النفط ومستقبل الطاقة

المصادر النظيفة تصنع المستقبل (1/2) كيف يرسم التعاون العربي ملامح التحوّل إلى الطاقة المتجدّدة؟

في خضم التغيّرات الكبرى التي يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين، لا يبدو أنّ أي قطاع يختصر ملامح المرحلة المقبلة كما تفعل الطّاقة. فالمعركة العالمية لمكافحة تغيّر المُناخ، وتقلّبات أسواق الوقود الأحفوري، والضّغوط على الاقتصادات النامية لإعادة هيكلة نماذجها الإنتاجيّة، تضع الطاقة المتجدّدة في قلب أي رؤية تنمويّة للمستقبل. والعالم العربي، الذي لطالما ارتبط تاريخه المعاصر بالنّفط والغاز، يجد نفسه اليوم أمام منعطفٍ تاريخيّ: إمّا أن يتحوّل إلى فاعلٍ رئيسيّ في سوق الطاقة النظيفة العالمية، أو أن يتخلّف عن ركب التحوّل الذي تتسارع وتيرته يومًا بعد يوم.

المصادر النظيفة تصنع المستقبل (1/2) 
كيف يرسم التعاون العربي ملامح التحوّل إلى الطاقة المتجدّدة؟

التحوّل إلى الطّاقة المتجدّدة في المنطقة العربية لم يعد مجرّد خيار بيئي أو شعار تنموي، بل أصبح مسارًا استراتيجيًا مدفوعًا بعوامل متشابكة: اقتصادية، ومناخية، وجيوسياسية، وتكنولوجية. والدول العربية، التي تختلف في قدراتها الاقتصادية والسياسية، بدأت تُدرك تدريجيًّا أنّ النّجاح في هذا التحوّل يتطلّب تعاونًا إقليميًا لا يقتصر على تبادُل الخبرات، بل يمتدّ إلى بناء منظوماتٍ مترابطةٍ للإنتاج والتوزيع والتصدير، واستغلال الموارد الطبيعية المشتركة، وتعزيز التكامل في التصنيع والصناعات المرتبطة بالطاقة الخضراء.

من أبرز ملامح هذا التحوّل، ظهور ما يُعرف بـ"منظومات الطّاقة الخضراء" في عددٍ من البلدان العربية، أي بنية متكاملة تشمل إنتاج الطاقة من مصادر متجدّدة، وتوظيفها في صناعات تحويلية أو تصديرية، مثل الأمونيا الخضراء، والسيارات الكهربائية، والمعادن الخضراء، وتحلية المياه، وغيرها. وتُعَدُّ المملكة المغربية، في هذا المجال، رائدة إقليمية بامتياز، إذ تتكامل فيها مشاريع الطاقة الشمسية والريحية مع صناعة الأسمدة والفوسفات، التي تُستخدَم فيها الأمونيا الخضراء كبديل عن تلك المشتقّة من الغاز. ويسعى "المكتب الشريف للفوسفاط"، وهو مؤسّسة عملاقة في مجالها، إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2040، ويعمل على إنتاج ما يصل إلى ثلاثة ملايين طنّ من الأمونيا الخضراء سنويًا، وهي كمّية كافية لإنشاء سلسلة إمداد جديدة بالكامل تعتمد على الطاقة المتجدّدة.

النجاحات المنفردة لا تكتمل من دون إطارٍ إقليميّ يوفّر لها عمقًا سياسيًا واستراتيجيّا

المملكة العربية السعودية، التي تُعَدّ أكبر منتج للكهرباء في المنطقة، تدركُ أنّها لن تستمرَّ في قيادة سوق الطاقة العالمية من خلال النّفط وحده. ومع اكتشافات جديدة للمعادن، واستثمارات ضخمة في مشاريع الهيدروجين الأزرق والأخضر، وخطط لتوطين صناعات البطاريات والمعادن، تسير الرّياض نحو تنويع مصادر دخلها وتثبيت مكانتها في السّوق العالمية للطاقة النظيفة. والهدف هو أن تُشكّل الطاقة المتجدّدة 50 في المئة من مزيج الطاقة بحلول عام 2030، وهو هدف طموح يتطلّب تضاعف القدرة الإنتاجية الحالية أكثر من 20 مرّة.

دولة الإمارات العربية المتحدة بدورِها تُقدّم تجربةً مختلفةً لكنها لا تقلّ طموحًا، إذ جمعت بين الاستثمار المحلّي والخارجي، وضخّت أكثر من 40 مليار دولار في مشاريع طاقة نظيفة حول العالم. وقد أنشأت أوّل مصنع في العالم للألمنيوم الأخضر، عبر استخدام الطاقة الشمسية في عمليات الصّهر، وتسعى الآن إلى دخول قطاع السيارات الكهربائية ومكوّناتها. كذلك تعمل على إنتاج مليون طن من الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2030، ثلثه للاستهلاك المحلّي، والثلثان للتصدير، ولا سيما إلى أوروبا وآسيا.

أمّا المملكة الأردنية الهاشمية، وعلى الرَّغم من مواردها المحدودة، فاستطاعت أن تُحقّق تقدّمًا كبيرًا، إذ وصلت حصّة الطاقة المتجدّدة إلى 27 في المئة من الطاقة المركّبة عام 2023، وثمّة خطط للوصول إلى 50 في المئة خلال هذا العقد من الزّمن. كذلك، أطلقت عمّان مشاريع رائدة في الهيدروجين الأخضر، بتقديرات قد تصل إلى 2.3 مليون طن سنويًا، مع ربطٍ متزايدٍ بشبكات جمهورية العراق والجمهورية اللبنانية، ما يؤهّلها لتكون همزة وصل في مشاريع التصدير نحو أوروبا.

لكنّ هذه النجاحات المنفردة كلّها لا تكتمل من دون إطارٍ إقليميّ يوفّر لها عمقًا سياسيًا واستراتيجيّا. من هنا جاءت أهمّية مذكّرة التفاهم التي وُقّعت في القاهرة بين جامعة الدول العربية والمنظمة الخليجية للبحث والتطوير، والتي تُشكّل أول محاولة جادّة لتوحيد الرؤى العربية في مجال الطاقة النظيفة. وتشمل المذكّرة التعاون في تطوير خريطة طريق للهيدروجين الأخضر، وتنظيم ورش عمل حول المادة السادسة من اتفاقية باريس المناخية، وتعزيز كفاءة الطاقة، والتعاون في تطوير أسواق الكربون، وكلّها خطوات ضرورية لتهيئة البيئة المؤسّسية للتحوّل الشامل.

شبكة الربط الكهربائي بين دول الخليج العربي تفتح الباب لتصدير الفائض من الطاقة المتجدّدة إلى أسواق جديدة

هذا ويشكّل الرّبط الكهربائي بين دول الخليج العربي نموذجًا ناجحًا نسبيًّا في التكامل الطاقوي، إذ تتّصل شبكات دولة الكويت والمملكة العربية السعودية ودولة قطر ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، وقد انضمت إليها جمهورية العراق، وتُطرَح حاليًا خطط لضم الجمهورية التركية. هذه الشبكة لا تضمن فقط الاستقرار الكهربائي، بل تفتح الباب لتصدير الفائض من الطاقة المتجدّدة، ولا سيما في أوقات الذروة، إلى أسواقٍ جديدة، وتُشكّل أساسًا لأي مشروع عربي مشترك للطاقة.

وإلى جانب الكهرباء، بدأت الأمونيا الخضراء تُطرَح كوسيلةٍ مثاليةٍ لنقل الهيدروجين وتخزينه. فهي أكثر استقرارًا، وتستفيد من بنية تحتيّة قائمة أصلًا. المملكة المغربية، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وجمهورية مصر العربية كلّها بدأت مشاريع في هذا المجال، وتخطّط لتصدير ملايين الأطنان إلى أوروبا وآسيا. وتشير تقديرات إلى أنّ الدول العربية قد تحقّق إيرادات سنوية تتجاوز 130 مليار دولار من صادرات الهيدروجين الأخضر ومشتقّاته بحلول عام 2050.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن