تشتعل المنطقة وتشتد نيران الحروب المستعرة والتي تغذيها اسرائيل في سعيها الدؤوب لتغيير ملامح الشرق الأوسط، ولاسيما الدول القريبة من حدودها كي تبقى في حالة من التفكك والوهن والتشرذم بما يضمن تفوق تل أبيب وتوسع نفوذها. فمع استمرار الغارات على لبنان والتعدي الصارخ على اتفاق وقف النار إلى الضربات العسكرية شبه اليومية في سوريا وتمدّد توغلها منذ سقوط النظام السابق إلى اعلانها استئناف الحرب على غزّة بحجة رفض "حماس" لمقترحات الوسطاء.
وتترافق هذه الاعتداءات الاسرائيليّة، التي تتم برضى ودعم جلي من الولايات المتحدة الأميركية، مع مواصلة الضربات المُركزة من قبل واشنطن على الحوثيين في رسالة موجهة الى ايران، الحليف الاستراتيجي والداعم للجماعة. وتدرك طهران، التي تعيش تحت "الضغوط القصوى" والعقوبات التي أعاد الرئيس الاميركي تفعيلها، بأنها في "موقع ضعف" بعد توجيه ضربات حاسمة وحازمة الى أذرعها في المنطقة واستهدافهم لدفعها الى الجلوس على طاولة المفاوضات، وهو ما لا تزال ترفضه حتى الساعة رغم تعالي بعض الاصوات الداخلية المطالبة بذلك.
فمنذ أحداث "طوفان الاقصى" دخل الشرق الاوسط في مرحلة جديدة اتسمت بإطلاق يد اسرائيل ومنحها الضوء الاخضر لتنفيذ مخططاتها وهو ما أكدته الوقائع بعد الحرب على لبنان والتهديدات للإدارة السورية الجديدة وافشال مفاوضات هدنة غزة وإطلاق العملية العسكرية الموسعة في الضفة الغربية سعياً وراء تحقيق مخطط التهجير وتوسيع الاستيطان، وهو ما يجري على قدم وساق بظل غياب أي اجراءات رادعة أو مواقف متشددة ضد اسرائيل التي "تعربد" مستخدمة تفوقها العسكري والتكنولوجي والذخيرة الاميركية بعدما زودها الرئيس دونالد ترامب بالقنابل الثقيلة ومدّها بالاسلحة منذ عودته الثانية الى البيت الابيض.
وفي التفاصيل، خطفت الأوضاع المستجدة في قطاع غزة الاضواء بعد استئناف القتال بوتيرة عنيفة وبشكل مفاجىء ما أوقع أكثر من 400 شهيد، بينهم 170 طفلاً، في حصيلة هي الاكثر دموية منذ توقيع اتفاق وقف النار في كانون الثاني/ يناير الماضي. وفيما لم تغلق "حماس" باب التفاوض معلنة مراراً وتكراراً التزامها بالاتفاق والحثّ على ضرورة الشروع في تطبيق المرحلة الثانية، استغلت تل ابيب الدعم الاميركي لشن سلسلة من الغارات المُكثفة على مختلف مناطق القطاع والتي ترافقت مع أوامر الجيش الإسرائيلي للسكان بإخلاء شرق القطاع والتوجه نحو الوسط. فيما هدّد نتنياهو بأن المفاوضات "لن تجرى من الآن فصاعداً إلا تحت النار"، معتبراً أن الضغط العسكري "لا غنى عنه" لضمان عودة الأسرى الاسرائيليين المحتجزين لدى "حماس".
من جهتها، رأت الحركة أن "رجوع نتنياهو عن اتفاق الهدنة يأتي في إطار مساعيه للتغطية على أزماته الداخلية وفرض شروط تفاوضية جديدة". هذا ونعت "حماس" 6 من قيادييها الذين استهدفتهم الغارات الاخيرة وعائلاتهم وابرزهم رئيس حكومتها في قطاع غزة عصام الدعاليس، وكيل وزارة الداخلية اللواء محمود أبو وطفة، ومدير عام جهاز الأمن الداخلي اللواء بهجت أبو سلطان، ووكيل وزارة العدل أحمد الحتة. بينما حمّل البيت الأبيض، بدوره، "حماس" مسؤولية تجدّد القتال، حيث قال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي إن "الحركة المسلحة كان بإمكانها إطلاق سراح الرهائن لتمديد وقف إطلاق النار، لكنها اختارت الرفض والحرب".
وتزيد عودة الحرب من معاناة الفلسطينيين بعد توقف ادخال المساعدات الانسانية منذ بداية الشهر الحالي وفرض الحصار الشامل واغلاق المعابر وحتى منع المرضى من مغادرة القطاع عبر معبر رفح. وتجهد اسرائيل للضغط على "حماس" للمضي قدماً باطلاق سراح الرهائن وتمديد المرحلة الاولى من الاتفاق الهشّ دون اي ضمانات بعدم العودة الى الحرب وارساء هدنة طويلة الامد. وفيما ندّدت الكثير من الدول العربية والدولية مما يجري في القطاع المنكوب، وافقت الحكومة الإسرائيليّة على إعادة تعيين زعيم حزب "القوة اليهودية" إيتمار بن غفير، وزيراً للأمن القومي، وذلك بعدما قدم استقالته احتجاجاً على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، خاصة أنه من الاصوات المحسوبة على "اليمين المتطرف" والداعية للدم والتهجير.
في موازاة ذلك، يستمر الحوثيون في التصعيد للرّد على الغارات الاميركية المتواصلة على صنعاء وغيرها من المدن اليمنية، حيث أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة، في ساعة مبكرة من صباح اليوم، مهاجمتها حاملة الطائرات الأميركية "هاري ترومان" وعدداً من القطع الحربية في البحر الأحمر بعدد من الصواريخ المجنحة والطائرات المسيّرة، مشيرا إلى أن استهداف حاملة الطائرات الأميركية هو الرابع خلال 72 ساعة. هذا وتجدّدت الغارات الاميركية أمس، الثلاثاء، على محافظتي صعدة وحجة في شمال غربي اليمن وسط توقعات باستمرار العملية العسكرية لأيام، وربما أسابيع.
المستجدات الدولية على سخونتها، والتي تنذر بصيف حار، تواكب التطورات السورية وسط معضلات وتحديات كبيرة تواجه الادارة الجديدة التي تجد نفسها في مواجهة فلول النظام السابق داخلياً كما مطامع ومصالح بعض الدول الخارجية ناهيك عن تفاقم الاوضاع عند الحدود اللبنانية - السورية رغم محاولات الجانبين تذليل العقبات والاعلان عن اتفاق وقف النار، الا ان الاشتباكات تجددت، أمس في بلدة حوش السيد علي وبلدة المشرفة، عند الحدود الشمالية لمدينة الهرمل مع سوريا. من جهة ثانية، أعلنت "هيئة الحشد الشعبي" العراقية ان قواتها انتشرت في 7 نقاط جديدة قرب الحدود مع سوريا بأسلحة وكاميرات حرارية.
دولياً، برز الاتصال الثاني بين الرئيس ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، حيث اتفقا على سلسلة من الامور وأهمها العمل بسرعة من أجل وقف إطلاق النار في أوكرانيا، بعد إقرار وقف للهجمات الروسية على منشآت الطاقة والبنية التحتية، لكن دون التوصّل إلى هدنة شاملة كما اتفق الزعيمان على أن "إيران ينبغي ألا تكون في وضع يسمح لها بتدمير إسرائيل". وغداة الاتصال قال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف لقناة "فوكس نيوز" إن المحادثات مع موسكو بشأن حرب أوكرانيا ستجري يوم الأحد المقبل في جدة.
تزامناً، اتّهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظيره الروسي بأنّه "رفض عمليا" مقترحا أميركيا بوقف كامل لإطلاق النار وذلك بعدما استهدفت الضربات الصاروخية الروسية منشآت مدنية أوكرانية من بينها مستشفى. وتثير طريقة ادارة ترامب للملف وزيادة التعاون مع روسيا الكثير من الانتقادات، ولاسيما من الجانب الاوروبي الذي يخشى من قرارات ترامب وتداعياتها على مستوى العلاقات. يُشار الى أن شبكة "إن.بي.سي" الإخبارية ذكرت أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تجري عملية إعادة هيكلة واسعة النطاق للقيادات القتالية ومقرات القيادة العسكرية، وتشمل إحدى الخطط قيد الدراسة تخلي الولايات المتحدة عن دور القائد الأعلى لقوات "الناتو" في أوروبا.
وانشغلت الصحف العربية اليوم بالحديث عن عودة الحرب على غزة والدوافع الاسرائيليّة المبيتة ناهيك عن الدعم الاميركي. وفي سياق أبرز ما ورد في جولة اليوم:
شددت صحيفة "الراية" القطرية على أن "إقدام حكومة الاحتلال الاجرامية على استئناف عدوانها المدمر على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بهذه الكثافة النيرانية، هو إمعانٌ في جرائم الإبادة التي لطَّخت سجلها، وفضحتها كحكومةٍ تتغذى على دماء وأشلاء الأطفال والنساء والمدنيين العزّل أثناء نومهم"، داعية المجتمع الدولي الى التَّدخل الفوري لوقف العدوان، والحيلولة دون إعادة المنطقة لسلسلة متجدّدة من العنف، وإتاحة الفرصة للوسطاء لاستكمال جهودهم للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار".
واعتبرت صحيفة "الخليج" الاماراتية أنه "وفي أول فرصة متاحة انقلب نتنياهو على الاتفاق، عندما رفض الانتقال إلى مفاوضات المرحلة الثانية، أو حتى استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، والالتزام بتنفيذ البروتوكول الإنساني"، متسائلة "هل يستطيع نتنياهو تحقيق ما لم يستطع تحقيقه طوال الأشهر السابقة، أم أنه سيواجه الفشل مجدداً ويخسر كل أوراقه، هذه المرة، على الرغم من ويلات الحرب؟".
في الإطار عينه، قالت صحيفة "الأهرام" المصرية إن "إسرائيل تصر على القضاء على آخر مواطن فلسطيني وهي نموذج صارخ للإبادة الجماعية لم يشهده العالم من قبل". وأضافت "إن إسرائيل تمثل تهديداً للعالم كله، فجيشها يرتكب المجازر الآن قي غزة والضفة ولبنان وسوريا واليمن ، وللأسف، في عالمنا العربي من يرى أن السلام ليس بعيداً ، والحقيقة أنه سلام مستحيل وعلى العالم أن يكشف المصدر الحقيقي للإرهاب".
ولفتت صحيفة "القدس العربي" الى انه "لم يكن عجيباً أن تصدر أوامر استئناف فصول حرب الإبادة عن نتنياهو أولاً، من منطلق مصالحه الشخصية في إدامة الحرب وإطالتها ما أمكنه ذلك، ضارباً عرض الحائط بتظاهرات الاحتجاج واستطلاعات رأي الشارع الإسرائيلي". وأضافت "إن إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب لم تخيّب ظنّ نتنياهو، وشجعت دورة دموية جديدة في القطاع على سبيل خطوة التوطئة لمشروع ترامب الجنوني حول "ريفييرا غزة".
هذا ورأت صحيفة "عكاظ" السعودية أن الحدود الغربية لسوريا مع لبنان "تمثل الخاصرة الرخوة وبوابة مفتوحة لتهديدات جسيمة لا تطال سوريا وحدها، بل تشكّل خطراً داهماً على أمن واستقرار المنطقة برمّتها"، موضحة أهمية "السيطرة على هذه المنطقة، والتي باتت ضرورة أمنية وإستراتيجية ملحّة، لا تتحقق إلا بتعزيز قدرات الجيش السوري، وتزويده بالإمكانيات الضرورية التي تمكّنه من فرض سلطته وهيبته وإعادة الأمن والاستقرار".
من جهتها، اعتبرت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن تفجير الاوضاع على الحدود الشرقية "بعث أكثر من رسالة ايرانية لكل من لبنان والادارة السورية الحالية وأهمها، إظهار مدى التأثير الايراني المتواصل بالمنطقة، بالرغم من تراجع قوة "حزب الله" بفعل الحرب الإسرائيلية ضده في لبنان وسقوط نظام بشار الاسد"، داعية الى "وجوب أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار في مقاربة الملفات والقضايا المطروحة، إن بخصوص علاقة دمشق مع طهران أو في معالجة مشكلة سلاح "حزب الله" بالداخل اللبناني".
ومن وجهة نظر صحيفة "عُمان" العُمانية، فإن "الاعتداء العسكري الأميركي على اليمن هو جزء من إخضاع المنطقة للمشروع الصهيوني الذي يبدو أنه يتعثر في السودان ولبنان وسوريا وعلى صعيد التطبيع مع الكيان الصهيوني"، مشيرة الى أن "العالم سوف يشهد أربع سنوات مُعقدة وخطيرة من إدارة ترامب ليس فقط على الصعيد الخارجي ولكن على صعيد مواجهة الدولة الأمريكية العميقة".
(رصد "عروبة 22")