قضايا العرب

الهاربون من حرب "الأخوة الأعداء".. عبر الحدود السودانية المصرية!

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

المشاركة

تُعمّق عمليات التهريب المتواصلة عبر الحدود لمئات الأُسر السودانية الهاربة من قسوة الحرب، أزمة اللاجئين السودانيين في مصر، وتفتح أبوابًا واسعة أمام ظهور جديد لعصابات التهريب على الحدود المشتركة بين البلدين، التي حوّلت مدينة أسوان -جنوب مصر- إلى محطة ترانزيت غير شرعية للفارين من جحيم الحرب، ونقطة انطلاق رئيسة إلى العمق المصري.

الهاربون من حرب

تبدو الغالبية العظمى من اللاجئين السودانيين الجدد، الذين نزحوا إلى مصر بعد اندلاع الحرب، أشبه بالمستجيرين من الرمضاء بالنار، فكثيرون منهم حتى وإن التزموا بـ"الكلام الساكت"، يعانون من شظف العيش، بعدما تركوا خلفهم بيوتهم التي كانت عامرة حتى وقت قريب وجل مدخراتهم، قبل أن يلقوا بأنفسهم إلى الفيافي القاحلة، وجحيم تجربة شديدة القسوة للفرار من أتون الحرب المستعر، بينما القلّة التي تمكنت من الحصول على تأشيرات رسمية لدخول البلاد، وخضعوا للقواعد القانونية المنظّمة للنزوح، كانت لديهم الفرصة كاملة لترتيب أوضاعهم، ليحلوا "ضيوفًا كرامًا" على العديد من الأحياء الراقية فى العاصمة المصرية، وهي تلك الفئة التي تقدّر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أعدادها بنحو 380 ألف لاجئ، دخلوا إلى البلاد بطريقة شرعية، وقاموا بتسجيل بياناتهم لدى المفوضية، التي تقوم على توفير خدمات الحماية والتسجيل والتوثيق، بل وإعادة التوطين للنازحين قسرًا.

تقديرات غير رسمية في مصر، تقول بوضوح إنّ هذا الرقم لا يلامس الحقيقة، فأعداد اللاجئين السودانيين في تزايد مستمر، وربما على مدار الساعة، وهو ما كان سببًا في زيادة أعدادهم خلال شهور قليلة، إلى أكثر من 700 ألف لاجئ، تدفق معظمهم إلى البلاد بصورة غير شرعية، على نحو وضع الجنسية السودانية في صدارة قائمة اللاجئين الذين تستضيفهم مصر، حيث يفوقون فى التعداد العام نظراءهم من حملة الجنسيات الأخرى مثل السوريين واليمنيين والصوماليين، وأكثر من ثمانية عشر ألف لاجئ إثيوبي، أغلبهم من عرقية الأورومو، جاءوا إلى البلاد قبل سنوات بعيدة، هربًا مما يتعرضون له من اضطهاد من الحكومة الإثيوبية.

تنتشر عشرات من ممرات التهريب عبر الدروب الصحراوية القاسية، على الحدود السودانية المصرية المشتركة، التي تقدّر بأكثر من ألف كيلومتر، وهي الطرق الوحيدة المتاحة أمام مئات من الأُسر، التي فشلت فى الحصول على تأشيرة رسمية لدخول مصر بشكل شرعي، على ما ينطوي عليه ذلك من قصص دامية تجسّدها شهادات الفارين من جحيم الحرب، وما تعرّضوا له من مخاطر، تبدأ بالسرقة والابتزاز، ولا تنتهي بالموت على رمال الصحراء القاحلة، حيث لا تتوقف المآسي عند حالة الموت التي يترتب عليها دائمًا، صعوبات جمة في إثبات حالات الوفاة للهاربين، واستخراج أهاليهم من رفاق رحلة الهروب، لشهادات موثّقة بالوفاة.

تروي شواهد عشرات من القبور المتناثرة في الصحاري المترامية على تخوم مدينة أسوان، حكايات دامية عن رحلات الهروب القسري للعديد من الأسر السودانية التي قضى بعضها في الفيافي البعيدة، قبل أن يتم مواراة جثامين بعضهم فى رمال أسوان، وهي أعداد قليلة حسبما يقول "أمير" وهو واحد من عشرات الشبان السودانيين، الذين نجوا من رحلة الهروب القاتلة، وانخرطوا في مبادرات أهلية لدعم السودانيين في أسوان.

"قمتُ بالإشراف على دفن عدد كبير في أسوان، بعد إجراءات مزعجة، لم يكن لدينا خيار سوى أن نمشي فيها للنهاية، حتى نتمكن من استصدار تصريح دفن، ومن بعده شهادة وفاة من القنصلية السودانية، وهي فترة تستغرق أيامًا، يظل فيها الميت في ثلاجة المستشفى حتى يحين موعد الدفن"، يقول أمير.

تنطلق رحلات التهريب، حسب شهادات ناجين تحدّثوا لـ"عروبة 22"، من ولاية كسلا شرقي السودان، وتنتهي بعد مدة تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أيام، عند منطقة الكسارات المتاخمة لمدخل مدينة أسوان، مقابل 250 دولارًا للفرد، تحصل عليها عصابات التهريب العاملة على الحدود المشتركة، حيث يتم شحن العشرات في سيارات ربع نقل، بعضها ينطلق من قرية الحفائر التي يعمل معظم سكانها في مهنة التعدين والبحث عن الذهب، قبل أن ينطلق الركب إلى مدينة عطبرة، عبر طريق موحش تقطعه السيارات في نحو ست ساعات، لا يخلو من التفاف حول بعض نقاط الارتكازات المنتشرة في المنطقة للجيش السوداني، ومنها إلى منطقة أبو عريضة أو منطقة التخزينة القريبتين من الحدود المصرية، اللتين ينتشر بهما عشرات من تجار العملة، لاستبدال العملة بأسعار السوق السوداء، إلى جانب بيع شرائح الاتصالات المصريه بمبالغ ضخمة.

لا تتوقف عمليات التهريب عند ولاية كسلا، لكنها تمتد حسبما يقول الكاتب السوداني والباحث في الشؤون السياسية محمد يوسف وردي لـ"عروبة 22"، إلى مناطق أخرى مثل شندي وعطبرة وأبو حمد في ولاية نهر النيل، وكريمة ووادي حلفا في الولاية الشمالية، وجميعها تفضي في النهاية إلى مسالك للتهريب تخترق الصحراء النوبية، أو ما يُعرف بطريق القوافل القديم، الذي سيطرت عليه قبائل العبابدة لعقود، وكان ينطلق فيما مضى من بلدة كروسكو النوبية، وهي واحدة من القرى التي غمرتها مياه السد العالي، وينتهي عند أبو حمد في ولاية نهر النيل.

يطلق المهرّبون دائمًا بعض الكشافة، لمراقبة تحرّك قوات حرس الحدود المصرية في المنطقة الحدودية، وإطلاق إشارة بدء التحرك للسيارات التي تحمل الفارين، بعد التأكد من أنّ الطريق قد أصبحت آمنة، وحينئذ يصبح لزامًا على قائد السيارة أن يسير بأقصى سرعة ممكنة، غير عابئ بالشبان الذين يتم تقييدهم في حواف الصندوق الخلفي للسيارة على شكل مربع مفتوح، بينما تجلس النساء ومعهم الأطفال في وسط الصندوق، لحمايتهم من وعثاء الطريق، في رحلة قاسية تقترب من خمس ساعات دامية، تنتهي عند منطقة الكسارات في أسوان، وهي اللحظة التى تنتهي عندها معاناة الفارين من جحيم الحرب، إيذانًا ببداية حلقة جديدة من سلسلة معاناة لا تنتهي، يعانيها أبناء السودان، الذي كان حتى وقت قريب حاضرة الجنوب، قبل أن تعصف به حرب "الأخوة الأعداء".

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن