يتكرّر المشهد في قطاع غزّة منذ استئناف اسرائيل حربها وفرضها حصارًا مطبقًا على كافة المعابر ومنع دخول أي مساعدات انسانية أو طبية منذ أكثر من 3 أسابيع ونصف، فيما الظلام الحالك يعم القطاع بعد قطع تل أبيب للكهرباء لزيادة الضغط على "حماس" للقبول باطلاق سراح الرهائن المحتجزين لديها وفق خطة مبعوث الرئيس الاميركي للشرق الاوسط، ستيف ويتكوف، التي لا تتضمن أي اشارات واضحة بشأن انهاء الحرب والانتقال الى المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، الذي خرقته اسرائيل بشكل متعمد.
ويسعى الوسطاء إلى تدوير الزوايا ومحاولة تقريب وجهات النظر والسعي مع الادارة الاميركية لزيادة الضغوط على رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب والعودة الى طاولة المفاوضات، فيما يبدو الاخير مصرًا على استكمال العمليات العسكرية والبحث في توسيعها للقضاء على "حماس" وفق التصريحات المعلنة، الا ان الهدف الاساسي بات واضحًا تضييق الخناق على الفلسطينيين لدفعهم الى القبول بمخطط التهجير "الطوعي" والترحيل بعد تحويل القطاع الى مكانٍ غير قابل للسكن.
هذه الاوضاع وارتفاع حصيلة الشهداء والجرحى وغياب التوافق الفلسطيني - الفلسطيني، دفع المئات من سكان القطاع في اليومين الماضيين الى الخروج بمظاهرات في شمال ووسط غزّة، مطالبين بوقف الحرب وانهاء سيطرة "حماس" على القطاع مع تأزم الوضع الانساني وسط تحذيرات أممية من مجاعة وسوء للتغذية وتفشي الأمراض. الا ان هذه التحركات الشعبية الغاضبة أثارت حفيظة الحركة التي وصفت من يقوم بها بالـ"مشبوهين" الذين "كما الاحتلال يتحملون المسؤولية عن الدماء النازفة من أبناء شعبنا، وستتم معاملتهم بناء على هذا الأساس"، بحسب البيان الصادر عن "فصائل المقاومة".
وإزاء هذا الواقع المرير، ينتظر الفلسطينيون بارقة أمل قد تظهر من محادثات الدوحة التي تجري حاليًا، حيث أفادت قناة "القاهرة الاخبارية" عن توجه وفد أمني مصري، أمس، إلى العاصمة القطرية لمواصلة المباحثات الرامية للإفراج عن الأسرى والرهائن في إطار مرحلة انتقالية للسعي لخفض التصعيد في قطاع غزّة. في حين كشف مصدر مصري مطلع لـ"الشرق الأوسط" عن أن جولة محادثات غير مباشرة جديدة "يتوقع أن تنضم إليها إسرائيل و"حماس" في مسعى جديد لإبرام هدنة قبل عيد الفطر"، لافتاً إلى أن "المناقشات ستشمل تقسيم إطلاق الرهائن والأسرى الفلسطينيين على مراحل انتقالية، يخرج بموجبها، في كل مرحلة، عدد من الرهائن مقابل أسرى فلسطينيين، مع عودة دخول المساعدات، على أن يكون ذلك ضمن اتفاق أوسع بضمانات أميركية لوقف الحرب".
وبانتظار ما سيرشح عن المفاوضات الجارية، يأمل السناتور الأميركي بيرني ساندرز بتحقيق خرق ما من خلال سعيه لإجراء تصويت في مجلس الشيوخ الأسبوع المقبل على قرارات من شأنها منع مبيعات أسلحة بقيمة 8.8 مليار دولار لإسرائيل، لافتًا إلى "أزمة حقوق الإنسان التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة بعد قصف إسرائيل للقطاع وتعليقها لإيصال المساعدات". يُذكر أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب أعاد العمل بشحنات أسلحة تم ايقافها في عهد سلفه جو بايدن وقام بتزويد اسرائيل بقنابل ثقيلة كما ابرم اتفاقيات تسليحية ضخمة.
الوقائع والاحداث المأساوية في قطاع غزّة لا تختلف عما يمر به اليمن بعد قرار الادارة الاميركية توجيه ضربات للحوثيين "بهدف القضاء عليهم". وفي هذا الاطار، أفادت عدة وسائل اعلامية عن شن اكثر من 40 غارة على عدة مناطق باليمن، في ليلة وصفت بـ"الاصعب" منذ بداية التصعيد الأخير وأدت في حصيلة أولية إلى سقوط 7 جرحى مدنيين. من جهتها، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن إسرائيل قدمت معلومات حساسة عن قائد عسكري كبير من الحوثيين استُهدف في الهجمات الأخيرة، وذكرت أن واشنطن نشرت قاذفات "بي-2" الثقيلة في قاعدة بالمحيط الهندي في تحذير لإيران والحوثيين.
وفي السياق ذاته، قالت "هيئة البث الإسرائيلية" إن قائد القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم) سيزور تل أبيب مطلع الأسبوع القادم على خلفية الهجمات باليمن، مشيرة إلى أن مباحثات قائد سنتكوم بإسرائيل ربما لا تقتصر على اليمن وغزّة. وتأتي هذه التطورات مع زيادة الضغوط الاميركية على طهران التي تواجه ظروفًا صعبة بعد الضربات القاصمة التي وجهتها تل أبيب وواشنطن الى أذرعها في المنطقة. وتقف ايران عند مفترق طرق منذ عودة الرئيس دونالد ترامب الى البيت الأبيض.
الى ذلك، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن طهران أرسلت ردًا عبر سلطنة عمان على رسالة الرئيس ترامب التي منحها مهلة شهرين للوصول الى اتفاق نووي جديد او التهديد بعمل عسكري ضدها. كما قال "سياساتنا لا تزال قائمة على رفض المفاوضات المباشرة، في ظل سياسة الضغوط القصوى والتهديدات العسكرية، لكن المفاوضات غير المباشرة - كما جرت في السابق - يمكن أن تستمر". وأشار عراقجي إلى إجراء مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة سواء خلال عهد الرئيسين السابقين حسن روحاني وخلفه إبراهيم رئيسي.
لبنانيًا، تواصل اسرائيل خرق اتفاق وقف النار بشكل يومي، حيث استشهد خلال الساعات القليلة الماضية 6 أشخاص في ثلاثة استهدافات منفصلة لسيارات يعتقد انها تابعة لعناصر من "حزب الله". وشملت الانتهاكات الجديدة بلدة برعشيت ويحمر الشقيف في جنوب لبنان كما بلدة معروب في قضاء صور. ورغم دخول الاتفاق حيّز التنفيذ قبل أربعة أشهر، الا أن تل أبيب خرقته اكثر من 1,280 مرّة. وقد أدت هذه الانتهاكات المتواصلة الى استشهاد أكثر من 100 شخص وإصابة 333 على الاقل.
وفي تطور أمني جديد، أعلن الجيش الاسرائيلي عن اطلاق "قذيفتين صاروخيتين" من لبنان نحو الأراضي الإسرائيلية، مشيرا إلى اعتراض واحدة وسقوط الثانية في لبنان. فيما حذر وزير الدفاع يسرائيل كاتس بأنه "إذا لم يخيم الهدوء في بلدات الجليل، لن يكون هناك هدوء في بيروت"، وأضاف "حكم كريات شمونة كحكم بيروت". والتوترات الامنية المستمرة في جنوب لبنان تترافق مع دخول السعودية بشكل مباشر على خط الازمة اللبنانية - السورية حيث عقد اجتماع في جدة بين وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى ونظيره السوري مرهف أبو قصرة، تم في ختامه التوصل الى اتفاق لترسيم الحدود بين البلدين.
داخلياً، تحاول الحكومة اللبنانية الجديدة ملأ الشواغر في المراكز المهمة، حيث حسم مجلس الوزراء أمس بالتصويت وليس بالتوافق تعيين كريم سعيد، حاكمًا لمصرف لبنان، بعدما حصل على تأييد 17 وزيرًا مقابل اعتراض 7 وزراء مقربين ومحسوبين على رئيس الحكومة نواف سلام الذي عارض الترشيح، معتبرًا انه يتناقض مع خطة الحكومة للتفاوض مع صندوق النقد الدولي واعادة هيكلة المصارف، الا انه أكد أن على "الحاكم أيًا كان أن يلتزم منذ اليوم السياسة المالية لحكومتنا الإصلاحية". ويطرح وصول سعيد الكثير من التساؤلات عن الخطوات التي يتخذها العهد الجديد لطمأنة الخارج واستعادة الثقة في القطاع المصرفي برمته.
وعلى الصعيد السوري، يتعمق الكباش الاسرائيلي - التركي خاصة مع استمرار تل أبيب باستهداف الاراضي السورية دون حسيب أو رقيب وانتهاك سيادتها منذ سقوط النظام السابق. وتتخوف اسرائيل من تعاظم النفوذ التركي في دمشق بما يهدّد مصالحها خاصة أنها تهدف الى بقاء سوريا دولة ضعيفة بشكل لا يشكل خطر على "أمنها القومي" كما تروج. ويترافق ذلك مع اعلان أنقرة المتكرر عن امكانية إنشاء قاعدة لأغراض تدريبية في سوريا، تماشياً مع مطالب الحكومة الجديدة في دمشق لتعزيز قدرات الجيش السوري.
أما في تركيا، فتتواصل التظاهرات الحاشدة في أنحاء مختلفة من البلاد رفضًا لاحتجاز رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو بتهم فساد، في وقت قرر حزب "الشعب الجمهوري" رفع سقف التحدي في وجه الرئيس طيب رجب أردوغان بتبنيه ترشيح أوغلو رسميًا لرئاسة الجمهورية والدعوة الى انتخابات مبكرة ما يشير الى أن معركة طاحنة ستشهدها أنقرة في الفترة المقبلة بظل ارتفاع الاصوات الرافضة لاستمرار حكم "حزب العدالة والتنمية".
وتنوعت اهتمامات الصحف العربية الصادرة اليوم بين الوضع المتفاقم ضد "حماس" في غزّة الى الاحداث السورية المستجدة داخليًا او على الحدود مع لبنان. وفي جولتنا الصباحية نرصد:
تطرقت صحيفة "البيان" الاماراتية الى المظاهرات المناهضة لاستمرار حكم "حماس" في غزّة، حيث اعتبرت أن "شعب غزّة يؤمن بتحرير الأرض، ويؤمن بحق المقاومة، لكنه مثله مثل أي شعب على كوكب الأرض في أي زمان ومكان يؤمن بحق العيش في أمان وسلام، ومثله مثل أي بشر لديه طاقة لتحمل عذاب الحصار ووحشية حرب الإبادة"، مطالبة "حماس" بأن تفكر جيداً في رسالة شارع غزة.
ومن وجهة نظر صحيفة "الأهرام" المصرية، فإنه "ومع استمرار الضغط الإسرائيلي لن يفيد سلاح "حماس" في حماية أكثر من مليوني فلسطيني هم الذين يدفعون ثمن العدوان وجرائم الاحتلال". وقالت: "الحكمة تتطلب حقن دماء المدنيين والبحث عن حل دائم للسلام ووقف هذه الحرب المجنونة، فكلما رفضت "حماس" الإفراج عن المحتجزين، ستفقد المزيد من الأرض، وقد نجد أنفسنا أمام ضياع غزة كلها، وتحويلها إلى منطقة عسكرية تحت السيطرة الإسرائيلية".
بدورها، اعتبرت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "سياسات الغرب في المنطقة، خاصة تجاه العراق وسوريا وليبيا، تظهر توجهًا نحو إضعاف الدول العربية وقواتها المسلحة، مما يجعلها غير قادرة على حماية نفسها أو تحقيق استقلالها الكامل"، مشددة على أن "هذه السياسات تخدم مصالح غربية إستراتيجية، مثل السيطرة على الموارد الطبيعية (خاصة النفط) ومكافحة النفوذ الإقليمي للقوى المنافسة".
وتحت عنوان "سوريا بين مطالب الغرب وأهداف اسرائيل"، كتبت صحيفة "القدس العربي": "رغم النفوذ الإسرائيلي الكبير في واشنطن، وخصوصًا ضمن الدائرة المحيطة بترامب، نلحظ فجوة بين النزعة التوسعية الإسرائيلية، والمراهنة على تفكيك سوريا، وبين الرؤية الاستراتيجية الأمريكية لمجمل المنطقة، والطامحة لمزيد من توسيع "اتفاقيات أبراهام" وتخفيف عديد القوات الأمريكية والرغبة في "تبادل مصالح" عبر تنفيذ "دفتر الشروط" المطلوب أمريكيا وأوروبيا"، مؤكدة "مصلحة مجمل الدول العربية بأن تضيف ثقلًا إلى اتجاه خلق توازن عربي وإقليمي يراهن على استقرار سوريا وسيادتها ووحدة أراضيها".
أما صحيفة "الراي" الكويتية، فأشارت الى "ازدحام الأسئلة حول معاني هذا التطور اللبناني - السوري خصوصاً لجهة رعاية المملكة العربية السعودية و"توسيطها" في هذا الملف الحساس" العالق بين البلدين بشأن حدودها المشتركة، لافتة الى تحوّل الرياض "الى قوة الجاذبية الدبلوماسية الأقوى في المنطقة ومنصة لأدوارٍ ما فوق عادية على صعيد مساعي إرساء "السلام العالمي"، بما كرّس موقعها كرافعة ذات ثقل وتأثير دولي تنفرد به في الإقليم وتتفوّق على سائر لاعبيه".
من جهتها، عقبت صحيفة "اللواء" اللبنانية على مستجدات لبنان الداخلية بالقول: "إن أي إهتزاز في تركيبة العهد الجديد في لبنان، سيؤثر على حجم الرهانات الخارجية، والآمال الداخلية المعلقة على مسيرة الإصلاح والإنقاذ". وأضافت "إستعادة الثقة الداخلية والخارجية بقدرة الدولة اللبنانية على مواجهة التحديات والصعوبات، تكون أولا بإبراز وحدة الرؤية، والتوافق على خطة عمل فاعلة وليس في خوض التنافسات السلطوية، وإستحضار مشاهد الإنقسامات السابقة في مواقع القرار الرسمي".
(رصد "عروبة 22")