صحافة

الحرب على أوكرانيا "بحبحت" الروس... لكنها حصرتهم داخل بلادهم

سركيس نعوم

المشاركة
الحرب على أوكرانيا

من يسمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث عن أوكرانيا وحربها مع روسيا التي غزت أرضها في 24 شباط/فبراير 2022 يعتقد أن الأولى في حال صعبة قتالياً، وفي حاجة مستمرة إلى مساعدات عسكرية مهمة من بلاده كما من دول حلف شمال الأطلسي. وقد عزز الاشتباك الكلامي بين ترامب وزيلينسكي أمام الإعلام في البيت الأبيض قبل مدة قصيرة هذا الانطباع، وخصوصاً بعدما حاول الأول إفهام الثاني أمام العالم أن المسألة الحربية لبلاده صارت ميؤوسا منها، وأن انسجامه التام مع تعليمات ترامب وخطته ذات البعد الروسي المهم هو الوحيد الكفيل بوقف الحرب التي لم يعد الأوكرانيون قادرين على الاستمرار فيها وحتى على ربحها.

هل هذا الانطباع صحيح، أم أن ترامب يحاول من خلال تعميمه تيئيس الأوكرانيين ودفعهم إلى تقديم تنازلات معينة إلى بوتين الذي يبدو أن الرئيس الأميركي مقتنع بأنه صديقه وحليفه، وبأن الرهان عليه سيمكّنه من المحافظة على مصالح الولايات المتحدة ولا سيما منها المهدّدة بالتقدم الصيني؟

يجيب باحث أميركي جدّي في مركز مهم جداً مقره واشنطن زار أوكرانيا قبل مدة قصيرة، بالقول إنه رأى ساحة معركة قاسية جداً لكنها لا تشجّع على الاعتقاد أن الهزيمة صارت قريبة. كانت المفاجأة أن الوضع العسكري لم يكن سيئاً بمقدار ما كان عليه في الخريف الماضي. لذلك سببان، الأول هو بطء الهجوم الروسي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة في ظل طقس معتدل. وأحد أسباب ذلك كان إقدام موسكو على إعادة تنظيم قواتها العسكرية ولا سيما لجهة المعدات الحربية، بعد خسارتها الكثير منها في الخريف الماضي. أما السبب الآخر فهو نجاح أوكرانيا في التأقلم تكتياً مع أسلوب القتال الروسي. ويرى الباحث نفسه أن روسيا قد تكون أصيبت بخيبة أمل لعدم قدرتها رغم معداتها العسكرية المهمة وعديد جيشها وقوته على تحقيق مكاسب كثيرة في ساحة القتال، فضلاً عن أن مقاربتها الحربية ساهمت في خسارتها عناصر بشرية كثيرة.

في اختصار، الحرب الدائرة حالياً بين روسيا وأوكرانيا هي حرب استنزاف وإنهاك. هذا الشرح على تواضعه، يساعد الكثيرين على فهم أن الحرب الدائرة ليست حرب ميدان بل هي حربٌ يُفترض أن تقدّم جواباً عن السؤال الآتي: ماذا يحصل أولاً؟ هل يُصاب الروس في هجومهم بالتعب؟ وهل تنجح أوكرانيا في جعل خطوط جبهة القتال مستقرة؟ هل تستمر روسيا بـ"طحن" العدو بسرعة وأحياناً ببطء، وحتى الآن، علماً أن أوكرانيا ضربت التوقعات الأكثر تشاؤماً؟ وأنا أرى أن أوكرانيا لا تواجه انهياراً للخطوط الأمامية للجبهة، لكنها لم تنجح في الوقت نفسه في جعلها مستقرة. أعتقد أن أحد التحديات الكبرى لأوكرانيا هو أنها تعتمد كلياً على الدعم الخارجي. هذه حال روسيا أيضاً، ولكن بدرجة أقل من أوكرانيا، وهي قد تواجه مرحلة من عدم اليقين وخصوصاً بعد الربيع المقبل. إذ لا يزال غير واضح إذا كانت إدارة ترامب ستستمر في تقديم المساعدات لأوكرانيا. ومعلوم أن إدارة بايدن هي التي كانت وافقت عليها وأقرتها لهذه السنة. وهذا قرارٌ سياسي.

يقول البعض إن القوات الأوكرانية منهكة وإن أوكرانيا تحتاج إلى هدنة، والأفضل أن تكون في السنة الحالية. لكن ذلك لا يعني أنها في حال ميؤوس منها أو في حال ضعف كبير يجعلها تقبل أي "صفقة". وهذا ليس ما توحي به الجبهة العسكرية التي "زرتُ خطوطها" أخيراً.

هل للوضع الاقتصادي دور في الطريقة التي ينظر فيها الروس إلى الحرب؟ لقد تلقى الجنود الروس دفعات مالية كبيرة وخلّفت زيادة الرواتب في السنتين الماضيتين تناقضاً كبيراً ومهماً. هذا ما قاله باحث ثالث جدي أيضاً في مركز الأبحاث الأميركي نفسه. إذ في حين تعمّق عدم المساواة الاقتصادية، يشعر عدد من الروس بأن مستوى معيشتهم قد تحسن. لم يكن عندهم شيء سابقاً.

لكنهم صاروا يستطيعون الآن إبدال سياراتهم ودفع أقساط ديونهم وتحمّل قيامهم بعمليات رهن.

وتشير الاستطلاعات إلى تنامي نوع من التوزيع المعقول للثروة داخل البلاد، علما أن أربعين في المئة من المشتركين فيها عزوا الوضع المرتاح إلى حسن توزيع الحكومة للثروة وليس إلى الحرية وحقوق الإنسان... ولكن هذا التحسن المتنوّع موقت. التضخم بدأ يؤثّر سلباً على الحياة الجيدة للناس. هذا الشعور قد يُطلق سرديات خطيرة داخل المجتمع، إذ إن زمن الحرب سيكون متلازماً في رأي الناس مع البحبوحة والنمو الاقتصادي. أما السلام فسيرتبط بالهزيمة وغياب الهيبة والقوة، ويؤسس ذلك لمحيط سياسي من التحدّيات داخل البلاد.

ماذا عن النخبة الروسية؟ الوضع السائد في روسيا يشير الى أن النخبة غير سعيدة جرّاء ما يجري. فالعقوبات على البلاد تركتها في نوع من الفراغ المؤسساتي. ربما لم تكن تعيش سابقاً في جنة، ولكن كان لديها مكانٌ تذهب إليه. أما الآن فهذه النخبة "محبوسة" داخل روسيا وتتكيّف مع الوضع. لكن ليس لديها أي مجال للعمل ضد بوتين. لقد علّقت آمالاً كبيرة على ترامب بوصفه قائد قوة تستطيع تغيير الوضع.

(النهار اللبنانية)

يتم التصفح الآن