صحافة

"المشهد اليوم"...ترامب يشن حربًا تجارية ونتنياهو يعلن "تجزئة" غزّةضربات جوية اسرائيلية على سوريا وواشنطن تدرس عرض طهران بشأن مفاوضات غير مباشرة

فلسطينيون يغادرون بعد توجيه الاحتلال الإسرائيلي أوامر اخلاء جديدة إثر الاعلان عن توسعة العمليات العسكرية في غزة (وكالات)

يعيش العالم على وقع حرب عسكرية وأخرى اقتصادية بدأت تلوح معالمها في الأفق بعد اعلان الرئيس دونالد ترامب عن فرض تعريفات جمركية جديدة على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة الأميركية، فيما بات يُعرف باسم "يوم التحرير"، وتفكيك النظام الاقتصادي الذي ساهمت واشنطن في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية ما ينذر بتداعيات جسيمة لن تكون أي دولة بمنأى عنها ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تغيرات كبيرة وتحديات جديدة ستبرزها المرحلة المقبلة في ظل غياب التنسيق الدولي واتساع الفجوة بين واشنطن وحلفائها الإستراتيجيين.

فترامب، الذي يرفع شعار "أميركا أولًا" منذ حملته الانتخابية ويتعهد بعودة بلاده الى سابق عهدها من الازدهار والعظمة الاقتصادية، يتغافل عن مخاطر قراراته الحالية والتي قد تسبب ارتفاعًا يترواح بين 10% الى 20% في أسعار السلع والسيارات كما الملابس، خاصة أن الرسوم المضادة الواسعة النطاق والتي يصفها بـ"التاريخية"، شكلت خضة في الاسواق العالمية بعد تراجع أسهم أمازون وميتا وتسلا، كما انخفض سعر الدولار مقابل اليورو، وتحول إلى الارتفاع مقابل الين، مع بدء الإعلان عن هذه التعريفات الجديدة التي ايضًا شملت الدول العربية بنسب متفاوتة.

وقوبلت الخطوة بردود فعل متبانية لاسيما لدى الدول الحليفة للولايات المتحدة، ففي حين اعربت بريطانيا وايطاليا عن مساعيها للعمل على ايجاد حلول مشتركة وعدم اتخاذ اي اجراءات انتقامية في الحال. تعهد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بالرد على الرسوم الجمركية، محذراً من أنها "ستغيّر جذريًا" التجارة الدولية. وهذا ما دفع العديد من الخبراء الاقتصاديين الى التحذير من مخاطر اتخاذ الدول اجراءات مضادة تستهدف الصادرات الأميركية، ما قد يؤثر على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار المواد الأساسية. يُذكر أنه وبحسب دراسة لمدرسة الأعمال بجامعة أستون في المملكة المتحدة، فإن التكاليف الاقتصادية العالمية المحتملة لهذا التوجه قد تصل إلى 1.4 تريليون دولار، نتيجة الاضطرابات في حركة التجارة وارتفاع الأسعار.

وبموازاة الحرب التجارية العالمية التي يخوضها ترامب ضد جميع الدول، تستمر اسرائيل في حربها الوحشية على قطاع غزة مع تأكيد رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو أن الجيش "يقوم بتجزئة القطاع وزيادة الضغط تدريجياً على "حماس" بهدف استعادة الرهائن"، معلنًا السيطرة على محور موراغ (منطقة تل السلطان بين محافظتي خان يونس ورفح الجنوبيتين)، الذي سيكون محور فيلادلفيا الثاني، بحسب قوله. وتزامن ذلك مع اصدار اوامر اخلاء شملت مناطق واسعة جدًا من شمال وجنوب قطاع غزة ودفعت الاهالي الذين يقطن معظمهم في خيم مؤقتة او مبانٍ مدمرة الى النزوح مجددًا دون معرفة الوجهة الحقيقية لعدم وجود اي منطقة أمنة في كامل القطاع. ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن تقارير أممية أن نحو 140 ألف شخص نزحوا منذ استئناف الحرب على غزة، في حين غادر عشرات الآلاف مناطقهم الأسبوع الماضي.

وقبل تصريحات نتنياهو، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن توسيع نطاق العملية العسكرية في القطاع "لتدمير الإرهابيين والبنية التحتية الإرهابية وإخلاء المنطقة منهم، ووضع اليد على مناطق واسعة سيتم دمجها في المناطق الأمنية الإسرائيلية"، داعيًا السكان إلى التحرك ضد "حماس" وتسليم كل الرهائن باعتبارها "الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب". في المقابل، كان توسيع العملية محط انتقاد وغضب كبير من قبل عائلات الرهائن المحتجزين لدى "حماس" الذين نددوا ببيان بما يجري، متوجهين إلى نتنياهو بالقول: "عوضاً عن تحرير الرهائن بالتوصل لاتفاق ووضع حد للحرب، ترسل الحكومة مزيداً من الجنود إلى غزة للقتال في المناطق ذاتها التي سبق أن قاتلت فيها مراراً".

ميدانيًا، أسفرت الضربات الإسرائيلية المكثفة على مناطق متفرقة في القطاع، الأربعاء، الى استشهاد 77 شخصًا على الأقل، من بينهم 19 فلسطينياً، نصفهم من الأطفال، إثر غارة شنّها الطيران الإسرائيلي، استهدفت مركزًا صحيًا لوكالة "الأونروا" في مخيم جباليا شمال القطاع. من جانبه، برر جيش الاحتلال القصف بأنه كان يستهدف مقاتلين من "حماس" كانوا يتواجدون داخل المبنى المستهدف. وفي ظل هذا التصعيد الخطير الذي يترافق مع مخاوف من وقوع مجاعة بسبب منع تل أبيب ادخال المساعدات وتوقف كل المطاحن والمخابز بسبب نفاذ الوقود والطحين، خرج مئات الفلسطينيين في مظاهرة جديدة في مدينة بيت لاهيا دعوا خلالها لخروج "حماس" من القطاع بشكل كامل والمطالبة بوقف الحرب.

في غضون ذلك، صعدت إسرائيل عملياتها في الضفة الغربية المحتلة حيث اقتحمت قوات الاحتلال مخيمات في جنوب الضفة، محذرة سكانها من مصير مشابه لما يحصل في مخيمات جنين وطولكرم شمالي الضفة والتي تشهد على استمرار عملية تهجير السكان وتفريغ المخيمات من قاطنيها. وتسعى تل ابيب الى فرض سيطرتها الكاملة وتوسيع البناء الاستيطاني الذي شهد خلال الشهور الثلاثة الماضية تناميًا يفوق ما وافقت عليه سلطات الاحتلال في عام 2024 بواقع 11315 وحدة استيطانية. الى ذلك، يستمر وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير بإثارة الجدل، حيث اقتحم مع عدد من أتباعه المسجد الأقصى المبارك بحراسة مشددة من الشرطة الاسرائيلية. وقد ندّدت كل من الأردن والسعودية وقطر وتركيا بهذا الاعتداء الجديد الذي وضع في خانة "التصعيد الخطير والاستفزاز المرفوض".

العمليات الاسرائيلية في غزة والضفة الغربية تتزامن مع شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارات عنيفة على سوريا طالت مركز البحوث العلمية في حي مساكن برزة في دمشق ومحيط مطار حماة العسكري ومطار "تي 4" العسكري بريف حمص. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد قُتل أربعة أشخاص، بينهم عسكريين، في الغارات على مطار حماة العسكري الذي خروج بدوره عن الخدمة. ومنذ سقوط النظام السابق، تشنّ اسرائيل بوتيرة شبه يومية غارات بحجة القضاء على "القدرات العسكرية" التي تهدد أمنها على الرغم من الادارة السورية الجديدة لا تزال تلتزم سياسة عدم الرد خاصة أنها تسعى الى معالجة الملفات الداخلية بعد حرب استمرت 12 عامًا قضت على كل مقومات البلاد.

وفي السياق عينه، تشير المعطيات الى أن الاستهدافات الاسرائيلية المتزايدة تستهدف تركيا التي تكثف من استعداداتها لإقامة قاعدة جوية في مدينة تدمر، شرق حمص، بعدما أعلنت وزارة دفاعها، الأسبوع الماضي، أنها تدرس طلبًا مقدمًا من الإدارة السورية في دمشق بشأن إقامة قاعدة لأغراض تدريب الجيش السوري. وذكرت صحيفة "تركيا"، المقربة من الحكومة التركية، أنه من المتوقع أن تبدأ أنقرة، خلال شهر نيسان/ أبريل الحالي، أعمال إعادة تأهيل "قاعدة التياس" الجوية العسكرية وتوسيعها فور تركيب المنظومة الدفاعية لتشمل مرافق متكاملة تدعم العمليات العسكرية والاستخبارية. يُشار الى أن إسرائيل أعلنت، في وقت سابق، عن قلقها الشديد تجاه تعاظم النفوذ التركي في سوريا لجهة التمدد وإنشاء قواعد عسكرية في عمق الأراضي السورية.

على الصعيد الايراني، بحث الرئيس مسعود بزشكيان، في اتصالات هاتفية أجراها امس، مع عدد من زعماء دول الخليج العربي، تطورات الأوضاع في المنطقة والعلاقات بين بلاده ودول الخليج. ويأتي ذلك مع تصاعد الاحداث والمستجدات السياسية وسط مخاوف حقيقية من توجيه واشنطن ضربة عسكرية "غير مسبوقة" الى طهران في حال فشل المفاوضات بشأن اتفاق نووي جديد. بدورها، تدرس واشنطن "العرض" الايراني لإجراء مفاوضات غير مباشرة بشأن برنامجها النووي بوساطة عُمانية في وقت حذرت فيه فرنسا، على لسان وزيرها خارجيتها جان نويل بارو، من ارتفاع مخاطر المواجهة وتقلص فرص التوصل إلى اتفاق جديد، معتبرة أنه "في حال الفشل، ستبدو المواجهة العسكرية شبه حتمية".

وقد تناولت الصحف العربية الصادرة اليوم ما يجري على الساحة العالمية من تداعيات لخطوات ترامب الاقتصادية إلى جانب الاوضاع المتفاقمة في غزة والضفة الغربية. وهنا أبرز ما ورد:

تحت عنوان "الاقتصاد في مرمى النيران.. هل بدأت الحرب العالمية الرابعة؟"، تطرقت صحيفة "الوطن" البحرينية الى قرار الرئيس ترامب بزيادة التعريفات الجمركية وتداعياتها على الدول النامية والمستهلكين العاديين لجهة زيادة الاسعار ما يؤثر على قدراتهم الشرائية، مشيرة الى أن "العالم مقبل على مرحلة جديدة من الصراعات الاقتصادية، حيث أصبحت الأدوات التجارية والاقتصادية سلاحًا رئيسًا في تحقيق الأهداف السياسية، فهذا التحول يتطلب من الدول النامية تعزيز قدراتها الاقتصادية وتطوير سياسات تحمي مصالحها في مواجهة هذه التحديات المتصاعدة".

ومن وجهة نظر صحيفة "اللواء" اللبنانية، فإن "إدارة ترامب تعمل على التفرّغ والتركيز على صراعها مع الصين، على حساب إخماد الحرائق في الشرق الأوسط وجوائز ترضية لحلفائها وفي مقدّمتهم الكيان الإسرائيلي"، منبهة إلى أن المفاوضات التي تسعى اليها واشنطن تهدف "للضغط على حلفاء إيران في المنطقة، وخاصة في اليمن لمنع أي تصعيد يؤدّي إلى إشعال حرب تتسبب بخسائر اقتصادية أميركية في معركة بدأها ترامب بوجه حلفائه قبل خصومه"، على حدّ قولها.

واعتبرت صحيفة "الخليج" الاماراتية أن "وباء الانقسام السياسي والجغرافي المتطابق، الذي يسِم المشهد السياسي الليبي، أصبح يُهدد النظام الإقليمي العربي، تغذيه الصراعات على السلطة والنفوذ، وهي صراعات لم تثمر عن أية نتائج تقريباً". وأضافت "هذا الانقسام يغذيه أيضاً التدخل الخارجي من جانب الدول الإقليمية والقوى الدولية، ما يستدعي وقفة جادة من جانب قيادات ومؤسسات النظام العربي، حتى لا تنفرط وحدات النظام واحدة تلو الأخرى، بل وينهار النظام نفسه".

من جهتها، شددت صحيفة "الراية" القطرية على أن "المحاولات المتكررة للمساس بالوضع الديني والتاريخي للمسجد الأقصى ليست اعتداءً على الفلسطينيين فحسب، بل اعتداء على ملايين المسلمين حول العالم"، معتبرة أنه و"بالاقتحامات المتعمدة للأقصى تصرّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي على صبّ الزيت على النار المشتعلة سعيًا منها لجعلها حربًا إقليمية دينية ترمي بالمنطقة والعالم في أتون حرب طاحنة ستجلب الخراب والدمار للبشرية".

وأوضحت صحيفة "الأهرام" المصرية أن "كل ممارسات نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، تدفع المنطقة بأكملها إلى حافة الهاوية، وتزيد الأوضاع اشتعالا، ولن يكون ذلك في صالح القوى الكبرى صاحبة المصالح في المنطقة"، معربة عن استغرابها مما أسمته "خروج تصريحات وتقارير إسرائيلية غير منضبطة، تستهدف مصر، ولا يمكن وصفها إلا بالاستفزازية في مغامرة مكشوفة وغير محسوبة، وإذا كانت حكومة الاحتلال لا تدرك خطورة إقحام القاهرة في أزماتها، فالعالم يشهد لمصر بأنها دولة تحترم التزاماتها الدولية، بالقدر نفسه الذي تستطيع به الدفاع عن مصالحها وسيادتها"، وفق تعبيرها.

أما صحيفة "الدستور" الأردنية، فلفتت الى انه "وفي ظل الظروف الصعبة والمعاناة الفلسطينية التي تفوق الوصف حان الوقت العمل بشكل فعلي لتعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء كل أشكل الانقسام عبر إطلاق حوار وطني شامل بين جميع الفصائل الفلسطينية للوصول إلى اتفاق ينهي الانقسام السياسي والجغرافي تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد"، داعية الى "تبني إستراتيجية وطنية موحدة تركز على مواجهة حرب الإبادة الإسرائيلية".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن