بصمات

اصطناع العجز في العلوم الإنسانية! تفاهة إقصاء كلية الآداب في المجتمع

تخيَّلوا أرضًا بلا فلسفةٍ تستشكِلُ مظهَرها، أو شعْرٍ يُنقِذُ وجدان الإنسان من الفناء! تخيَّلوا مجتمعًا ينبذُ رأسَه ويُغمض عينيه فيُلقي آدابَه ومعاييره القِيَمِيَّةَ ويتبعُ هواه في استهلاك ممكنات التواصل التقني بأشكاله، للبقاء في حيثيّة الثرثرة اليومية التي لا تُجاوِزُ رتابَةَ الانغماس في الواقع إلى فرصة التأثير فيه وتحويله حدثًا مؤاتيًا لفاعلية النفس الحُرَّة في ابتكار مجالِها الإبداعي في الحياة.

اصطناع العجز في العلوم الإنسانية! 
تفاهة إقصاء كلية الآداب في المجتمع

هل يمكن بناءُ مجتمعٍ يخلو من إنتاج تأويليَّته الرّحبة، التي تمكِّنُ الفهم وإبداء الرأي، طريقًا لإبداع الموقف واختراع أدواته الملائمة للعيش الكريم؟!.

هنا نسألُ أيضًا، مَن يحدِّدُ قيمة المعرفةِ ومصادِر إنتاجها المباشر؛ أي تلك المؤسّسات القادرة على صناعة الأثر القابل للقياس والقادر على إحداث فارق نوعيّ في سيرورة المجتمع التنموية والتطورية في العالم اليوم؟.

تُعامَل العلوم الإنسانية باعتبارها أقل قدرة على الاستجابة لحاجات المجتمع

لا بدَّ في هذا السياق من الإشارة إلى ظاهرة سلبيَّة في السياسة العشوائية أصلًا التي ينتهجها الفاعلون المُهيمنون على أنظمة الحكم في بلادنا. وهذه المرّة من جهة علاقة هذه السياسات الرثَّة بمؤسّسات التعليم العالي عمومًا، وكليات الآداب والعلوم الإنسانية على وجه الخصوص. تتجسَّد هذه المشهدية الخربة في تطاول هذه الطبقات الاجتماعية المستحكمة بإدارة النظام التعليمي والمالي، والممسكة بإدارة النظام الوظيفي ومؤسّساته أيضًا، على كينونة الفرد الذي ينوي أن يتكوَّن في كلية الآداب والعلوم الإنسانية. إذ تضَعُه هذه السلطة الفاسدة وأجهزتها في جوٍّ من الحذر والخوف بأنّه يدرسُ علومًا لا يحتاجها العصر، وأنّ العلمَ اليوم هو ما يتعلّق بالتقنية والعلوم التطبيقية أو تلك العلوم المهنية السريعة كالتجارة وإدارة الأعمال والإعلانات وغيرها التي تمكِّنُ دارسيها من تحصيل الأموال والأرباح والمناصب العليا، وغير ذلك من مغريات الرفاه الاجتماعي.

إذًا يُحاطُ الطالب، الشابُّ، بهواجسِ العوَز وإمكانات التأسيس لكينونته الهامشية في المجتمع الراهن، إذا ما اختار دراسة الآداب. والمفارقة في هذا السياق أنّه في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى فهم التحوّلات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية، تُعامَل العلوم الإنسانية باعتبارها أقلَّ قدرةً على الاستجابة لحاجات المجتمع، وتُدفع كلية الآداب إلى هامش المؤسّسات التي يُفترض أنّها تُعِدّ الإنسانَ لفهم عالمه والمشاركة في تغييره.

كلية الآداب هي مجالٌ لإنتاج أدوات الفهم والنقد والتأويل

وقد جاوَزَت المسألةُ التقليلَ من شأن العلوم الإنسانية وإقصائها من الفاعلية المؤثرة، إلى اختزال دورها في أنّها معارف ونظريات لا تُجاوِز الشرح والتأمُّل، وهي بالنتيجة عاجزةٌ عن تقديم الحلول وإحداث الأثر، لذا لا يمكن احتسابها شريكًا في صُنعِ السياسات وصَوْغِ التحوُّلات وبناء الرؤى المستقبلية واستشرافها. ما حدا بهذه الطبقة من أصحاب السلطة والإدارة والمال إلى أن يُحارِبوا كلِّيَّة الآداب ويمعنوا في إقصائها، ابتداءً بتخفيض تمويلها والعناية بها وصولًا إلى إهمالها العلني وتضمين الخطابات السياسية كلامًا عن عدم جدوى الآداب في مجتمعاتنا الراهنة، وهو ما أدّى إلى تدخُّل هذه الفئات السَّطحية في تحديد إبقاء هذه الكليات جزءًا من بنية الجامعة العميقة!.

إذًا، إنّنا أمام صناعة العَجز في تكريس التهميش لدور العلوم الإنسانية في صناعة الأثر الاجتماعي المرئي في المؤسّسات ومراكز العمل. لكن ماذا لو مارسنا النّقد الذّاتي من باب تحميل كلية الآداب بعض المسؤولية في مواكبة إحداثيّات التطوّر الاجتماعي على الصُّعد كافّة، ما يجعلنا نلتفت قليلًا إلى جوانب التقصير في المناهج التي يمكن أن تؤدّي إلى تأسيس شروط الاعتراف بها. فهل كليَّة الآداب اليوم قادرةٌ على أن تصبحَ جزءًا من البنية المعرفية للمجتمع، لا مجرّد مؤسّسة يُحكم عليها بمقدار ما تُنتجه من وظائف مباشرة؟.

إنّ كلية الآداب ليست مجرّد مكان لتدريس الفلسفة والأدب والتاريخ واللغات، بل هي مجالٌ لإنتاج أدوات الفهم والنقد والتأويل، ولتكوين ذواتٍ قادرةٍ على هزِّ المُسلّمات وتفكيك الخطابات الجامدة وبناء المفاهيم، وهندستها بما يجعلها تسهم في فهم الإشكاليّات الاجتماعية المستعصية، فتُقْدِم على تحليل الخطاب السياسي والإعلامي الراهن، وتنشغل في بحث الأبعاد الأخلاقية للتقنية الذكية المحايِثة، عندئذٍ تتمكّن من بعث التفكير في مفاهيم المواطنة والعدالة والهوية وغيرها من المفاهيم التي تضمن لها فاعليتها وتواصليَّتها مع محيطها.

إبطال التصحُّر الفكري في المجتمع لا ينجزه لوم المجتمع بل فاعلية أهل الفكر

إذًا علينا استعادة حقِّ الآداب في التأثير، وهذا لا يتطلّب سياسات دفاعية عن كلية الآداب، كما هي، على حالها، بل يقتضي تثويرَ سيرورة التعليم نفسِها داخل الكلِّية. إذ إنّنا قبل أن نرثي عدم قدرة المجتمع على فهم نفسه، علينا التأسيس لميثاق فكري أخلاقي تربوي يربط جدوى تعلُّم الآداب والعلوم الإنسانية برفع مستوى المجتمع العلمي الفاعل في تنمية الإنسان. وذلك من خلال عقد المؤتمرات العلمية المتخصّصة التي توجِّه غاياتها إلى فهم الخيارات المُتاحة أمام طالب العلوم الإنسانية، وجعل قضايا المُساءَلة النقدية والتقويم الأخلاقي لتجويد صناعة المعنى في الحياة مسألةً ضروريةً لضمان استقلالية المجتمع وقدرته على صناعة المستقبل.

العلوم الإنسانية ليست دائمةَ الفاعلية، مهما كان مضمونها، بل هي في حاجة إلى تجديدٍ قصْديّ، يقوم به أهلها بوضع خطَّةٍ تنقل النقاش في تأثيرها إلى مستوى البحث في المعايير التي تؤهلها للاشتراك في صناعة الأثر. لا يمكن أن نطلب من الناس فهم أهمّية الأدب في المجتمع إذا لم نُجدِّد فهمنا لوظيفة العلوم الإنسانية في المجتمع. فكلية الآداب اليوم يجب أن تصبِح مثار استشكالٍ لأهل الآداب أنفسهم، بحيث يُصبح البحث عن دورها وفاعليتها هو شغلهم الشاغل. ذلك أنّ إبطال التصحُّر الفكري في المجتمع لا ينجزه لومُ المجتمع، بل فاعلية أهل الفكر في تأكيد الحاجة إلى فكرهم في واقعهم.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن