على الرَّغم من أنّ المنطقة العربية تشغل 10% من مساحة العالم إلّا أنّها تستقبل نحو 0.1% من أمطار العالم، وأيضًا على الرَّغم من كونها تمثّل 5% من عدد سكان العالم، ولكنّها لا تمتلك إلّا 1% من الموارد المائية للعالم (أمطار + أنهار وبحيرات عذبة + مياه جوفية). إضافة إلى ذلك فإنّ نحو 67% من مياه أنهار الدول العربية ومياهها الجوفيّة تأتي من خارج حدودها ومن دول غير عربية لديها أطماع في المياه العربية، بخاصة إثيوبيا وتركيا وإيران، بالإضافة إلى بعض الصّراعات الداخلية بين الجزائر والمغرب، وما ستخلقه تقنيات استمطار السّحاب القادمة قريبًا بين الدول العربية التي تعتمد على الأمطار في الزّراعة وحصاد الأمطار لاستخدامها كمياه شرب واستهلاك منزلي وصناعي.
فلسفة تحلية مياه البحار والمحيطات هي الحفاظ على حياة البشر وليس إحداث تنمية
ويمكن تخيّل وجود سحب تتجه مثلًا من دولة المغرب للهطول في الجزائر وتونس وأنّ دولة المغرب قامت باستمطار هذه السحب داخل أراضيها لاحتياجها للمياه بحقنها سواء بغاز ثاني أوكسيد الكربون الثلجي أو بمادة يوديد الفضة حتّى تُحْدِثَ انخفاضًا كبيرًا في درجة حرارتها يُحدث بها صدمة تؤدّي إلى هطول ما تحمله من بخار الماء، فهذا الأمر يعني حدوث جفاف في كلّ من الجزائر وتونس والتي تعتمد على الزّراعة المطرية وحصاد مياه الأمطار.
وتعاني 19 دولة عربية، من إجمالي 22 دولة، من النُّدرة المائية سواء الندرة الحادة أيّ يقل فيها نصيب الفرد من المياه عن 500 متر مكعب في العام في جميع الأغراض من زراعة واستهلاك منزلي وصناعة وتوليد كهرباء وحفاظ على البيئة، أو النّدرة المتوسطة والتي يكون فيها نصيب الفرد أعلى من 500 متر وأقلّ من ألف متر مكعب سنويًا. ويصل نصيب الفرد في بعض دول الخليج من المياه الطبيعية المتجدّدة إلى الصّفر مثل دولة الكويت والتي تعتمد تمامًا على تحلية مياه الخليج. وعلى الرَّغم من ذلك فإنّ استهلاك الفرد في دولة الكويت من المياه العذبة هو الأعلى في العالم ويماثل مثيلاته في دول الوفرة المائية في العالم وهي البرازيل وروسيا وأميركا والصين وإندونيسيا وكندا على التوالي حيث يحتوي نهر الأمازون في البرازيل بتدفّقات 5550 مليار مترٍ مكعبٍ في السنة على 20% من إجمالي مياه أنهار العالم، وتحتوي كندا أيضًا ببحيراتها العذبة على 20% من مياه بحيرات العالم!.
النّدرة المائية العربية تسبّبت في ندرة وتبعية غذائية
وعلى الرَّغم من أن فلسفة تحلية مياه البحار والمحيطات هي الحفاظ على حياة البشر وليس إحداث تنميةٍ نظرًا لارتفاع تكلفة إعذاب المياه بهذه التقنية والتي تتجاوز نصف دولار لإنتاج المتر المكعب من المياه واحتياجها لمصدر كهربائي رخيص ومستديم حيث تمثّل الكهرباء نحو 44% من تكاليف الإنتاج بالإضافة إلى صعوبة التخلّص من مخلّفات التحلية من أملاح البحر بما تحتويه من فلزات ثقيلة وأحيانًا موادّ مشعّة ينبغي دفنها في مقابر مخلّفات عميقة ولا يجوز إعادتها إلى البحر ثانيةً لما لها من أضرارٍ بيئيةٍ على الحياة البحرية والتلوّث، إلّا أنّ الحاجة إلى هذا المصدر من دون وجود مصدرٍ بديلٍ له أدّى إلى استخدامه في قطاعات الصناعة وإنتاج الطاقة.
عمومًا لا تتجاوز كمّيات مياه التحلية المنتَجة في العالم 30 مليار متر مكعب في العام من إجمالي 3300 مليار متر مكعب يستهلكها العالم حاليًا من المياه العذبة. وتتربّع المملكة العربية السعودية على قمة إنتاج المياه المحلّاة بنحو 7 مليارات متر مكعّب سنويًا تليها أميركا في الولايات الجافّة الصحراوية بنحو 6.5 مليارات متر مكعب سنويًا، ثم دولة الإمارات العربية المتحدة بنحو 5 مليارات متر مكعب سنويًا، ثم إسبانيا والكويت واليابان وليبيا وكوريا وقطر. وهنا يمكن ملاحظة أنّ جميع هذه الدول إمّا من الدول القوية اقتصاديًا أو كونها بلدانًا بترولية أو تجمع بين الإثنين معًا، ممّا يعني أنّ تقنيات تحلية مياه البحر هي تقنيات للدول الثرية والمتقدّمة فقط وليست للدول النامية والفقيرة.
النّدرة المائية العربية تسبّبت في ندرة غذائية، بل وتبعية غذائية لاعتمادها على استيراد الغذاء والذي يُعدّ في الحقيقة استيرادًا للمياه حيث لا تمتلك أغلب الدول العربية المياه اللازمة لإنتاج الغذاء وبعضها أيضًا لا يمتلك التُّربة الزراعية اللازمة للزراعة، بالإضافة إلى كون الزراعة لإنتاج الغذاء هي المستهلك الأكبر للمياه في العالم بنسب تتراوح ما بين 83 و90% من إجمالي الموارد المائية في البلدان العربية مقارنةً بالمتوسط العالمي 70% فقط ومتوسط الدول المتقدّمة 30% فقط. وعمومًا تستورد الدول العربية غذاءً من الخارج بنسبة 65% من احتياجاتها الغذائية كلّفها في العام الماضي نحو 90 مليار دولار (بخلاف التقلّبات السعرية بسبب الأزمات ومضاربات البورصة)، واستغلّ الأمر كل من روسيا وأوكرانيا في حربهما الحالية بالتهديد بعدم تصدير القمح وزيوت الطعام والشعير والذرة إلا للدول الصديقة التي تقف مع أي منهما، كما سبق أن هدّد الرئيس الأميركي مصر في ستينيّات القرن الماضي بقطع القمح عنها.
أطماع تركيا وإيران أدّت إلى تراجع المياه في سوريا والعراق وبالمثل يُهدد سدّ إثيوبيا الأمن المائي المصري
وأخيرًا، نشير إلى أنّ أطماع تركيا وإيران في المياه العذْبة للأنهار التي تنبع منهما وتصب في العراق وسوريا والأردن أدّت إلى تراجع المياه في سوريا بنحو 25 مليار متر مكعب ومثلها أيضًا في العراق بما أدّى إلى تحوّل سوريا من دولة مصدّرة للقمح عام 2005 إلى دولة مستوردة ومتلقّية للمعونات حاليًا، وبالمثل لا يجد العراق حاليًا مياهًا لريّ أراضيه الزراعية كافّة. وبالمثل أيضًا تعاني مصر من إنشاء إثيوبيا لسدٍّ ضخمٍ بسعة تخزين 75 مليار متر مكعب سنويًا يهدّد الأمن المائي المصري خصوصًا في السنوات العجاف ضعيفة الفيضانات من دون تعهد إثيوبيا بضمان حدٍّ أدنى من المياه تخرج من السدّ إلى كلّ من السودان ومصر.
(خاص "عروبة 22")