وجهات نظر

مصر أمام "الاختبار"!

لم يكن اقتراح ترامب بتهجير مليون ونصف مليون فلسطيني من قطاع غزّة مجرّد اقتراح لكي يرفضه العرب، إنّما هو اختبار حقيقي للأداء العربي ولقدرة الدول التي يستهدفها هذا الاقتراح على مواجهته بإجراءات وسياسات فعّالة.

مصر أمام

الحقيقة أنّ مقترح ترامب مثّل اختبارًا حقيقيًا لكلّ من مصر والأردن اللتين أعلنتا رسميًّا رفضهما لهذا المقترح، كما عبّرت قطاعات شعبية واسعة عن رفضها القاطع لهذا المقترح. وبقي السّؤال؛ هل الأدوات التي استخدمها الخطاب الرّسمي في مصر قادرة فعلًا على مواجهه هذا التحدّي؟ أم أنّ "اختبار ترامب" يتطلّب مراجعات جراحيّة لمنظومة الحُكْم المصريّة حتى نستطيع تفكيكه وجعله مجرّد "زلّة لسان"؟!.

إنّ استخدام خطابٍ تعبويٍّ يدعم نضال الشعب الفلسطيني وبقاءه في أرضه بشعارات مكرّرة منذ معارك التحرّر الوطني ليس هو الرّد الناجع في التعامل مع مشاريع "التاجر ترامب".

اقتراح ترامب بالتّهجير يعكس موقف رجل الأعمال الذي يشتغل في العقارات والتعامل معه لن يكون بالشعارات الإيديولوجية

إنّ اقتراح ترامب بالتّهجير لا يعكس موقفًا إيديولوجيًّا صهيونيًّا كما أعلن سلفه جو بايدن، إنّما يعكس موقف رجل الأعمال الذي يشتغل في العقارات ويدعم إسرائيل بالمطْلق لاعتبارات العادة ودعم الطرف الأقوى والتحالف معه، ولذا لن نندهش أنّه ركّز منذ الأسبوع الماضي على الترويج لمشروع التهجير باعتباره مشروعًا استثماريًّا وأعلن أنّه يرغب في تحويل غزّة إلى "ريفييرا" الشرق، وأن تشتريها الولايات المتحدة وهى جُمَل فريدة وغير مسْبوقة من داعمي إسرائيل الذين شغلوا أنفسَهم بالمقولات السياسية والترويج لسرديّةٍ تعتبر أنّ المقاومة المسلّحة "إرهاب" وأنّ إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل "دفاع عن النفس"، أمّا هذه المرة فقد تحوّل الموضوع إلى صفقة تجاريّة لرجل غير دارٍ بالتّاريخ وبمعاني الاستقلال وقِيَم التحرّر الوطني المغروسة في نفوس الفلسطينيّين.

الحقيقة أنّ التعامل مع ترامب لن يكون بالشعارات الإيديولوجية التي تؤكِّد حقّ الفلسطينيين في أرضهم لأنه لا يفهمها، فهو ليس رجل فكر لديه مشروع عقائدي صهيوني، إنما هو رجل "بيزنس" وعلاقات قوّة وأوراق ضغط يَزِن بها الدول ويعرف حجمها وتأثيرها، كما أنّ تعبئة الشعوب والجيوش ضدّ حرب لن تقع وغزو عسكري لن يحدث، لن يفيد كثيرًا لأنّ الضّغوط كلّها ستكون اقتصادية وسياسية وليس هناك أيّ خطط أو نوايا من إسرائيل أو أميركا لمحاربة مصر أو الأردن إنما استخدام، كما قال ترامب، ورقة المساعدات الاقتصادية للضغط على مصر لقبول مشروع التهجير، أو كما قال: "لقد ساعدناهم كثيرًا وحان الوقت لكي يساعدونا".

هي معركة تقوم على الضغط والابتزاز الاقتصادي واستغلال هشاشة الوضع الداخلي في مصر

معضلة الكثير من المواجهات التي شهدتها الساحة العربية منذ العدوان الإسرائيلي على غزّة أنّ الكثير منها لم يحسب فرص النجاح ويحرص على تماسك الحاضنة الشعبيّة، ويبني نموذجًا سياسيًّا واقتصاديًّا قادرًا على أن يصمد أمام ضغوط ترامب. فالانتقادات التي وجّهتها إسرائيل لإدارة مصر للمعبر لا تحتاج إلى شعارات ضدّ الاحتلال لأنها استهدفت الأداء السياسي والاقتصادي المصري ولولا هذا الأداء لكان موقف مصر في مواجهه "اختبار" ترامب أفضل بكثير.

والحقيقة أنّ اختبار ترامب لمصر ليس اختبارًا عسكريًّا، فليس مطروحًا القيام بعدوان ثلاثي جديد، يتطلب تعبئة شعبية وعسكرية كما حدث بين مصر والدول العربية حتّى انتصرت في حرب 1956، لأنّ هذه التعبئة كانت هي الردّ الصّحيح على غزو مسلّح. صحيح أنّه نجح في هزيمة الجيش واحتلال سيناء إنّما فشلت مخططاته في تغيير النظام وإسقاطه نتيجة المقاومة الشعبية في مدن القناة وكانت الشعارات الخالدة "الله أكبر فوق كيد المعتدي" وغيرها لها تأثير هائل في نفوس الناس وتعبئتهم لأنهم كانوا يواجهون مستعمِرًا ومحتَلًّا مباشِرًا وعسكريّا.

إنَّ الانتصار في 1956 كان في جوهرِه يرجع لاستخدام أدوات صحيحة في مواجهه عدوان خارجي بجانب ثقة الناس في النّظام القائم مما جعل انتصار الشعب حتميّا. أمّا مع اختبار ترامب فإنّ الرجل لوّح بسلاح المساعدات ويعرف أوضاع مصر الاقتصادية وليس مطروحًا أي غزو مسلح أو احتلال أجنبي يحتاج لخروج الشّعب بالملايين لمقاومته أو حتى إلى مظاهرات باردة موجّهة وسابقة التجهيز، إنّما هي معركة تقوم على الضغط والابتزاز الاقتصادي واستغلال هشاشة الوضع الداخلي في مصر الذي ألمح إليه ترامب.

الدَّيْنُ الكبير وعدم مراجعة الأولويّات الاقتصادية والقيود على حرّية الرّأي هو الذي يُضعف من قدرات مصر

اختبار الرئيس الأميركي هو اختبار للوضع الاقتصادي والسياسي وليس لقوّة الجيوش ولا لمقاومة الشعب، والمطلوب النّظر بشفافية لوضع مصر الاقتصادي وحجم الدّيون الكبير والقدرة على سداد أقساطها من دون الحاجة لضخِّ 35 مليار دولار جديدة في شرايين الاقتصاد المصري مثلما جرى العام الماضي في مشروع "رأس الحكمة".

الدَّيْنُ الكبير وعدم مراجعة الأولويّات الاقتصادية وعائد وجدوى الكثير من المشاريع "الكبرى" وتهميش المشاركة الشعبية والقيود المفروضة على حرّية الرّأي، هو الذي يُضعف من قدرات مصر في اختبار ترامب، لأنّ مواجهتها لن تنجح بالشعارات الرنّانة وبالمسيرات الموجَّهة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن