من الناحية السياسية، تُقدّم الخطّة أُطُرًا عامةً واقعيةً ومختصرةً تلبي نسبيًّا طلبات كلّ الأطراف التي تبدو متضاربة، فبالنسبة للولايات المتحدة، فإنّها تُقدّم حلًّا بديلًا لفكرة ترحيل الفلسطينيين، والتي ليست فقط لا أخلاقية ولا قانونية ولكنها أيضًا صعبة التنفيذ، فحتّى لو راهن عرّابو الفكرة على أنّ الفلسطينيين بشر يُمثل الأمن والغذاء أولويةً فطريةً لهم، فإنّ فكرة الترحيل تتجاهل أنّ الغزّاويين أثبتوا خلال الحرب أنهم بشر غير عاديين، وبالتالي فأيّ محاولة لترحيلهم حتّى لو رفعت شعار الطوعيّة ستواجَه بمقاومة شعبية وفصائلية ستجعل تطبيقها صعبًا.
الخطّة المصرية تقوم على أساس قبول "حماس" لفكرة أنّها لا يمكن أن تحكم غزّة مجدّدًا
كما أنّ افتراض أنّ القضية سوف تموت بترحيل أبناء غزّة لهو افتراض ساذج، فكما قال الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط "لو نقلت الفلسطينيين إلى كندا فإنك ستنقل قضيتهم معهم"، ولنتذكر أنّ اللاجئين هم أوّل من حملوا لواء القضية الفلسطينية، وأنّ محنة التهجير بعد النكبة أطلقت موجاتٍ من الكفاح المسلّح والعنف غير المسيطَر عليه أحيانًا وانتقلت آثاره إلى دول المنطقة ومناطق أخرى من العالم، وهو العنف الذي هدأ بعد التقبّل الدولي لمنظمة التحرير الفلسطينية والتفاوض الأميركي معها.
بالنسبة إلى الإسرائيليين، فإنّ الخطة تُقدّم بديلًا لأطروحاتهم غير الأخلاقية وغير الواقعية، ومنها نزع سلاح الفصائل الفلسطينية الذين فشلوا فيه خلال أكثر من عام من الحرب، كما فشلت محاولات خلق إدارة تابعة لإسرائيل من القيادات العشائرية التي رفضها الغزّاويون، كما أنّ استمرار الوضع الحالي في القطاع والذي يبدو كجحيم حقيقي وأكثر منطقة خربة في العالم (إنْ لم يكن في التاريخ) على الرَّغم من أنه يُرضي تعطّش الإسرائيليين للتنكيل بالفلسطينيين، إلّا أنّه يُـمثّل خطرًا على المنطقة بما فيها إسرائيل، لأنّ بقاء مليونيْن ونصف مليون فلسطيني مشرّدين وجائعين ومئات آلاف الطلبة من دون تعليم يُهدّد بتحوّل غزّة إلى مصدرٍ للعنف والفوضى سواء الجريمة أو الإرهاب وقد يفتح الباب لتغلغل "داعش"، ولنتذكر أنه عندما ترك العالم الصومال نهبًا للفوضى في التسعينيّات خرجت منها الجماعات المتطرّفة والقرصنة التي أرّقت العالم لسنوات.
يبدو أنّ اللقاء الأميركي مع "حماس" أغضب الإسرائيليين وكان من أسباب إفشالهم للهدنة
بالنسبة إلى حماس، فإنّ الخطّة تقوم على أساس قبولها لفكرة أنّها لا يمكن أن تحكم غزّة مجدّدًا، وليس فقط بسبب الرفض الإسرائيلي والأميركي وكذلك أيضًا لأنه لا يمكن توفير التمويل الضخم المقترح للخطة البالغ 53.2 مليار دولار في ظلّ سيطرة الحركة التي تُعتبر خارجةً عن الشرعيّة الفلسطينيّة وِفقًا لقرارات الجامعة العربية، و"إرهابية" وِفقًا لمعظم الدولة الغربية. وفي الوقت عينه، تتعامل الخطّة باختصار وحنكة مع مطلب إسرائيل نزع سلاح الفصائل بقولها: "تظل معضلة تعدّد الجهات الفلسطينية الحاملة للسلاح، وهو أمر من الممكن التعامل معه، بل وإنهاؤه إلى الأبد، فقط إذا تمّت إزالة أسبابه من خلال أفقٍ واضحٍ وعمليةٍ سياسيةٍ ذات مصداقية تعيد الحقوق إلى أصحابها".
وبالتوازي مع إعلان الخطّة، أفادت تقارير بأنّ وفدًا من "حماس" التقى مبعوث الرئيس الأميركي للرهائن آدم بولر وأبدى استعداد الحركة لإبرام هدنة طويلة تصل إلى 10 سنوات وألمح لإمكانية مناقشة تخفيف سلاحها الهجومي الذي تعرّض بالأصل لتدمير كبير، وتقليل تدريبات مقاتليها، ولكن يبدو أنّ هذا اللقاء أغضب الإسرائيليين وكان من أسباب إفشالهم للهدنة حسب مصادر مصرية.
بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، فإنّ الخطة تشير إلى أنه جارٍ بقرار فلسطيني (وبوساطة مصرية)، تشكيل لجنة لإدارة شؤون قطاع غزّة في مرحلة انتقالية لمدة 6 أشهر، وستكون لجنة مستقلّة مكوّنة من تِكنوقراط وشخصيات غير فصائلية، تحت مظلّة الحكومة الفلسطينية، وذلك تمهيدًا لتمكين السلطة من العودة بشكل كامل إلى القطاع، وهو ما يُمثّل حلًّا مُرْضِيًا لـ"فتح" من ناحية و"حماس" من ناحية أخرى، بالطّبع فإنّ هذه الفكرة قد تصطدم بالهوَس الإسرائيلي برفض عودة السلطة لغزّة أو كما يقول نتنياهو لن نقبل بسيطرة "فتحستان" بدلاً من "حماسستان"، ولكن الجهات العسكرية والأمنية الإسرائيلية (كما سبق أن ألمح وزير الدفاع السابق يوآف غالانت) تعلم بصعوبة قدرتها على فرض سيطرة مباشِرة دائمة على القطاع وبأنّه لا بديل عن "حماس" في حكم غزّة إلا حركة "فتح" والسلطة بإرثها القانوني والشعبي والتاريخي وتغلغلها في المجتمع الغزّاوي (معظم مخاتير غزّة الحاليين هم فتحاويون)، ولذا تمثّل هذه اللجنة حلًّا واقعيًا، من دون شكل سياسي فجّ يستفزّ إسرائيل، إذا كانت تريد حلًّا فعلًا.
كما أنّ اقتراح تدريب مصر والأردن للشرطة الفلسطينية لحفظ الأمن واقعي بالنظر إلى ثقة الجانب الأميركي بالبلديْن والثقة الكبيرة بين الفصائل الفلسطينية بالجانب المصري، والتي ظهرت واضحة في الاستقبال الحافل للأفراد المصريين المكلّفين تفتيش العائدين لشمال غزّة.
الخطة مستندة إلى الخبرة المصرية في بناء المجتمعات العمرانية الكبيرة بسرعة وبتكلفة زهيدة
على الجانب الفني، تقترح الخطة مرحلة تعافٍ أوّلية لمدة ستة أشهر بتكلفة 3 مليارات دولار يتمّ خلالها إزالة الركام والمقذوفات وترميم التدمير الجزئي وتُبنى خلالها منازل مؤقتة للغزّاويين في سبعة مواقع لحين إتمام عملية إعادة الإعمار، التي ستستغرق خمس سنوات على مرحلتيْن، وستشهد تخصيص 15.2 مليار دولار لقطاع الإسكان وحده لبناء 460 ألف وحدة سكنية تستوعب 3 ملايين شخص مع الخدمات اللازمة، وتتضمن المرحلة الثانية تشييد ميناء ومطار.
وتقترح الخطّة معادلةً لحسبان تكلفة الإعمار، عبر التفرقة بين الدّمار الكامل والجزئي والطفيف، وتبدو الخطة مستندةً إلى الخبرة المصرية في بناء المجتمعات العمرانية الكبيرة بسرعة وبتكلفة زهيدة بالنّظر إلى قوة قطاع المقاولات المصري ومهارة ورخص العمالة المصرية في هذا المجال، ومن شأن ذلك خلق مجتمعات عمرانية تُمثّل نقلة حضارية في القطاع المكتظّ والمنكوب منذ ما قبل الحرب، كما كانت لافتة فكرة استخدام الرّكام لردم مناطق بالبحر لتوسيع القطاع.
يُفترض إذا دخلت الخطة مرحلة التنفيذ أن تراعيَ الحفاظ على التماسك الاجتماعي للغزّاويين مثل تسكين أبناء الحي الواحد في المنطقة ذاتِها، وكذلك منح دور كبير للعمال والمهندسين الفلسطينيين لامتصاص البطالة الهائلة في القطاع.
كما أنّ التكلفة الواردة في الخطّة تبدو غير مبالغ فيها، بخاصّة أنّها موزّعة على خمس سنوات ونصف السنة، وتريد مصر في حال الوصول إلى هدنة دائمة عقد مؤتمرٍ للمانحين بسرعة، للاستفادة من التعاطف العالمي مع مأساة غزّة ورغبة حتى الدول الداعمة لإسرائيل في استقرار القطاع.
الخطّة المصرية الطرح العقلاني الوحيد الموجود على الطاولة
واللّافت أنّ تخريب إسرائيل المفاجئ للهدنة (بموافقة أميركية)، جاء بعد تقارير تتحدّث عن قبول إدارة ترامب مبدئيًا للخطة، ولا يُعلم هل يعني ذلك رفض واشنطن لها أم سعيها للمزيد من الضغط لتنفيذ شرطها بنزع سلاح "حماس"، أم أنّها دعمت استئناف نتنياهو لقصف غزّة لمساعدته على إعادة الوزير المتطرف إيتمار بن غفير إلى الحكومة لمنع انهيارها إذا فشلت في تمرير الميزانية في ظلّ أغلبيتها الضئيلة.
بالطبع لا يمكن استبعاد أن يكون تحوّل الموقف الأميركي من التفاوض لأول مرة مع "حماس" إلى تأييد استئناف الحرب، ما هو إلا مظهر جديد لتقلّبات ترامب المشهورة التي حيّرت حلفاءه قبل خصومه، ولكن تظل الخطّة المصرية الطرح العقلاني الوحيد الموجود على الطاولة.
(خاص "عروبة 22")