وجهات نظر

عقيدة السياسة الخارجية الأميركية... من مونرو إلى ترامب (1/2)

يُخضع الباحثون والاستراتيجيون والسياسيون رئيس الولايات المتحدة الأميركية - تاريخيًا - إلى الفحص والرصد وِفق أربعة محدّدات، الأول: مدى قدرته على تجسيد المبادئ الأساسية التي تَوافق عليها الآباء المؤسّسون. والثاني: طبيعة نظرته لما أطلقنا عليه التوسّع/التمدّد/التحرّك الأميركي في العالم. والثالث: كيف ينظر الرئيس الأميركي للعلاقات الدولية؟ والرّابع: الإدارة الاقتصادية داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية. إذ تشكّل تلك المحدّدات في مجملها ما بات يُعرف في السياسة الأميركية: مبدأ الرئيس الأميركي للأمن القومي، ومن ثم "عقيدة "Doctrine الولايات المتحدة الأميركية الحاكِمة للسياسة الخارجية.

عقيدة السياسة الخارجية الأميركية... من مونرو إلى ترامب (1/2)

من خلال دراستنا المبكرة للشأن الأميركي يمكن القول إنّ الرئيس الخامس للولايات المتحدة الأميركية "جيمس مونرو" (1758 ــ 1831، الذي انتُخب لدورتيْن رئاسيتيْن في 1816 و1820) هو أوّل من صاغ عقيدةً أميركيةً للأمن القومي عُرفت باسم: مبدأ/عقيدة مونرو؛ حيث وضع من خلاله قواعد جديدة للعلاقات الدولية فيما يتعلّق - تحديدًا - بالمجال الحيوي الأميركي أو ما يُعرف في الأدبيّات بالفناء الخلفي للولايات المتحدة الأميركية. إذ أعلن الرّجل: حلول الولايات المتحدة الأميركية محلّ القوى الأوروبية في سيطرتها على دول القارة اللاتينية وكذلك أميركا الشمالية.

المجمّع الصناعي العسكري التّكنولوجي سارع في فترة رئاسة ترومان إلى الاستئثار بصياغة استراتيجية الأمن القومي

وواصل الرؤساء الأميركيون بعد "مونرو" هذا التقليد حتّى الحرب العالمية الثانية. وخلال هذه الفترة كان الرؤساء يطرحون رؤى للأمن القومي/السياسة الخارجية أقرب إلى الاستراتيجية العسكرية المباشرة أكثر منها استراتيجية شامِلة للأمن القومي. ومع قدوم الرئيس الاستثنائي "فرانكلين روزفلت" (بقي رئيسًا في الفترة من 1933 حتى 1945)، الذي استطاع إنقاذ أميركا من أزمة 1929/الثلاثينيّات الكبرى للرّأسمالية، كذلك الخروج بها منتصرة من الحرب العالمية الثانيّة، بل وقائدة للعالم. والأهم كسَر احتكار أصحاب المصالح في تشكيل السياسات القومية العليا لأميركا - بعض الشيء - ما أتاح الفرصة لشرائِح اجتماعية من خارج النخبة الثروية الاقتصادية: الصناعية/العسكرية/التّكنولوجية، لأن يكون لها رأي حول استراتيجية الأمن القومي.

بيد أنّ رحيل روزفلت دفع المجمّع الصناعي العسكري التّكنولوجي إلى استعادة حقّه منفردًا في وضع مبادئ الأمن القومي، فسارع في فترة رئاسة الرئيس هاري ترومان سنة 1947 إلى إصدار قانون الأمن القومي الأميركي للاستئثار بصياغة استراتيجية الأمن القومي التي "لا تصنعها الأمّة ككلّ وإنما يصنعها أصحاب المصالح".

صحيح أعاد ما سبق الأمور إلى عقالها، أي عودة سيطرة النخبة الاقتصادية العسكرية على تشكيل عقيدة السياسة الخارجية، إلّا أنّه لم يَحُلْ دون أن تكون للرؤساء التاليين شراكة ما في هذا التشكيل، وذلك بفعل التحوّلات التي لحقت بالداخل الأميركي نهاية الخمسينيّات/مطلع الستينيّات من القرن الفائت التي تجلّت في فورة جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية من جهة، وانتفاضة حركة الحقوق المدنية من جهة أخرى. إذ ساعدت في أن يكون للرئيس الأميركي مساهمة - بدرجة أو أخرى - في بلْوَرة مبادئ الأمن القومي وعقيدة السياسة الخارجية.

تحوّلات مُرَكّبة طبقية وإثنية وجيلية لم تحظَ بمواكبة النخبة المالية والعسكرية والصناعية والتّكنولوجية الحاكمة

في هذا المقام، نشير إلى كتاب أستاذ العلوم السياسية الأميركي "دافيد لويس سينغرانيللي": الأخلاق، العلاقات الخارجية الأميركية، والعالم الثالث الذي صنّف عقائد السياسة الخارجية إلى ثلاثة أنواع هي:

أولًا: رؤساء الاستثنائية الأميركية Exceptionalist؛ (الرئيسان: "تيودور روزفلت" الرئيس 26، و"ودرو ويلسون" الرئيس 28).

ثانيًا: الرؤساء القوميّون Nationalists؛ (الرؤساء: "تافت" الرئيس 27، و"جونسون" الرئيس 36، و"نيكسون" الرئيس 37، و"ريغان" الرئيس 40، و"بوش الأب" الرئيس 41).

ثالثًا: الرؤساء التقدّميون Progressive؛ (الرؤساء: كينيدي" الرئيس 35، و"كارتر" الرئيس 39، و"كلينتون" الرئيس 42). (للمزيد من التفاصيل حول دلالة كلّ تصنيف يمكن مراجعة كتابنا: الإمبراطورية الأميركية: ثلاثيّة الثروة والدّين والقوة).

في ضوء التصنيف السابق، هناك من توقّع أن يكون التطوّر الطبيعي للرؤساء الأميركيين هو أن يأتي إلى سدّة الرئاسة رئيس "تقدّمي راديكالي" "Radical Progressive"؛ بخاصّة أنّ الداخل الأميركي قد بدأ يشهد تحوّلات مُرَكّبة طبقية وإثنية وجيلية لافتة ومؤثّرة، وأنّ تلك التحوّلات المُرَكّبة لم تحظَ بأي مواكبة من قبل النخبة المالية والعسكرية، والصناعية، والتّكنولوجية النافذة، والحاكمة. لذا اعتبر البعض "باراك أوباما" (الرئيس 44) هو ذلك الرئيس "التقدّمي الراديكالي" نظرًا لخطابه الانتخابي فالسياسي الرّئاسي والوثائق التي تتعلّق بحال الأمّة والأمن القومي، لا سيما لناحية مراعاة "رفاه المواطنين والانسانية"، ومطالب الشرائح الوسطى، والتنوّع، ومواجهة التفاوتات المتنوعة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن