤية يُنتج فراغًا في العمل.

لأجل ذلك ينصح مالك بن نبي المجتمعات الرّاغبة في التطوير والتجديد بالوعي بأنّ كثرة الاقتراحات في هذا المستوى تؤكّد أنّ الاستعمار يعمل بذكاء وفاعلية وأنّه يقف على أرض صحيحة؛ فرغبته هي بقاء هذا الصدام في مرجعيّة الانطلاق حتى لا يتحرّك الفعل أو يبدأ وفق مرجعيّة مُشتركة تتميّز بالوضوح والتوافق.

الاستعمار يريد دومًا التّعارض والتّناقض في مستوى المكوّنات الثقافيّة حتى تبقى التنمية مُعطّلة والبناء غير مكتمل

ومؤدّى هذا، أنّك عندما تجد داخل المجتمع الواحد مثل المجتمع الجزائري توجيهًا نحو الصّدام في مسائل الهويّة والأصول الثقافيّة وطلوع خطابات الكراهية، فاعلم بأنّ الاستعمار شغّال وبكفاءة نادرة، لأنّه لا يريد لهذا المجتمع التوافق والمشاركة وقوّة الطاقة التي هي شرط الحركة وشرط الإنجاز، بل يريد له دومًا التّعارض والتّناقض في مستوى المكوّنات الثقافيّة، حتّى تبقى التنمية مُعطّلة والبناء غير مكتمل.

وهذا ليس معناه صرف القول إلى مسؤوليّة الآخر عن تأخّرنا وضعفنا، وإنّما لزوم الوعي الذّكي بهذا العامل اللّامرئي الذي يعمل دومًا على توجيه نقاشاتنا وأفكارنا نحو الفراغ، أين لا يشعر الإنسان عندنا بالطاقة التي تحفّزه للعمل ولا يعرف الوجهة التي يقصدها في مشروعه التنموي، فالضّباب يحول بينه وبين رؤية مقصوده والفراغ يفصله عن قدرته التي يعمل بها وينمّي ذاته ووطنه، والصياغة الأخيرة تلخّص المطلوب، حيث نبدأ بالنتيجة صعودًا نحو العلّة الأولى، ويمكن أيضًا عكس هذه الحركة هبوطًا: من الصِّراع إلى الضّباب.

الفراغ ← تعطيل الفعل ← تعذُّر التوافق ← الضّبابية والإرباك ← تعدُّد مرجعيّات الانطلاق ← الصِّراع الفكري.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن