إنّها مرحلة جديدة تؤشّر إلى تخلخل المسار الزمني العادي وتفتح صفحةً كئيبةً يشعر فيها الجميع بأنّ مستقبل البشرية بأكمله على المحكّ. قد يصبح ما يصفه جيل برتران بتتابع التعديلات وإعادة التعديلات التّقنية سببًا مباشرًا في تفكيك الأنظمة الاجتماعية وتلاشي الكيْنونة الجماعية وهو ما انقدحت بوادره منذ الثّورة الصّناعية. إنّنا نشهد مع ما يقع شكلَيْن من التّعليق أو الإلغاء؛ وهما؛ الصّدمة التّكنولوجية التي تقطع منطق الممارسات الاجتماعية الطّبيعية، وآفة نشوء ظواهر الفردانية المنغلقة التي بدأت تأخذ أبعادًا غير مسبوقة.
استطاعت الرّأسمالية أن تبلغ من الثّورة التّكنولوجية في بضع سنوات ما لم تكن تتوقّعه. تمكّنت من أن تصنع يوتوبيا رقمية جعلت منها الشكل الجديد لحوْكمتها العالمية من خلال الحوْكمة الخوارزمية التي أخرجتها من نطاقها الإنساني، ممّا جعل "جون دُوِر" يرى أنّها تعجيل لظهور "النّهاية" مع "الفرسان الأربعة" كناية عن التدمير الوشيك للعالم.
تحاول الرّأسمالية الاشتغال على اقتصاد الرّغبة لتحويل الضرورة إلى فضيلة والعرضي إلى جوهري
إنّ الرّأسمال المُحوْسب بالكامل يقوم بطريقته بتحويل عملية التفرّد التّقني إلى تفرّد جماعي، أي تحويل سلبي للتجارب الفردية حتّى تكون طبائع جماعية، فيخلق هويّةً هجينةً تتجاوز الفردية الخالصة. هنا يقوم الرّأسمال المُحوْسب بصناعة نموذج للتفرّد التّقني من خلال التفاعُل اللاواعي مع التّكنولوجيا، الهدف منه إعادة تشكيل الهوية الجماعية عبر الاستثمار في تحويل التجارب التقنية إلى ضرورة وجودية يستحيل الاستغناء عنها. لذلك، فإن الحثّ على استخدام الآلات الرّقمية ليس إلاّ حفزًا إستراتيجيًّا لتثبيت السّلطوية وإحكام المراقبة على الأفراد عبر حشرهم في وقت رقمي مخادع ليس بوقتهم الطبيعي الذي يعيشون فيه حرّيتهم المفتوحة.
تحاول الرّأسمالية وظيفيًا، عبر الابتكارات المتجدّدة للتكنولوجيا، الاشتغال على ما يُطلق عليه "الاقتصاد الليبيدينالي"، من الليبيدو، أي اقتصاد الرّغبة بتنظيم الرّغبات والدوافع الفردية والجماعية لتحويلها إلى سلع قابلة للتّسويق والاستهلاك. أو بتعبيرٍ آخر تحويل الرّغبات إلى أرقام قابلة للحساب، فيحوّل الضرورة إلى فضيلة، والعرضي إلى جوهري، تجسيدًا لوظيفته الإيديولوجية بهيمنة "العقل المتحيّز أو المُسخَّر باعتباره قائمًا على خوارزمياتٍ مُوجَّهَةٍ ومُحتَكَرة".
التكنولوجيا اليوم تمارس علينا تهجيرًا من هوّيتنا ومن ذواتنا
انتقلت التّكنولوجيا بإرادة رأسمالية إلى تجاوز الأخلاقيات الضّابطة للمجتمع الإنساني، وتوظيفها في إفحاش قتل الشّعوب والسّعي الحثيث إلى إخضاع العدوّ. إنّها ليست كما يروّجه دهاقنتها أداةً لخدمة الإنسانية والبحث عن رفاهها؛ إنّ انزياحها إلى الشرّ يجعل منها باصطلاح الفيلسوف الفرنسي "ميشال سير" أسطورة سوداء "لا تهدأ ريحها حتى تأتيَ على الإنسانية جمعاء، لأنّها خرجت من سياق الاستخدام النّاعم إلى سياق الاستخدام المضادّ للحياة". ومن خلالها تمكّنت الرّأسمالية من تدمير الأشكال ذات البُعد الإنساني في التعبير عن الرّغبة المتعدّدة، تثبيتًا للرّغبة الواحدة، وهي الرّغبة في المحو من موقع شعورها بالقوة والسيطرة، ما دامت تنتج التّكنولوجيا وتمتلكها وتستخدمها.
هل يحقّ لنا أن نتساءل لنقول، ألا يكفي التكنولوجيا اليوم بعدوانها المقيت أن تُهجِّرنا من بيوتنا، كما تُهجِّر إسرائيل الفلسطينيين من بيوتهم، لتمارس علينا تهجيرًا أقبح وأسوأ وهو تهجيرنا من هوّيتنا ومن ذواتنا؟!.
(خاص "عروبة 22")