تتوالى الضربات الإسرائيلية لـ"حزب الله" مستهدفة عناصره القيادية وبيئته ولبنان أيضاً. عدوان شبه يومي على قرى ومواقع تمتد من الجنوب إلى البقاع، ووصلت أخيراً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في تطور خطير يحمل دلالات ومؤشرات مستقبلية مقلقة، على مستوى لبنان ككل وعلى مستوى الحزب وبيئته خصوصاً.
يبدو الحزب كأن لا حول له ولا قوة إزاء تصاعد الغارات الإسرائيلية وتمددها، فلا يرد متسلحاً بالتزام إتفاق وقف النار. ميزان القوى يفرض نفسه، والحزب الذي لطالما تباهى بقوته العسكرية ومئات آلاف الصواريخ والمسيرات التي في حوزته، يبدو منكفئاً إلى وضعه الداخلي ومعالجة آثار دمار الحرب، بعدما تيقن من أن أي حرب حالياً ستكون خاسرة في ظل الإختلال الكبير في موازين القوى.
رغم الخطاب العالي النبرة لبعض قياديي الحزب، تعكس مواقف الأمين العام الشيخ نعيم قاسم واقعية في التعاطي مع المرحلة وظروفها. لن يذهب الحزب إلى معركة إنتحارية تريدها إسرائيل وتستفزه كل يوم لجره إليها، فهو لم يعد قادراً على مواجهة واسعة بعد الضربات الموجعة التي تلقاها، وفي طليعتها مقتل كل قياداته الأساسية، السياسية والميدانية، ومازال يلملم جروحه ويسعى إلى ملء الفراغات الكبيرة، ولاسيما منها الفراغ الذي سببه مقتل أمينه العام حسن نصرالله.
الوضع في لبنان والمنطقة يطوق الحزب الذي بات بلا امتداد خارجي عبر سوريا، وحتى بلا إمداد مالي من إيران وغيرها بفعل التضييق الاميركي المتواصل على مصادر تمويله وعلى طرق الإمداد، عاد الحزب إلى القوقعة اللبنانية قوة مثل بقية القوى السياسية، له تمثيله الشعبي والنيابي والحكومي بالحجم الذي يعطيه إياه الدستور اللبناني الذي يحدد حصص الطوائف في نظام تقاسم للمغانم والمسؤوليات، وإن كان بعض أركانه لايزالون يرفضون تقبل الواقع الجديد.
لبنان تفصيل بسيط في سياسات العالم حالياً، هذا العالم الذي يقوده دونالد ترامب من البيت الأبيض مع ثلة من المستشارين الذين ينتمون إلى تيار فكري لا يقيم وزناً لأحد خارج المصالح الأميركية أولاً ثم الإسرائيلية ثانياً. يريد ترامب إخضاع العالم بالقوة، القوة العسكرية والقوة الاقتصادية، ليس صحيحاً تماماً أنه ضد الحروب، الأصح أنه ضد إطالة أمد الحروب. هو ليس ضد الحرب على لبنان وغزة، على العكس تماماً، هو يريد استخدام أقصى قوة لإنهاء الحرب بسرعة مهما بلغت أعداد ضحاياها ومهما بلغ حجم دمارها وكوارثها الإنسانية.
هذا واقع يدركه الحزب، وهذا الإدراك قد يكون سبب مأزقه حالياً، فهو ضمناً يعترف بالواقع القائم لكنه لا يستطيع إعلان ذلك. يعرف أن الناس تعرف هذا الواقع تماماً وأن لا قدرة له على مقاومة تيار جارف يجرف دولاً كبرى ويهدد قوى كانت حتى الأمس عظمى، ربما كان على الحزب أن يصارح الشعب اللبناني وبيئته خصوصاً بحقائق الوضع المعقد حالياً، وهذا ليس انكساراً، يكفيه انه جاهد وقاتل حتى آخر نفس وقدم قيادته كلها تقريباً من أجل قضية آمن بها.
يعود "حزب الله" إلى الدولة، الدولة التي اعتبر منذ نشأته عام 1982أنها غير مؤهلة سياسياً وغير قادرة عسكرياً على تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة ومقارعة إسرائيل، فتنكب المسؤولية حتى التحرير عام 2000 لينخرط كلياً في الحياة السياسية اللبنانية بكل دهاليزها وصفقاتها، مواصلاً في الوقت نفسه تعزيز قوته العسكرية التي فاجأت إسرائيل في عدوان تموز/ يوليو 2006 لتفتح عينيها على ترسانته وأسلحته فتبدأ إعداد العدة للحرب الأخيرة التي آلت إلى ما آلت إليه وبات معروفاً للقاصي والداني.
يحمل الحزب الدولة اللبنانية مسؤولية التصدي للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة معلناً وقوفه وراءها، كلام يكرره قياديوه حتى أصبح لازمة، بحدة أحياناً وبديبلوماسية أحياناً أخرى، لكن خطباء الحزب يعرفون منذ 43 سنة أن الدولة غير قادرة على الرد عسكرياً، ولأسباب ليست خافية على أحد.
يواجه الحزب ظروفاً معقدة داخلياً وخارجياً، التكيف والاعتراف يتطلبان وقتاً، وخصوم السياسة في الداخل يستشرسون في معركتهم ضده لإحراجه وإضعافه، قد ينجحون في النيل منه سياسياً في بعض المواقع، لكنهم لن ينجحوا في النيل من شعبيته في أوساط الطائفة الشيعية التي لن تتركه لقمة سائغة للآخرين لأنها مازالت تعتبره حاميها وحامي مصالحها ورمز قوتها في مواجهة الآخرين، هو والقطب الثاني في الثنائي الشيعي رئيس مجلس النواب وحركة "أمل" نبيه بري.
يحمل "حزب الله"الدولة التي قامت كل نظريته على أساس أنها عاجزة عن القتال والتحرير مسؤولية مهمة يعرف تماماً انها مازالت عاجزة عنها وأن الظروف الإقليمية والدولية أكثر سوءاً مما كانت عليه خلال الأربعين سنة الماضية. انه مأزق الحزب والدولة وكل الطبقة السياسية اللبنانية، وحتى أولئك الذين يظنون أن الحزب هزم نهائياً.
(النهار اللبنانية)