صحافة

الوسيط الأميركي ومفاوضات "المرحلة الثانية"

طارق فهمي

المشاركة
الوسيط الأميركي ومفاوضات

بالرغم من إقدام رئيس الوزراء الإسرائيلي على اتباع أسلوب مراوغ لتحقيق أهدافه من إطالة أمد المرحلة الأولى من الاتفاق، فضلاً عن الضغوط من قبل الوسيطين المصري والقطري من جانب، والولايات المتحدة من جانب ثان، فإن كل الشواهد تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية لن تعمل في اتجاه الانخراط الحقيقي في المرحلة الثانية، وإنْ دخلتها في الفترة المقبلة شكلاً، خاصة بعد التوافق الإسرائيلي، وطرح المبعوث الأميركي ستيف وتكوف.

فالهدف الإسرائيلي يتمحور حول إطلاق سراح أكبر عدد من المحتجزين أحياء، وليس جثامين أولاً، ثم الانطلاق نحو الإجهاز على حركة "حماس" بالكامل، وتصفية عناصرها الميدانية، وإنهاء وجودها في الداخل بالكامل مع شيطنة كل الجهات الدولية المعاونة التي تعمل على توفير احتياجات سكان القطاع في الوقت الراهن، ما يؤكد أن اسرائيل لن تترك القطاع من دون تحقيق أهدافها الكبرى التي فشلت الحكومة الإسرائيلية في تحقيقها برغم تدمير القطاع بصورة كاملة.

وسيظل موقف الجانبين الأميركي والإسرائيلي متسقاً ضمن موقف مشترك يدعو لإقصاء حركة "حماس" من إدارة الأوضاع في قطاع غزة، وألا يكون لها دور في حكم القطاع تحت أي مسمى، ما يؤكد أن إسرائيل ستمضي في هذا الخيار، وإنْ استمرت في دخول مفاوضات المرحلة الثانية، حيث التفاوض الصعب على إدارة القطاع ما يرتب عليه وضع جديد، خاصة مع تخوف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو من تفكيك الائتلاف الحاكم، في ظل خيارات صعبة ومعقدة، تهدد بقاء الحكومة، أو تدفع نحو الذهاب إلى انتخابات مبكرة برغم تخوف كل الأطراف الإسرائيلية من داخل الائتلاف من هذا الخيار الصعب.

ومن ثم، فإن أي إنجاز سيكون مرتبطاً في المقام الأول بقدرة إسرائيل كحكومة على العمل في اتجاه المفاوضات في ظل استطلاعات الرأي التي تؤكد رفض الشعب الإسرائيلي عودة القتال مجدداً، خاصة أن أي عمل عسكري يتم وفق رؤية المستوى العسكري، وأياً كانت أهدافه في حاجة حقيقية إلى حل سياسي في نهاية الأمر، وهو ما يعني كيف سيكون الوضع في القطاع في ظل الحديث المعلن حول ضرورة نزع سلاح حركة "حماس" بالقوة، ودخول أطراف دولية أو عربية لإتمام هذا الأمر، وفق رؤية أميركية وإسرائيلية؟

ويبدو أن الإسرائيليين والأميركيين لا يدركون صعوبة ذلك في الوقت الراهن، والحالة التي بات عليها القطاع مع التأكيد الإسرائيلي على ضرورة إتمام نزع سلاح "حماس" قبل أي إعمار مقترح، عربياً ودولياً، إذ كيف سيبدأ الإعمار- حسب المنطق الإسرائيلي- في ظل وجود 14 فصيلاً يريدون تدمير إسرائيل وإنهاء وجودها، وفي المقابل من سيضمن بالفعل أي إعمار حقيقي في ظل احتمالات إقدام إسرائيل على ضرب القطاع مجدداً، ما يعني الحاجة فعلياً لضمانات دولية، وتحصين ما سيتم بقرار دولي ملزم لإسرائيل، وفي ظل ضمانات مطلوبة ومهمة يمكن الارتكان علىها لاحقاً في أي سيناريو مطروح، ومن المؤكد أن إسرائيل تسعى إلى ترتيب أوراقها من الدخول في المفاوضات الراهنة للمرحلة الثانية مع التوقع بأن حركة "حماس" تريد صفقة الدفعة الواحدة لإنهاء الأمر، وزوال الاحتلال.

ويشير الواقع الراهن إلى أن إسرائيل ربما تقبل بحل مطروح من السلطة الفلسطينية مع فرض إملاءات جديدة، وتمكينها من أداء دورها، والعمل على سياسات محددة في هذا السياق، مع قبول أميركي وأوروبي بوضع السلطة وحدوث توافقات من داخل قطاع غزة على هذا الخيار، وبصرف النظر عن أي خيار في هذا الأمر، وارتباط ذلك بسياسات عديدة تتجاوز ما هو مطروح.

وفي المقابل، ستكون موافقة إسرائيل على أي خيار مرتبطة بالفعل بموقف أميركي وعربي داعم لأي خيار، خاصة أن احتمالات انهيار المشهد في الضفة الغربية والسلوك الإسرائيلي قد يقنع مكونات الائتلاف بالاستمرار، وأي نجاح حقيقي في الضفة بالنسبة للموقف الإسرائيلي سيصب بالفعل في مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي، وسيؤكد أن الأمر مرتبط بخيارات صعبة في التعامل، وإنهاء أية مخاطر، أو على الأقل تصفية أي أزمات متوقعة قد تؤثر في مسار المفاوضات.

ويبدو أن أي خيار سيكون محكوماً بالقدرة الإسرائيلية على التعامل ومواجهة أي تطورات سلبية في هذا الاتجاه، وهو ما ستقابله حركة "حماس" بمزيد من التشدد، وإنْ كانت الحركة قد أدركت مؤخراً بأن المضي في مسار مفاوضات المرحلة الثانية هو الأهم، وأنه من دون ذلك ستتوقف أي محاولات لإنهاء وقف إطلاق النار، خاصة مع رهانات الحركة بأن إسرائيل ستعمل في النهاية على الخروج من القطاع برغم الخطاب السياسي والإعلامي للحكومة الإسرائيلية في الوقت الراهن، لأن مغادرة القطاع تحت أي ظروف لن تكون سهلة، وأي طرف سيتعامل مع البيئة الداخلية للقطاع سينطلق من ضرورة الحاجة إلى خيار رشيد عقلاني، بدلاً من تباين الرؤى، وتضارب مصالح كل طرف.

وبالتالي، فإن الحل يكمن في الانتقال تدريجياً إلى بعض الأهداف الجزئية التي قد تحقق مصالح وقتية وجزئية، مع الوضع في الاعتبار أن إطالة أمد التفاوض لن يكون في مصلحة الطرفين، خاصة في ظل ضغوط تمارسها الولايات المتحدة والوسطاء في المفاوضات، إضافة للداخل الإسرائيلي الذي قد يكون له موقفه النهائي في التعامل بعيداً عن أية خيارات متعلقة بحالة الاحتجاجات والتظاهرات، الأمر الذي يضعه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في اعتباره أولاً، ويتخوف من تداعياته الأمنية والسياسية.

(الاتحاد الإماراتية)

يتم التصفح الآن