ثقافة

عروبتُنا جريمتُنا: سنقاوم حتى تزهر مدننا نوابت فكرية

في طريق البحث عن استرجاع حلم عروبتنا الذي أصبح جريمة تلاحقنا في العالم ومن حولنا، وفي كل مدننا العربية من المحيط إلى الخليج، تربط بين الحلم والفكرة عروة وثقى، خاصّة في لحظات أصبحت تحلم فيها الشعوب العربية بنفسها، ولذلك من المهم أن نعرف كيف نصاحب هذه الأحلام فكريًا؟ خصوصًا وأنّ نفي الفكرة وحتى الحلم خاصّية ملازمة لكثير من القوى الإقليمية والعالمية، التي أصبحت تجهد منذ مدة بنية خالصة في دعم المبدأ المقدّس للواقع العربي شديد الوهن والترهل، فاقد القدرة والإمكان حتى على الأحلام، وبهذا المعنى فهي لا تعمل سوى على التعبير عن ثابت من ثوابت التاريخ الإنساني المتمثل في أنّ السلطة تنام في سلام حين لا أحد يستطيع، بل لا يعرف أو لا يجسر على الأحلام بتعبير ميشيل مافيزولي.

عروبتُنا جريمتُنا: سنقاوم حتى تزهر مدننا نوابت فكرية

قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، كانت كل مدننا العربية ناقصة ــ بلغة ابن باجة ــ لأنّها عجزت عن توفير الظروف المناسبة وتحقيق الفضيلة والسعادة والخير العام لأفرادها، فهي إمّا مدينة جاهلة تفتقر للمعرفة حيث تُبنى حياتها على العادات والتقاليد من دون أن تسعى إلى الحقيقة والفضيلة؛ وإمّا مدينة فاسقة تتسم بالعلم والمعرفة لكنها لا تطبقهما لتحقيق العدالة والخير، بل تُسخّر مواردها لخدمة أهواء ورغبات أطراف معيّنة، أو مدينة مُضلة تُروّج فيها أفكار تبدو صحيحة لكنها باطلة في جوهرها، ويعيش أهلها في ضلال ولا يسعون للتحرّر منه، أو مدينة ضرورية تقتصر فيها الحياة على تلبية الرغبات والملذات دون الاهتمام بتطوير الروح أو العقل وتحقيق الكمال الإنساني، ذلك الذي ينتج المدينة الكاملة.

رحلة الإصلاح تمر عبر إعادة بناء الوعي بالذات وتعميم العقل والمعرفة وتنتهي بشيوع الفكر الإصلاحي

من خواص مدننا هذه في نظر ابن باجة، الفيلسوف والمفكر الذي عايش فترة الاضطرابات السياسية والاجتماعية وتفكك السلطة في الأندلس تحت حكم ملوك الطوائف، أنّها تعج بالنوابت، إذ يقول: "فأما من وقع على رأي صادق لم يكن في تلك المدينة أو كان فيها نقيضه هو المعتقد، فإنّهم يسمون النوابت، وكلما كانت معتقداتهم أكثر وأعظم موقعًا، كان هذا الاسم أوقع عليهم، ونٌقل إليهم هذا الاسم من العشب النابت من تلقاء نفسه بين الزرع"، وقد خصّ ابن باجة بمفهوم النوابت أولئك الذين يرون آراء صادقة مختلفة عن الشائع بين الناس، ووجودهم في نظره هو سبب حدوث المدينة الفاضلة/الكاملة.

وإصلاح المدن الناقصة وتدبيرها نحو الكمال والفضيلة بحسب ابن باجة، يبدأ من هؤلاء النوابت الذين يشبون في حالة من الاغتراب تجعل لهم أفكارًا وتصورات تختلف تمامًا عن الأفكار السائدة بين عموم الناس، فالنابت – بالمفرد - هو ذلك المتوحد الغريب الذي يفكر ويتصرف على نحو مغاير، ويحمل في ذهنه صورة كاملة تتجسد فيها قيم إنسانية سامية يفتقدها في مجتمعه، وقد أنهكته الصراعات السياسية والاجتماعية والطائفية والقبلية والتحالف مع الأعداء، وهذه الإشارة تدفع إلى القول بأنّ رحلة الإصلاح - بحسب ابن باجة - تمر عبر ثورة في الفكر في أفق العمل على إعادة بناء الوعي بالذات، وتمر بتعميم العقل والمعرفة في أفق التأثير في وعي الآخرين، وتنتهي بشيوع الفكر الإصلاحي وانتشاره فاعلًا وغاية في المدينة، وهو ما تجسّد فعليًا في سردية "طوفان الأقصى" الذي شكّل عودة صاخبة لنوابت غزّة وفلسطين والعالم العربي كله، بعد مرورهم بمراحل متراكبة من "التوحد" وعزلة مضاعفة، أولها بالحصار الجائر لمدينتهم، وثانيها بالأسر والحبس الانفرادي لكثير منهم والذي سمح للنوابت منهم بتطوير قدراتهم الفردية والفكرية للوصول إلى "العقل الفعال"، وثالثها بالتخفي الطوعي وبالتواري عن الأنظار داخل الأنفاق كشرط للتدبير والعودة (ملكاوي).

غزّة جسّدت بفعل الإبادة انحطاط الإنسانية ورسمت طريق الخلاص لكل نابت عروبي

رغم أنّ غزّة لم تبلغ بعد مستوى المدينة الكاملة التي وعد بها ابن باجة في نظريته للإصلاح، بل جسّدت بفعل الإبادة التي شنت عليها انحطاط الإنسانية إلى البهيمية، إلّا أنّها مع ذلك رسمت طريق الحلم العربي والخلاص لكل نابت عروبي.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن