فلسطين... القضية والبوصلة

فاني ميكايلا رايزين: عِشتُ لأَرويَ "جرائم الدولة الصهيونيَّة"

هناك عدد من اليهود المُنصفين الرّافضين للصهيونيّة ولقيام دولة "إسرائيل"، وهُم داعمون لشعبٍ يُقاوم من أجل حُرّيته، ومن بين هؤلاء؛ الناشطة اليهودية الألمانية، الدكتورة فانيّ ميكايلا رايزين (Fanny Michaela Reisin)، المولودة في القُدس عام 1946، وعاصرَت كافّة الحُروب منذ نكبة 1948، وحتى طوفان الأقصى 2023.

فاني ميكايلا رايزين: عِشتُ لأَرويَ

غادرتْ رايزين أرض فلسطين إلى ألمانيا بعد عام 1967، حيث تغيَّر موقفها الداعم للصهيونية تمامًا بعد أن عاشت مآسي العرب، وشاهدت الظُلم الواقع عليهم بعد حرب 1967، وأقسمَت على أن ترويَ جرائم الصهيونية في المحافل الدولية؛ فكانت من مُؤسِّسي "صوت اليهود للسلام في ألمانيا"، و"يهود أوروبا من أجل سلامٍ عادل". وهي تُعدّ من أوائل اليهود الذين دعموا حركة المُقاطعة العالمية الـ"بي.دي.إس" (BDS)، والتي بدأت في يوليو/تموز 2005 بنداءٍ من 171 منظّمة فلسطينية غير حكوميّة، للمقاطعة، وسحب الاستثمارات، وتطبيق العُقوبات ضدّ إسرائيل حتى تنصَاع للقانون الدولي، ومبادئ حقوق الإنسان.

ترى رايزين أنّ إسرائيل دولة مارقة، تخُوض الحروب من أجل إحراز غايات إثنية، ومآرب عنصرية، وتحتلّ أرضًا عربيةً ليست من حقّها، وتقول إنَّ رأيها هذا تدعمُه أحداث التاريخ، وشواهد الجغرافيا، ونقاء العرق العربي صاحب الأرض. أمّا اليهود؛ فهم مغتصِبون للأرض جاءوا من كلّ بلاد العالم، ومنها ألمانيا بلدها الأصلي.

رَفعُ الصَوت أمام الظُلم: "لن نَسكُت"

بعد انتفاضة الأقصى عام 2000، نادَتْ رايزين بضرورة اتّباع خطواتٍ عملية، ورفع الصوت ضدّ الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني؛ ونظمت عددًا من الندوات والاجتماعات تحت شعار: "لن نسكت". وأكدت أنّه يجب ألا نتظاهر أننا لا نعلم ما يحدث للفلسطينيين على أيدي "دولة إسرائيل"، ولا بُدَّ من حلولٍ عمليةٍ تطبيقيةٍ لإنقاذ الشعب المظلوم.

مُعاداة السامية "اختراع غربيّ" وأكذوبة صهيونية

وفي خطواتٍ عمليةٍ، قامتْ بعدّة أنشطة مع السلطة الفلسطينية، ودعمَت جهودها، بالتعاون مع سبع عشرة منظّمة مجتمع مدني من تسع دول أُوروبية، وقد تمّ انتخابُها لتكون رئيسة الوفد الأوروبي الذي أُوكِلَ إليه مهمة اتخاذ مبادرات للحديث باسم اليهود، والمجتمع اليهودي في ألمانيا المعارِض لجرائم "الدولة اليهودية".

جِدارُ الفَصل العُنصُريّ

جاءت رايزين إلى الضفّة الغربية عام 2005 بصفتها عُضوةً في المجلس التنفيذي لأصوات يهودية من أجل الحرّية، والتقت عددًا من الشخصيات الفلسطينية؛ منها: محمد الخطيب، المحامي الفلسطيني وعضو مجلس إدارة لجنة تنسيق النضال الشعبي (PSCC)، التي تقوم بتسهيل التواصل بين مختلف اللجان الشعبية في القرى الفلسطينية، وبمساعدتها على تعزيز نضالها ضدّ الجدار العازل بالضفّة الغربية.

وهناك أعلَنت المقاومة ضد جدار الفصل العُنصريّ، ورَوَت كيف أنّ هذا الجدار تسَّبب بآثار سلبية وضارة على مُجمل الأوضاع الإنسانية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتعليمية، والصحية... إلخ، حتى بات من الصعب معالجتها، أو وضع حلولٍ دائمة لها في ظلّ استمرار الاحتلال.

فالجدار العنصري يحرم الفلسطينيين من استغلال أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية الصالحة للزّراعة، إذ إنّ هذا الجدار يقتطع ويُصادر ما مساحته 170 كيلومترًا مربّعًا، تضمّ عشرات القرى والبلدات الفلسطينية التي يسكنها قرابة 700 ألف نسمة؛ منهم حوالى 330 ألف مقدسيّ. وهذا العدد يُشكّل نحو 25% من سكان الضفّة، وهو سيجعلهم يخضعون لسياسة التمييز العنصري، كما أنّه سيُخضعهم إلى مراقبة شديدة تجعل من حياتهم جحيمًا لا يُطاق ليلًا ونهارًا.

ترى رايزين أنّ "حرب الإبادة" التي قامت بها حكومة نتنياهو  استمرار للخط القديم نفسه منذ نكبة عام 1948

لا شكّ أنّ تلك الإجراءات ستُقيِّد حركة الفلسطينيين؛ إلّا بموجب تصاريح تصدرها الإدارة المدنيّة التابعة لقوات الاحتلال، والمرور بساعات محدّدة. وهذا يعني أنّ النشاط التجاري ككلّ في المدينة يتوقّف إلى حدٍّ كبير على القيود والحواجز والمُعيقات التي تفرضها سلطات الاحتلال على مدينة القدس، حيث إنّها تحُول دون تدفّق الفلسطينيين من القرى والمدن القريبة، مما يُضعف الاقتصاد المقدسي، ويربطه أكثر فأكثر بالاقتصاد الإسرائيلي.

تُؤكد رايزين أنّ أغلب من يدعمون القضية الفلسطينية يُتّهمون بمُعاداة السامية، وفي حقيقة الأمر أنّ مصطلح مُعاداة السامية Anti-Semitism هو "اختراع غربي"، ولا علاقة للشعب الفلسطيني به، ولا علاقة للشعوب العربية عمومًا بإشكاليات معاداة السامية، فهي مشكلة أوروبية غربية مُختلَقة، ولا أساس لها البتَّة، لا سيما أنّ العرب (الفلسطينيين) هم ساميّو الأصل والعرق، فكيف يكون الشخص معاديًا لأصله وعرقه، ومن ثمَّ لا يتحمّل أيّ شعب عربي، لا سيما الشعب الفلسطيني، وزْرَ أو عبء هذا الاختراع؛ أو بمعنى آخر هذه الأُكذوبة الصهيونية الغربية.

طوفان الأقصى "ضرورة حتميّة"

ترى رايزين أنّ "طوفان الأقصى" كان متوقّعًا، وضرورة حتميّة؛ نتيجة الظلم الواقع على فلسطين وأهلها منذ سنوات طويلة، وليس وليد اللحظة. واستغلّت إسرائيل الطوفان لتشُنَّ حربَ إبادة شاملة بلا ضمير، وبلا إنسانيّة، مخالِفة لكلّ القواعد والأعراف الدولية، ليس فقط في غزّة وإنّما في الضفة الغربية، حيث يقوم المستوطنون والجيش الإسرائيلي بتنفيذ جرائم غير مبرّرة على الإطلاق.

وترى رايزين أنّ "حرب الإبادة" هذه التي قامت بها حكومة نتنياهو كانت استمرارًا للخط القديم نفسِه منذ النّكبة عام 1948، واستمرارًا للنهج نفسِه، ولكن أصبحت أكثر وضوحًا لأولئك الذين تجاهلوا انتهاك الحقوق الفلسطينية، وامتهان كرامتهم، لقد كانت هذه الحرب، ولا تزال مُروِّعَةً للغاية، وغير قابلة للتصوّر البشري، ولكنّها دفعَت العديد من المنظمات والأشخاص حول العالم إلى النزول إلى الشوارع، وإلى أن تنادي بحركات جماعية ضدّ الصهيونية. وتنادي بإزالة دولة الفصل العنصري في فلسطين، وقد نادى العديد من اليهود معها بالحقوق الفلسطينية، والعمل المستمر من أجل إحقاق الحقوق الفلسطينية.

رسالة إلى "إسرائيل"

وجهَتْ رايزين رسالةً إلى الكيان الصهيوني مضمونها أنّه: "يتعيّنُ على الدولة الإسرائيلية أن تترك الإيديولوجية الصهيونية المُدمّرة، والتي تُشوّه الدّين اليهودي، فاليهودية ليست صهيونية، والصهيونية ليست يهودية، واليهود لن يكسبوا أيّ شيء من الإيديولوجية الصهيونية على المدى الطويل، هذا إن أردنا إحقاق الحق والسلام، فيجب أن يتمتّع الشعب الفلسطيني بالحقوق الكاملة، من دون أي نُقصان في مدنهم وقراهم، ومن دون أي تمييز على أساس العرق، أو الجنس، أو اللغة، أو الدّين".

يمكن التعاون مع الحركات اليهودية المناهضة للصهيونية لرفع الوعي الدولي بشأن الظلم الواقع على الفلسطينيين 

لا نَستهين أبدًا باليهود المُناهضين للصهيونية؛ فهم كنز استراتيجي، وشوكة في ظهر الكيان الغاصب، وأصوات عاقلة تخرج لتفضح جرائمه، وهي لها تأثير يفوق مئات الأقلام العربية المناهضة للصهيونية؛ لأنها تخرُج من اليهود المُنصفين أنفسهم، وتكون بلُغات متعددة، تُخاطب المجتمع الدولي، ويمكن توظيف ذلك لصالح القضية الفلسطينية من خلال التعاون مع الحركات اليهودية المناهضة للصهيونية، التي تدافع عن حقوق الفلسطينيين، مثل "J. Street" و"Jewish Voice for Peace" وحركة "ناطوري كارتا" (Neturei Karta) والتي تُعبّر عن أصواتٍ يهودية تدعو إلى السلام العادل مع الفلسطينيين.

كما أنّه من المهمّ تسليط الضوء على التضامن الدولي؛ ففي العديد من البلدان الغربية، هناك يهود يعارضون الصهيونية، ويتضامنون مع حقوق الفلسطينيين، من ثمّ يمكن استخدام هذه الأصوات لرفع الوعي الدولي بشأن الظلم الواقع على الفلسطينيين، وتعزيز الضغط على الحكومات الغربيّة لاتّباع سياسات أكثر عدلًا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن