ترجمات

"السّباق نحو الحضارة": دروس الماضي وأسئلة المستقبل!

تعريب: منعم دائخة – ليبيا

المشاركة

هذه ترجمة مقالة حرّرها المفكر إبراهيم كالين، المتخصّص في الفلسفة والتصوّف الإسلامي والمهتم بالاتجاه الفلسفي عند بعض الرّموز الصوفيّة، ومن أحدث أعماله الصادرة بالإنكليزية كتاب "المعرفة في الفلسفة الإسلامية المتأخرة". صدرت المقالة في منصّة "dailysabah".

لا يرتبط التحضّر بالقوة المادية أو بالأدوات التّكنولوجية، بلْ يتعلّق بالإنسانية في كلّ ما تحمل الكلمة من معنى، ومعلوم أنّ كتاب صامويل هنتنغتون "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي" أثار جدلًا واسعًا حول الحضارة قبل أكثر من عقديْن من الزّمان. وبصرف النّظر عن نوايا هنتنغتون، فقد استُخدِم هذا النقاش لتبرير المخطّطات الإمبريالية الجديدة في أعقاب نهاية حقبة ما بعد الحرب الباردة. كما قوّض إمكانية إجراء أيّ مناقشة ذات مغزى لمفهومَيْ الحضارة والتحضّر.

إنّنا جميعًا بحاجة إلى توخّي الحذر الشديد نظرًا للتاريخ المُريب إلى حدّ ما لهذا المفهوم، ولكن هذا لا يعني أنّنا مضطرون إلى خلط الحابِل بالنابِل.

لا يوجد شيء مُتحضّر أو ​​إنساني أو فاضل في الاستعمار والإمبريالية

لقد استخدمت الإمبريالية الأوروبية في القرن التاسع عشر كلمة الحضارة بكل وقاحة لتأسيس تسلسل هرَمي للثقافات والمجتمعات وتبرير سياساتها في الاحتلال والاستغلال، كما جعلت مهمّة التحضّر على أنها عملية فُرضت على غيْر الأوروبيين لتحقيق مصالحهم الخاصة مع تلميح إنساني وأخلاقي إلى تضخيم الذات.

والحال أنّ المغامرات الإمبريالية الأوروبية لم تجلب الثقافة أو القانون أو النظام أو الحضارة إلى آسيا أو أفريقيا، بل إنّها خلقت خلافات عميقة بين الشعوب الأوروبية وغير الأوروبية. فمن كارل ماركس وروديارد كبلينغ إلى جون ستيوارت ميل وتوماس ماكولي، بشّر عشرات المثقفين الأوروبيين ببركات التدخلات الغربيّة في المجتمعات الآسيوية المستبدّة المزعومة.

ولكنّ الحقيقة هي أنّه لا يوجد شيء مُتحضّر أو ​​إنساني أو فاضل في الاستعمار والإمبريالية.

فهل تغيّرت المعايير الثقافية كثيرًا منذ القرن التاسع عشر بحيث تبرّر الاستخدام الصحيح لمصطلح الحضارة؟

يعتمد الجواب على الكيفية التي ننظر بها إلى الأمر. ثمّة تغيّرات كبيرة في رغباتنا للتغلّب على التسلسل الهرَمي الثقافي والحضاري لصالح الإنسانية المشتركة. صعود خطاب التعدّدية والتعدّدية الثقافية والتعايش أمرٌ يستحق الثّناء وربّما يستحق المزيد من التفصيل. ومع ذلك، فإنّ إرثَ الاستعمار لا يزال حيًّا إلى حدٍّ كبير في القرن الحادي والعشرين مع مفاهيم جديدة ونماذج جديدة للهيمنة والنفوذ والادّعاء بالأفضلية، ممّا يجعل المناقشة حول الحضارة، محفوفةً بالمخاطِر، على أقلّ تقدير. ومهما حاولنا إنقاذ المفهوم من المُتلاعبين الإمبرياليين، فإنّ التاريخ لا يزال يطاردنا في أفريقيا، ومعظم الشرق الأوسط، وآسيا، وأماكن أخرى.

لا يتعلّق الأمر بالتاريخ الذي يعود ليعتقلنا وحسب، بل إنّ الحقائق الظالمة والجائرة للنظام العالمي الحالي هي التي تُجبرنا على الشكّ في وعود العالم الجديد.

هناك عنصرٌ آخر، من الناحية المفاهيمية، يجعل نقاش الحضارة مشبوهًا. ذلك أنّ الهجوم الذي شنّته ما بعد الحداثة على أي سرديّة كبرى كان له أثره في كل المفاهيم والأفكار الرئيسية التي استُخدِمَت لإضفاء معنى على رحلة البشرية على الأرض.

الحقائق التي نعيشها يوميًّا تشير إلى مخطّطات كبرى نراها في السياسة العالمية للتمويل الدولي

إنّ الحضارة بالنسبة لدوائر ما بعد الحداثة والأوساط المناهضة للواقعيّة بشكل متزايد، أكبر من أن تكون غامضة بحيث لا يمكن أن تكون ذات فائدة لفهمنا للثقافة أو المجتمع أو التاريخ أو الفرد (...) بل إنّ المفارقة الكبرى هنا هي أنّ نظرية ما بعد الحداثة ذاتها تحوّلت إلى سردية كبرى تعمل على تشويش فهمنا للعالم الذي نعيش فيه بدلًا من توضيحه.

إنّ مساهمات هذا المفهوم التحليلي غالبًا ما تكون مشوّشة بسبب ميولها المناهِضة للواقعية وحتى العدَمية. فضلًا عن ذلك، فإنّ الحقائق التي نعيشها يوميًّا تشير إلى عمل مخطّطات كبرى نراها في السياسة العالمية للتمويل الدولي (...) سيتطلّب الأمر جهدًا جادًّا لإنقاذ الحضارة من منتقديها والمُتلاعبين بها. ولكن لا بدّ أن نبدأ من نقطة ما. لماذا؟ لأنّ ما يجعل المفهوم ذا معنى وصِلة يظلّ مهمًّا لحاضرنا ومستقبلنا.

قد يكون لدى شخص ما أكبر اقتصاد وأقوى جيش وأكبر مدن في العالم ولكن هذا لا يجعله مُتحضّرًا

ولعلّ نقطة البداية المناسبة تتلخّص في استخلاص العِبر من التاريخ المعقّد لهذا المفهوم وتجنّب أخطاء الماضي. ولا ينبغي لنا أن نرفع من شأن الحضارة لكي نجعلها شيئًا يستحقّ الاهتمام. ولا ينبغي لنا أن نستخدمَها لأغراض سياسية.

يمكننا أن نتصوّر الحضارة، بطريقة بسيطة ومتواضعة إلى حدّ ما، على أنّها مجموع التصوّرات والمواقف والأفعال التي تُعتبر مُتحضّرة. والتحضّر مرتبط بعيش "حياة طيّبة"، كما أسماها أرسطو، وبناء "مدينة فاضلة"، بتعبير الفارابي. إنّها طريقة للتحلّي بالعقلانية والفضيلة والاعتدال والاحترام، أو الاستمتاع بصحبة الآخرين حتى نتمكّن من إثراء أنفسنا بإسهاماتهم بدلًا من السعي إلى الهيمنة عليهم أو استغلالهم. إنّها أيضًا رؤية أنفسنا كجزء من واقع أكبر، أو واقع لا نكون أسياده، بل حرّاسه وخَدَمه. وأخيرًا، إنّها وعيٌ أخلاقيٌ وجماليٌ يعطي كلّ ذي حقّ حقّه ويحافظ على التوازن.

قد تساعدنا هذه التعريفات على معرفة من هو المُتحضّر ومن هو غير المُتحضّر ومن يستطيع أن يدّعي امتلاك الحضارة. قد يكون لدى شخص ما أكبر اقتصاد وأقوى جيش وأكبر مدن في العالم، ولكن هذا لا يجعل الشخص مُتحضّرًا. فالمجتمعات الصناعية الكبرى ليست غريبة عن أعمال الهمجيّة.

لا نستطيع أن نزعم أنّنا مُتحضّرون في حين يموت الملايين ويتضوّرون جوعًا ويصيرون لاجئين ويعانون من الفقر

قد يتمتّع الفلاح البسيط في أفريقيا أو آسيا بأرقى صفات الحضارة بفضل مواقفه الإنسانية والاهتمام بالطبيعة والحيوانات والبشر الآخرين. فالافتقار إلى القوّة الاقتصادية والمعدّات التقنية لا يجعل المرء أقلّ تحضّرًا.

يمكن للقوّة المادية أن تنقادَ بسهولة نحو الهمجيّة، كما رأينا في الحربيْن العالميّتيْن، والمحرقة، والإبادة الجماعية في البوسنة، وتغيّر المناخ، وغيرها من الكوارث في العصر الحديث. أمّا التباهي بسيطرتنا الماديّة على الطبيعة، فإنّه يُبعدنا عن أيّ فكرة عن كوننا مُتحضّرين أو حضاريّين. ولا أرى أنّنا نستطيع أن نزعم أنّنا مُتحضّرون بأيّ حال من الأحوال في حين يموت الملايين من الناس، ويتضوّرون جوعًا، ويضطرّون إلى الهجرة، ويصيرون لاجئين ويعانون من الفقر المدقع.

يبدأ التحضّر بأفعال بسيطة وجوهرية من الرعاية والاحترام والحب. وإذا لم يكن المرء يتمتّع بهذه الصفات، فلا يعوَّل عليه سواء كان يعيش في برج مانهاتن أو في حيّ فقير.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن