ملامح المستقبل الفلسطيني

ليست المقترحات الأمريكية حول تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، أو غيرها من المشاريع هي الأولى في سلسلة الخطط المتواصلة التي تتعرض لها القضية الفلسطينية من قبل القوى الخارجية، ويكفي أن نقول إن ولادة هذه القضية إنما تمت بمؤامرة غربية كبرى مثل وعد بلفور عام 1917 حول دعم بريطانيا تأسيس "وطن قوميّ للشعب اليهوديّ" في فلسطين وهو شكلها الأوضح، رغم أن هذا الوعد سبقته وعود أقدم بكثير، حيث يرجع الكثير من المؤرخين المرحلة الأولى لهذه الوعود إلى نابليون بونابرت حين احتل مصر عام 1798 وأصدر حينها بياناً دعا فيه اليهود من آسيا وإفريقيا إلى مساعدته في حملته مقابل دعمهم في الوصول إلى "أرض الميعاد" حسب تعبيره.

وبين هذين التاريخين قبل قيام إسرائيل حدّث ولا حرج عن الخطط الغربية التي لا تكاد تحصى والتي استهدفت فلسطين، لأسباب كثيرة تصب في مصلحة الغرب، ولذلك لاتبدو تلك التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تهجير الفلسطينيين غريبة، عن النهج والسياق القديم، والثقافة السائدة في الغرب والتي ولّدت مئات الحروب الدموية وما تزال، بسبب تلك الثقافة التي تستمد جذورها الفكرية والفلسفية من أفكار بعض الفلاسفة الغربيين أمثال هيجل وديكارت وفولتير الذين قدموا تصوراتهم حول ما دعوه تفوق الحضارة الغربية على غيرها من الحضارات وتقديم العقل الأوروبي باعتباره معياراً للأفكار والقيم الحضارية، من خلال فكرة عبء الرجل الأبيض ومسؤوليته في "تمدين" الشعوب الأخرى.

ناهيك عن الدور الذي لعبته بعض المؤسسات الدولية في تصدير صورة الشعوب الأخرى كـ"همج" يحتاجون إلى الخلاص، وصولاً إلى عصر الاستعمار بنموذجيه القديم والحديث، والواقع أن النظرة الاستعلائية في الحضارة الغربية ليست مجرد ظاهرة تاريخية، بل هي جزء من بنية فكرية وثقافية عميقة تؤثر في العلاقات الدولية والثقافية حتى اليوم. وعلى الرغم من الادعاءات الغربية التي تروّج لمبادئ العقلانية، والحرية، وحقوق الإنسان، فإن تطبيق هذه المبادئ كان انتقائياً، حيث استخدمت كأدوات لترسيخ النفوذ والاستحواذ بدلاً من تحقيق العدالة والندية بين الحضارات، واحترام حقوق الشعوب.

واللافت في التصريحات التي تدعو لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه أنها تأتي في وقت تواجه فيه "إسرائيل" دعوات قضائية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني وكأنها هدية تقدم للمجرم بدلاً من تقديمه للعدالة. وبغض النظر عن الآثار التي ستتركها مواقف الغرب على القضية الفلسطينية ومسارات الصراع الفلسطيني المعقدة، فإنها في الحقيقة تكشف بوضوح تلك العقلية التي تفكر بها القوى الغربية عامة، التي تحتكر القوة وتسعى لحجبها عن الآخرين لاستمرار الهيمنة على العالم، إذ كيف يمكن للعقل أو المنطق أن يتقبل فكرة تملك دولة لأرض بلد آخر وتهجير شعبه من أجل إقامة مشاريع ومنتجعات سياحية فاخرة.

كما أنها إن دلت على شيء فإنها تدل عن جهل تام بالتاريخ، وتحديداً تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي استطاعت ماكينة الإعلام الإسرائيلية أن تطمس حقائقه أمام الرأي العام الغربي الذي بدأ يستفيق إلى حد ما. بكل تأكيد يشكل الرفض الفلسطيني والعربي الحازم للمشروع الجديد ركيزة أساسية لمواجهته وإسقاطه كما أسقطت الكثير من مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، التي لم تتوقف على مدى أكثر من خمسة وسبعين عاماً.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو من أين يجب البدء في مواجهة خطط التهجير القسري وغيرها من الخطط الإسرائيلية، وهل يجوز أن تطغى قضية من سيحكم قطاع غزة، أو ما يطلق عليه اليوم التالي على الأولويات الأخرى؟

وللإجابة يمكن القول إن مواجهة التحديات والمخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية عامة وقطاع غزة خاصة تحتاج أولاً وقبل أي شيء آخر إلى تحرك فلسطيني جدّي وعاجل يهدف إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني ورسم خطة وأجندة فلسطينية واضحة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي له بكافة الوسائل، أمّا عربياً فلابد من تقديم الدعم المادي والمعنوي والسياسي للشعب الفلسطيني وتعزيز قدرته على الصمود من أجل استعادة حقوقه المشروعة وفق ما تنص عليه القوانين الدولية وشرعية حقوق الإنسان.

أخيراً لابد من القول إن ملامح المستقبل الفلسطيني يجب أن يحددها الموقف الفلسطيني الوطني، وإن ما يجري في فلسطين سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية التي تتهددها مشاريع التهويد والضم لن تبقى مخاطره في حدود الجغرافيا الفلسطينية، وإنما ستتعداها إلى الدول العربية الأخرى، وأكبر دليل ما جرى في جنوب لبنان حيث تستمر قوات الاحتلال بتواجدها في مواقع على الأرضي اللبنانية وتوغل قوات الاحتلال في الأراضي السورية، في ظل دعم أمريكي وغربي لا محدود.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن