العرب والتحوّلات الاستراتيجية

نحو استراتيجيّة مستقبليّة للحضور العربي (1/2)

في عالمٍ تتنافس فيه الأمم بضراوة على الخلق والابتكار من أجل إعادة النّظر في علاقة الإنسان بالوجود بكيفيّة جذريّة وتمكينه من التحكّم فيه، ولو أدّى الأمر إلى انتشار فوضى دلاليّة وقِيَميّة لا ضابط لهما، في عالم تتّسع فيه الفجوة بين الأمم المتقدّمة والأمم العالقة بين التّراث والحداثة، لا يمكن لاستراتيجيّة ترفع تحدّي اللّقاء بين الشّرق (العروبي) والغرب، بعد أن حُكم على هذا اللّقاء بالاستحالة سابقًا، إلّا إذا تأسّست في نظرنا على أربعة مرتكزات رئيسيّة هي العلم والإنسان والعلمانيّة والوحدة.

نحو استراتيجيّة مستقبليّة للحضور العربي (1/2)

أوّل ما ندعو إليه، توطئةً لإنجاز هذه الاستراتيجيّة، هو التخلّي عن تداول لغة التشاؤم المبتذلة التي اعتدنا عليها للحكم بالجُملة على كلّ بلدان العالم العربي، بأنّها بلدان فاشلة ومنهارة وغارقة في أزمةٍ عميقة لا أمل في الخروج منها. ذلك أنّنا نؤمن، من جهة، بأنّ كلّ البلدان العربية انخرطت بهذه الجهة أو تلك وبكثير من الهمّة والإصرار على الّلحاق بزمن التّحديث والحداثة في معظم تجلّياتها العلميّة والثّقافيّة والاقتصاديّة والتّواصليّة.

كما أنّنا نؤمن من جهة ثانية، بأنّ العالم العربي منذورٌ لأن يتبوّأ مركز الصدارة بين الأمم بحكم موقعه الاستراتيجي الفريد في قلب البحر الأبيض المتوسّط المطلّ على المحيط الأطلسّي (البحر الأبيض المتوسّط الجديد)، والمحاط بثلاث قارات وبأكثر من بحرٍ ومحيط، وبسبب إمكاناته الطبيعيّة الهائلة، وبتراثه الثّقافي الغني الذي يجمع بين لغة الوحي ولغة العقل. هذه الميزات الاستراتيجيّة والتّاريخيّة والثّقافيّة للعالم العربي تخوّله لأن يلعب دور القوّة الحضاريّة الحكيمة القادرة على التخفيف من وطأة العواقب الوخيمة التي تترتّب عن الثّورات العلميّة وعلى رأسها الثّورة الرّقميّة.

تبنِّي الرّؤية العلمانيّة من شأنه مقاومة التّغلغل الصّهيوني والتغلغل الإيراني

غير أنّ هذه المؤهّلات والطّاقات الهائلة التي يملكها العالم العربي تتطلّب تفعيلها. وأوّل ما يستوجب إنجازه لهذا الغرض هو التخلّص من عائقَيْن يقفان في وجه أيّ محاولة للتّفعيل:

العائق الأوّل هو الكيان الصّهيوني الذي زرعته الإمبرياليّة الغربيّة في العالم العربي كي لا يخرج من قمقمه التّراثي إلى فضاء الحداثة والتقدّم الحضاري للعالم بإشعال الحروب تلوَ الحروب وبثّ التّفرقة بين مكوّناته السكّانيّة.

العائق الثّاني الذي ينبغي التخلّص منه هو النفوذ الإيراني الذي أبَى إلّا أن يُحوّل مجموعة من الدّول العربيّة إلى مجرّد "لواحق" للذّات الإيرانيّة مهمّتها - أي "دول المناذرة" - إحياء النّعرة الطّائفيّة والفقهيّة التي تُفرغ يوميًّا الطّاقات العربيّة من قوّتها.

ونحن نعتقد أنّ تبنِّي الرّؤية العلمانيّة من شأنه، من جهة، مقاومة التّغلغل الصّهيوني الذي يُشهر سلاح التفوّق اليهودي الذي يُعزيه إلى تبنّيه للعلمانيّة والديموقراطيّة لشنّ حروبه لمنع العروبة من الخروج من أفق اللّاهوت إلى أفق المدَنيّة؛ ومن جهة ثانيّة، بوسع تبنِّي الرؤية العلمانيّة مقاومة التغلغل الإيراني الذي يُشهر سلاح التّفوق الإيراني باسم اللّاهوت، فيُشعل نار الفتنة المذهبيّة بين مكوّنات الشّعوب العربيّة لمنعها من الخروج من كهف الطائفيّة إلى شمس الدّولة الوطنيّة. هكذا يتبيّن أنّه بإمكان انتهاج سبيل العلمانيّة إزالة الغشاوة عن أعين النّاس كيما يروا الواقع كما هو، لا كما تُصوّره لهم العنصريّة الصّهيونيّة والطّائفيّة الإيرانيّة، ومعالجة مشاكلهم المستعصيّة بنظرة علميّة وسياسيّة واقعيّة.

صار الذّكاء الاصطناعي "عقلًا فعّالًا" لا يُزاحِم العقل البشري وحسب بل ويُهدّد وجوده

بعد إزاحة هذين العائقَيْن، سيكون على العروبة أن تنفتح على كل الأمم المنتجة للخيرات العلميّة والتّقنيّة والفنّيّة والأدبيّة والأخلاقيّة والسّياسيّة، حتى تكون وفيّة لروح الحضارة الإسلاميّة في الماضي التي انفتحت على كل الحضارات والثّقافات واللّغات والتّفاعل معها لتشييد حضارتها الخاصّة.

نعم، لا يوجد وجه شبه بين زمن "ما قبل الحداثة" وزمننا هذا الذي هو زمن "ما بعد الحداثة"؛ لأنّه إذا كانت الحضارة العربيّة الإسلاميّة قد انطلقت من تعريف الإنسان بالوحيْ والعقل معًا، وكانت تنظر إليهما بوصفهما جوهرَيْن متعاليَيْن ولو أنّهما يحدّدان ماهيّة الإنسان، فإنّ زمننا هذا بعد أن عرّف الإنسان بالعقل التّنويري زمنًا ما، وبالعقل ما بعد التّنويري زمنًا آخر، انتهى به الأمر إلى خلق عقل آلي بات يتحكّم في كل أنحاء الوجود البشري ومفاصله وعلاقاته بالطّبيعة.

هكذا صار هذا العقل أو الذّكاء الاصطناعي "عقلًا فعّالًا" لا يُزاحِم العقل البشري وحسب، بل ويُهدّد وجوده بأفعاله النّاجعة والشّاملة ويُمهّد للاستغناء عن الإنسان بفعله وتفكيره، كما استغنت الثّورة الصّناعيّة عن قوة العبيد الجسديّة.

هكذا، ما كِدنا نتحرّر من "العدميّة الظّلاميّة" التي أدخلتنا في غيبوبة معرفيّة وتاريخيّة عطّلت عقلَنا وإرادتنا وحواسّنا وخيالنا، حتى طفقنا نعاني اليوم من رقّ "العدميّة الرّقميّة".

"التّحدي الأكبر" لاستراتيجيّة إثبات الحضور العربي هو الذّود عن الإنسان وحفظ كرامته

نعم، لا يمكننا أن نتجاهل عطاءات أنوار "العقل الرّقمي" سواء على مستوى البحث العلمي أو على مستوى الثّقافة العامّة التي تتولّاها الشّبكات الاجتماعيّة (فيسبوك، إكس، واتساب، إنستغرام...)، أو على مستوى علاقتنا بالطّبيعة (الطّب، الزّراعة، التصحّر إلخ...). إلّا أنّنا لا نستطيع أن نتغاضى في الوقت عينه، عما يشكّله "الذّكاء الاصطناعي" من مخاطر على الذّات الإنسانيّة حيث أغرقها في أشكالٍ مستحدثة من الرّق والعبوديّة، وجرّدها من قدرتها على المبادرة وعلى التفكير والفعل والانفعال، وعوّدها على اقتراف أنواع جديدة من الكذب والغشّ والتّزوير. ومما زاد الطين بلّة أنّ الثّورة الرّقميّة تتحالف مع الثّورات العلميّة والتّقنيّة الأخرى، كالثّورة البيولوجيّة لتعديل النّظام الجيني للإنسان والتحكّم في مصيره على كل المستويات، هذا عدا تسخير "العدميّة الغيبيّة" لمنجزات الثّورة الرّقميّة لإحكام قبضتها على الإنسان وإفراغه من معناه.

وهذا ما يحملنا على جعل "التّحدي الأكبر" لاستراتيجيّة إثبات الحضور العربي هو الذّود عن الإنسان وحفظ كرامته وسط هذا التدفّق الهائل للابتكارات الرّقميّة والبيولوجيّة التي تقضم وجود الإنسان وتبدّد ماهيته كل يوم.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن