الأمن الغذائي والمائي

العالم العربي: من "انعدام الأمن" الغذائي إلى "السّيادة" الغذائيّة (1/2)

من بين 113 دولة شملتها دراسة مجلّة "الإيكونوميست" في تقريرها عن "مؤشِّر الأمن الغذائي العالمي"، احتلّت الإمارات العربيّة المتّحدة المرتبة 23 فقط، بينما احتلّت سوريا المرتبة الأخيرة! أما من حيث متوسّط كفاية إمدادات الطّاقة الغذائيّة - وهي نسبة الطّاقة الغذائيّة المقدّمة إلى الطّاقة الغذائيّة المطلوبة - فعلى الرّغم من أنّ العالم العربي ككل بلغ 134، إلّا أنّ التّفاوتات الكبيرة استمرّت داخل الدّول.

العالم العربي: من

على سبيل المثال، سجّلت الدّول العربيّة الأقلّ نموًّا (مثل السّودان واليمن وسوريا في الجدول أعلاه) درجاتٍ أقلّ من 100 بشكل ملحوظ[1]. ما يظهره هذان المؤشّران، ولو بشكلٍ تقريبي، هو أنّ هناك مشكلة أمنٍ غذائي في العالم العربي، أو الأفضل من ذلك أنّ هناك حالة تقترب من "انعدام الأمن الغذائي".

العالم يُنفق أقلّ من 5% من عائداته من صادرات السّلع المصنّعة على الواردات الغذائيّة وتزيد النّسبة في العالم العربي عن 7%

ما الذي يسبّب هذه المشكلة؟ يمكننا تحديد ستة عوامل على الأقل:

الأول هو عدم الاستقرار السّياسي الذي يعطّل، بل ويوقف إنتاج الغذاء وتوزيعه والوصول إلى الأسواق.

الثاني هو التغيّر المناخي، الذي يمكن أن يؤدّي تأثيره في زيادة التصحّر ونقص الأمطار إلى خفض إنتاج الغذاء العربي بنسبة 30% إذا ارتفعت درجة الحرارة العالميّة بمقدار درجتَيْن مئويتَيْن وبنسبة 60% إذا ارتفعت بمقدار 4 درجات مئوية.

الثالث هو نقص المياه نفسها، إذ إنّ العالم العربي هو أكثر مناطق العالم ندرةً في المياه، وبما أنّ 70% من الزّراعة تعتمد في معظمها على الأمطار، فإنّ قلّة هذه الأخيرة لا تعني فقط انخفاض الزّراعة، بل أيضًا انخفاض المياه الجوفيّة لسقيْ الـ30% الأخرى.

الرابع هو النموّ السّكاني الذي يبلغ 2.2% سنويًّا، وما يقرب من 90% من هذا النموّ هو نموّ حضري يتوسّع على حساب الزّراعة البريّة.

ثلث الزّيادة في النّاتج الزّراعي العربي فقط يأتي من ارتفاع الإنتاجيّة الزّراعيّة العربيّة مقارنة بـ95% عالميًا

الخامس هو الاعتماد على الواردات - خصوصًا في الحبوب حيث تصل إلى 65% - مما يجعل الأمن الغذائي مرهونًا بتوفّر النّقد الأجنبي المتقلّب وتقلّبات أسعار الغذاء العالميّة. وفيما العالم يُنفق أقلّ من 5% فقط من عائداته من صادرات السّلع المصنّعة على الواردات الغذائيّة، فإنّ النّسبة في العالم العربي تزيد عن 7% (وأعلى بكثير بالنّسبة إلى دول بعينها: 40% للبنان و400% لجيبوتي!).

السّادس وربما الأهمّ، هو انخفاض إنتاجيّة الزّراعة، حيث إنّ 1% فقط من إجمالي مساحة الأراضي العربيّة تعتبر عالية إلى متوسّطة الإنتاجيّة (لكن مقابل 17% للسّودان)، وحيث إنّ ثلث الزّيادة في النّاتج الزّراعي العربي فقط يأتي من ارتفاع الإنتاجيّة الزّراعيّة العربيّة مقارنة بـ95% عالميًا.

وربّما ليس من المستغرب أن تكون انعكاسات هذه العوامل وحالة الأمن الغذائي على العالم العربي حادّة للغاية[2]. ففي العام 2022، بلغ عدد الأشخاص الذين يعانون من سوء التّغذية في العالم العربي 60 مليون شخص، أي أعلى بنسبة 76% بالمقارنة مع العام 2000. وهذا يُعادل 12.9% من السّكان، مقابل متوسّط عالمي يبلغ 9.2%. وبالإضافة إلى ذلك، بلغ عدد المتضرّرين من الأمن الغذائي - أو بتعبيرٍ أدقّ "انعدام الأمن الغذائي" - 170 مليون شخص، أو 36.6% من السّكان. والواقع أنّ ما يقرب من ثلثَيْ السّكان في البلدان العربيّة التي تمزّقها النّزاعات تأثّروا سلبًا، في حين أنّ نصفهم تقريبًا في البلدان العربيّة الأقلّ نموًّا.

التّبعيّة السّياسيّة قد تنشأ عن الاعتماد على الدّول الأجنبيّة في استيراد الغذاء والموادّ الزّراعيّة

حدث كل ذلك في وقت ارتفعت فيه واردات الغذاء العربيّة - الفجوة الغذائيّة - من 20 مليار دولار في العام 2000 إلى 70 مليار دولار في العام 2022. وحتى الدّول العربيّة الغنيّة (دول مجلس التّعاون الخليجي) ليست بمنأى عن هذه الفجوة الغذائية. على الرّغم من أن دول مجلس التّعاون الخليجي تُنفق أقلّ من 5% من عائدات صادراتها المصنّعة لسداد قيمة وارداتها الغذائيّة، إلّا أنّها تستورد مع ذلك نسبة هائلة تبلغ 85% من احتياجاتها الغذائيّة!. يضاف إلى كلّ هذه التداعيّات، الآثار السلبيّة لسوء التّغذية على الصّحة والتّعليم والإنتاجيّة، وتأثير الفقر الناتج عن ذلك في الصّراعات الاجتماعيّة وعدم الاستقرار السّياسي، وأخيرًا وليس آخرًا، التّبعيّة السّياسيّة التي قد تنشأ عن الاعتماد على الدّول الأجنبيّة في استيراد الغذاء والموادّ الزّراعيّة.

ما الّذي يجب القيام به؟ نقترح في الجزء الثاني من هذا المقال ستّ استراتيجيّات يمكن أن تُمكّن العالم العربي من الانتقال من حالة "انعدام الأمن الغذائي" تقريبًا إلى حالة تقترب من "السّيادة" الغذائيّة.



[1] الإسكوا، الأفق العربي 2030: إمكانات تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة العربيّة، 2017.

[2] الأمم المتّحدة، نظرة إقليميّة عامّة حول حالة الأمن الغذائي والتغذيّة في الشّرق الأدنى وشمال أفريقيا، 2023.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن