‏الفخ المنصوب لسوريا

ليس قدراً أن تكون منطقتنا هي الأكثر التهاباً على الكوكب، وليس قدراً أن لا تغادرنا أزمة إلا وقد تسللت أزمات تبث سمومها في النسيج الاجتماعي العربي، وليس قدراً أن نغض الطرف عن المتربصين بنا ونرفع السلاح في وجه بعضنا البعض وتستحل فئات دماء أشقاء الوطن. كل ما يحدث على الأرض العربية صناعة تم وضع خطط بعيدة المدى لها، وهذه الخطط يتم تعديلها حسب مقتضيات الحاجة من وقت لآخر.

‏المحزن أن صنّاع الفتنة وجدوا لدى بعضنا آذاناً صاغية، تسمعهم وتنصاع لإرادتهم وتقبل أن تكون سلاحاً لهدم الأوطان أو تفتيتها وأضعف الإيمان إضعافها وإنهاكها حتى تتحول إلى جسد مشلول عاجز قابل بكل ما يملونه عليها.. درسوا تاريخنا القريب والحديث ووجدوا به الكثير من الفتن، ووجدوا في تاريخنا الحديث والمعاصر الكثير من الظلم، الذي خلّف كراهية وأحقاداً تيسر إشعال الفتن وإشعال نيران الاقتتال الأهلي في أكثر من وطن عربي. ‏

سوريا اليوم هي العنوان، كانت أحد أهداف الخريف العربي. وبعد سقوط الأسد لم يقبل صناع الفتنة أن يتركوا الشعب ليرسم ملامح مستقبله بهدوء، فأشعلوا ناراً في الساحل، اعتداءات على مراكز أمنية وصحية تحولت إلى مواجهات مسلحة بين الجيش وفصائل مسلحة تحت عنوان طائفي مقيت.. ‏ما أكثر الساعين لقلقلة سوريا، في الداخل والخارج، وجيران طامعين في أرض وثروات وقرار سوريا ولا يريدون استقراراً لها ولا لغيرها من بلاد العالم العربي.

وفي المقابل ما أكثر القلقين على مستقبل سوريا الذين يخشون أن تغرق في اقتتال طائفي يعيدها إلى عصور الظلام، أو تتحول إلى خاصرة هشة ينفذ منها الإرهاب إلى باقي الجغرافيا العربية المحملة بتاريخ من المعاناة من الإرهاب والوهن الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي. ويتقدم القلقين على مستقبل سوريا الدول العربية المجاورة لها حدوداً والمتشابكة معها تاريخاً والمشتركة معها مصيراً.

‏سوريا تعلم جيداً أن الدوران في دائرة الانتقام لا نهاية له، وعواقبه تفكك وتقسيم وهو ما يتمناه الأعداء ومن كانوا أصدقاء ثم أُغلقت الأبواب في وجوههم.. انتقام الماضي من الحاضر أو العكس، وانتقام فئة من فئة، وانتقام فصيل من فصيل، ومحاولات اختبار قوة الدولة ممن كان بيدهم القرار قبل سقوط النظام السابق، وكل ذلك سيروي أرض سوريا بدماء أبنائها الأبرياء الذين لا يحلمون سوى بوطن مستقر آمن جامع لكل أبنائه مانع لمساعي العبث بمصيره.

ولأن سوريا لا تريد الوقوع في الأفخاخ المنصوبة لها، فقد كان توقيع رئيسها أحمد الشرع اتفاقاً مع قائد "قسد" مظلوم عبدي يرفض دعوات التقسيم ودمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، ووقف إطلاق النار في كل الأراضي السورية، ودعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول الأسد وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها.

وأكد الاتفاق نوايا الدولة في عدم التفريق بين أبنائها على أساس عرقي بعد أن ضمّنت الاتفاق بنداً يؤكد أن "المجتمع الكردي أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية"، وهو ما ينبغي تطبيقه على جميع الأفرقاء في الدولة لضمان عبورها إلى المستقبل بسلام، والتفرغ لبحث سبل مواجهة من يقضمون من وقت لآخر قطعاً من أرضها. ‏

بموجب الاتفاق تؤكد سوريا نواياها في لملمة أطرافها والحفاظ على وحدتها، وفي ذات الوقت فإن الاقتتال الذي حدث في الساحل ومناطق أخرى يمكن أن يعيق ذلك. تهدئة الغاضبين تستلزم من لجنة تقصّي الحقائق المكلفة بالتحقيق في أحداث الساحل سرعة إنجاز مهمتها بشفافية وتقديم المشاغبين والمتمردين لمحاكمات عادلة. ‏

سوريا ليست أول دولة عربية يسعون لنشر الفتنة بين أبنائها، بل إن التاريخ يؤكد أنه لا توجد بقعة عربية إلا وحاولوا استخدام الفتنة وسيلة لتدميرها، دول سقطت في الفخ ورفع أبناؤها السلاح في وجه بعضهم البعض، وانتشرت البغضاء والكراهية بين طوائفها ومذاهبها، ودول فوّتت عليهم الفرصة وسرعان ما وأدت الفتنة واستعادت نفسها، وشعوب كان لديها من الوعي والتحصين ما ساعدها على اكتشاف المؤامرة وعدم الانصياع لها، ودول ما زال الاقتتال دائراً فيها فارضاً على شعوبها التهجير والنزوح من دون أن تتعلم شيئاً من دروس التاريخ، والنتيجة أن بعض دولنا لا يشغلها شيء عن التطور والتقدم وتنفيذ مخططات التنمية، وبعض دولنا غارقة في الفوضى مهددة المصير بعد أن ضلت المسار.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن