ترامب وبوتين.. والاتصال الثمين

 لو لم يكن دونالد ترامب في البيت الأبيض، لما حدث الاتصال الهاتفي المطوّل بينه وبينه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما عادت اللباقة الدبلوماسية تجري على ألسنة المسؤولين في البلدين، عكس اللغة العدائية الفجّة مع إدارة جو بايدن السابقة، التي ألقت بكل ثقل الولايات المتحدة وحلفائها في وجه موسكو في أوكرانيا دون تحقيق النهاية.

إن كان ممكناً الافتراض بأن الحرب في أوكرانيا دخلت مرحلتها الأخيرة، فإن هذه النهاية لم تكن متوقعة عندما بدأ الصراع قبل أكثر من ثلاث سنوات، وربما لم تدُر في خلد المسؤولين الغربيين، إلا إذا تحققت الهزيمة الاستراتيجية لروسيا، كما اعتقدوا، لوضع موسكو مجدداً في صندوق مشابه للذي حشرت فيه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ولأن التاريخ لا يعيد نفسه، وإنما تتشابه أحداثه، فإن إنهاء الحرب في أوكرانيا جاء بنتائج عكسية تماماً، حتى الآن، وأحدث تداعيات بعيدة المدى، فبدل خسارة روسيا والسعي إلى إذلالها، انهار التحالف الأمريكي الأوروبي تقريباً، وأصبح حلف شمال الأطلسي (الناتو) أشبه بسلاح قديم يختزن الذكريات، وها هي إدارة ترامب تدرس تخلي الولايات المتحدة عن قيادة الحلف الذي كان ذراعاً عسكرية إضافية لها لأكثر من 70 عاماً، وهذا التطور أيضاً لا يمكن إدراجه إلا ضمن واحد من تداعيات الحرب في أوكرانيا.

المكالمة الهاتفية المطوّلة بين ترامب وبوتين، تفتح خطوط الاتصالات بين القوتين، وتسمح لهما بخفض التوتر العالي الذي ساد خلال السنوات الأخيرة ووصل إلى درجة التلويح بالأسلحة النووية. ورغم التفاؤل الواضح بعد هذا الاتصال الثمين، يبقى من المبكر الحكم على النتائج النهائية لمسار التواصل بين الولايات المتحدة وروسيا، وما إذا كان بالنسبة إلى واشنطن هو خيار إدارة منتخبة أو توجّه دولة، وسيستمر مع أي إدارة كانت جمهورية أم ديمقراطية. وهناك من يرجحون أن التغيرات التي يشهدها العالم فرضت على الدولة الأمريكية المعروفة بالتأقلم مع مختلف الحقب تغيير أولوياتها، لتكون من الفائزين وخصوصاً تجارياً واقتصادياً، وتظل قطباً رئيسياً في أي إعادة بناء للنظام الدولي. أما بالنسبة إلى روسيا، فهناك أسئلة كثيرة ستظل بحاجة إلى أجوبة واضحة من خلال مجريات المفاوضات ونتائجها النهائية.

ومن المثير أن هذه المفاوضات ستبدأ خلال أيام في جدة السعودية، وهو مكان له دلالات إقليمية ودولية، وليس في أوروبا التي يبدو أنها خرجت من المعركة بخيبات واسعة، إلا إذا كانت دولها تحتفظ بأوراق وتخبئ مفاجآت لإفساد الصفقة، وهو ما تسجله بعض المواقف المعلنة عن استمرار تسليح كييف، وذلك في سياق التعليق على اتصال ترامب وبوتين، وتأكيد فلودومير زيلينسكي قبوله هدنة الشهر التي ستحيّد منشآت الطاقة والبنى التحتية.

إذا كان التفاهم الأمريكي الروسي مبنياً على أسس صلبة وصفقة متينة وأهداف واضحة، فإن المسار سيبلغ محطات أخرى، وسيفرض واقعاً جديداً على الجميع، فإذا اتفق الكبار لن يكون أمام القوى الأقل شأناً غير الامتثال أو دفع الأثمان، والشواهد على ذلك كثيرة، ومجريات الحرب الباردة غير بعيدة.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن