لَقَدْ سادَ اعْتِقادٌ طَويلٌ بَعْدَ نِهايَةِ الحَرْبِ الْبارِدَةِ بِأَنَّ الاعْتِمادَ الاقْتِصادِيَّ المُتَبادَلَ وَالمُؤَسَّساتِ الدَّوْليَّةَ كَفيلَةٌ بِحِفْظِ السِّلْم، لَكِنَّ المَدافِعَ الَّتي تَدُقُّ الآنَ في أَكْثَرَ مِنْ قارَّةٍ تُعْلِنُ بِوُضوحٍ عَوْدَةَ "المَدْرَسَةِ الواقِعِيّةِ" لِتَتَصَدَّرَ المَشْهَد، مُؤَكِّدَةً أَنَّ القُوَّةَ الخَشِنَةَ لا تَزالُ هِيَ العُمْلَةَ الأَهَمَّ وَالأَكْثَرَ حَسْمًا في التَّفاعُلاتِ بَيْنَ الدُّوَل.
تَنْطَلِقُ المَدْرَسَةُ الواقِعِيَّةُ مِنْ فَرَضِيَّةٍ أَساسِيَّةٍ تَرى أَنَّ النِّظامَ الدَّوْلِيَّ هُوَ نِظامٌ فَوْضَوِيٌّ بِطَبيعَتِه، يَفْتَقِرُ إِلى سُلْطَةٍ عُلْيا قادِرَةٍ عَلى فَرْضِ القانونِ أَوْ حِمايَةِ الضُّعَفاء. في هِذا السِّياق، تُصْبِحُ مَصْلَحَةُ الدَّوْلَةِ وَبَقاؤُها هُما الْمُحَرِّكَ الأَساسِيُّ لِأَيِّ تَحَرُّك، وَتُصْبِحُ الْقُوَّةُ الْمادِّيَّةُ هِيَ الضّامِنَ الوَحيدَ لِهَذا البَقاء.
نحن بحاجة إِلى باحثين شبان قادرين على إنتاج معرفة تضع أسُسًا لتحوُّل المنطقة إلى كتلة جيوسياسية مُتماسكة
لِسَنَواتٍ عَديدَة، انْشَغَلَتِ الأَدَبِيّاتُ السِّياسِيَّةُ في مَنْطِقَتِنا بِالحَديثِ عَنِ القُوَّةِ النّاعِمَةِ وَالدّيبْلوماسِيَّةِ الْعامَّة، وَهِيَ أَدَواتٌ لا يُمْكِنُ إِنْكارُ أَهَمِّيَّتِها، غَيْرَ أَنَّ اللَّحْظَةَ التّاريخِيَّةَ الْحالِيَّةَ تُثْبِتُ أَنَّ هَذِهِ الأَدَواتِ تَفْقِدُ الكَثيرَ مِنْ وَزْنِها إِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْنَدَةً بِقُوَّةٍ صَلْبَةٍ تَحْميها.
القانونُ الدَّوْلِيّ، كَما نَرى جَلِيًّا، يَقِفُ عاجِزًا وَمُقَيَّدًا أَمامَ لُغَةِ الْمَصالِحِ وَتَوازُنِ القُوى، مِمّا يُحَتِّمُ عَلَيْنا في العالَمِ العَرَبِيِّ أَنْ نَقْرَأَ هَذِهِ التَّحوُّلاتِ بِعَيْنٍ فاحِصَةٍ تَتَجاوَزُ التَّنْظيرَ الأَكاديمِيَّ المُجَرَّدَ لِتُلامِسَ واقِعَنا المُعاشَ وَتَحَدِّياتِهِ الوُجودِيَّة. وَعِنْدَ إِسْقاطِ هَذا الفَهْمِ عَلى حَقْلِ "دِراساتِ المَناطِق"، نَجِدُ أَنَّ مِنْطَقَةَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ كانَتْ وَلا تَزالُ السّاحَةَ الأَبْرَزَ لاخْتِبارِ هَذِهِ التَّحوُّلاتِ الجِيوسِياسِيَّة.
تاريخِيًّا، تَعامَلَتْ مَراكِزُ الأَبْحاثِ الغَرْبِيَّةُ مَعَ مِنْطَقَتِنا بِاعْتِبارِها بُؤْرَةً لِلأَزْمات، أَوْ مُجَرَّدَ حَقْلِ تَجارِب لِلنُّفوذِ الدَّوْلِيّ، مَحْصورَةً في قَوالِبَ أَمْنِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ تَخْدِمُ مَصالِحَ القُوى الكُبْرى. لَكِنْ اليَوْم، وَنَحْنُ نُحاوِلُ اسْتِشْرافَ المُسْتَقْبَل، لا يَنْبَغي أَنْ نَقْبَلَ بِوَضْعِيَّةِ المَفْعولِ بِهِ في هَذِهِ المُعادَلَة.
العالَمُ العَرَبِيُّ يَمْتَلِكُ مِنَ المُقَوِّماتِ الجُغْرافِيَّةِ وَالدّيموغْرافِيَّةِ ما يُؤَهِّلُهُ لِيَكونَ رَقْمًا صَعْبًا، شَريطَةَ أَنْ يَتِمَّ تَفْكيكُ هَذِهِ السَّرْدِيّاتِ الغَرْبِيَّةِ وَإِعادَةُ بِناءِ "دِراساتِ المَناطِقِ" بِعُيونٍ عَرَبِيَّة. نَحْنُ بِحاجَةٍ إِلى جيلٍ مِنَ الْباحِثينَ الشُّبّانِ الْقادِرينَ عَلى إِنْتاجِ مَعْرِفَةٍ نابِعَةٍ مِنَ الدّاخِل، مَعْرِفَةٍ لا تَكْتَفي بِوَصْفِ الصِّراعات، بَلْ تَضَعُ أُسُسًا نَظَرِيَّةً وَعَمَلِيَّةً لِكَيْفِيَّةِ تَحَوُّلِ المِنْطَقَةِ مِنْ ساحَةٍ لِلصِّراعِ إِلى كُتْلَةٍ جِيوسِياسِيَّةٍ مُتَماسِكَة.
دمج الشباب في صلب استراتيجيات الأمن القومي يعني تحويل طاقاتهم الابتكارية إلى دروع تكنولوجية واقتصادية
هُنا يَبْرُزُ تَساؤُلٌ جَوْهَرِيٌّ حَوْلَ مَوْقِعِ الثَّقافَةِ وَالسِّياسَةِ في هَذا الخِضَمّ، وَجَدْوى التَّعاوُنِ العَرَبِيِّ في ظِلِّ هَذِهِ الفَوْضى العالَمِيَّة.
لا شَكَّ أَنَّ الرَّوابِطَ الثَّقافِيَّةَ العَرَبِيَّة، بِما تَحْمِلُهُ مِنْ لُغَةٍ مُشْتَرَكَةٍ وَتاريخٍ مُمْتَدٍّ وَقِيَمٍ اجْتِماعيَّةٍ مُتَقارِبَة، تُشَكِّلُ أَساسًا مَتينًا لِأَيِّ مَشْروعٍ نَهْضَوِيّ. كَما أَنَّ التَّنْسيقَ السِّياسِيَّ بَيْنَ الْعَواصِمِ العَرَبِيَّةِ يَظَلُّ مَطْلَبًا حَيَوِيًّا لا غِنى عَنْه. لَكِنَّ القِراءَةَ الْواقِعِيَّةَ تُخْبِرُنا، وَبِشَكْلٍ قاطِع، أَنَّ كُلَّ هَذا الرَّصيدِ الثَّقافِيِّ وَالسِّياسِيِّ سَيَظَلُّ هَشًّا وَعُرْضَةً لِلاخْتِراقِ ما لَمْ يَتِمَّ تَسْييجُهُ بِإِطارٍ أَمْنِيٍّ عَرَبيٍّ صَلْبٍ وَمُتَماسِك. الثَّقافَةُ وَحْدَها، مَهْما بَلَغَتْ دَرَجَةُ رُقِيِّها وَانْتِشارِها، لا تَسْتَطيعُ أَنْ تَصُدَّ هُجومًا عَسْكَرِيًّا أَوْ تَمْنَعَ تَدَخُّلًا أَجْنَبِيًّا يَسْعى لِتَفْكيكِ بُنْيَةِ الدَّوْلَة. وَالقَراراتُ السِّياسِيَّة، مَهْما كانَتْ بَلاغَتُها، تَفْقِدُ تَأْثيرَها إِنْ لَمْ تَدْعَمْها قُدُراتُ رَدْعٍ حَقيقِيَّة. الإِطارُ الأَمْنِيُّ المُوَحَّدُ أَوِ المُنَسَّقُ لَيْسَ تَرَفًا دِفاعِيًّا، بَلْ هُوَ الْحاضِنَةُ الأَساسِيَّةُ الَّتي تَضْمَنُ لِلثَّقافَةِ أَنْ تَزْدَهِرَ وَلِلسِّياسَةِ أَنْ تُحْتَرَم.
وَلَعَلَّ المَفْهومَ التَّقْليدِيَّ لِلإِطارِ الأَمْنِيِّ نَفْسِهِ يَحْتاجُ إِلى تَحْديثٍ جَذْرِيٍّ لِيَتَناسَبَ مَعَ طَبيعَةِ التَّهْديداتِ المُعاصِرَة. القُوَّةُ الخَشِنَةُ اليَوْمَ لَمْ تَعُدْ مُقْتَصِرَةً عَلى حَشْدِ الجُيوشِ النِّظامِيَّةِ وَتَكْديسِ الأَسْلِحَةِ التَّقْليدِيَّة، بَلِ امْتَدَّتْ لِتَشْمَلَ حُروبًا غَيْرَ تَقْليدِيَّة، وَالسِّيادَةَ السّيبرانيَّة، وَتَأْمينَ سَلاسِلِ الإِمْداد، وَالتَّفَوُّقَ في تِقْنِيّاتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ. هَذا التَّحوُّلُ النَّوْعِيُّ في أَدَواتِ القُوَّةِ هُوَ بِالضَّبْطِ ما يَرْبِطُ بَيْنَ حَتْمِيَّةِ الأَمْنِ وَبَيْنَ اسْتِشْرافِ مُسْتَقْبَلِ الأَجْيالِ الشّابَّة. الشَّبابُ العَرَبِيّ، الَّذي يُمَثِّلُ الكُتْلَةَ الدّيموغْرافِيَّةَ الأَكْبَرَ وَالأَكْثَرَ دِرايَةً بِالتِّكْنولوجْيا، هُوَ خَطُّ الدِّفاعِ الأَوَّلُ في هَذا الإِطارِ الأَمْنِيِّ الجَديد. إِنَّ دَمْجَ هَؤلاءِ الشَّبابِ في صُلْبِ اسْتراتيجِيّاتِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ وَالإِقْليمِيِّ لا يَعْني عَسْكَرَتَهُم، بَلْ يَعْني تَحْويلَ طاقاتِهِم الابْتِكارِيَّةِ إِلى دُروعٍ تِكْنولوجِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلى حِمايَةِ اسْتِقْلالِيَّةِ القَرارِ العَرَبِيّ.
النظام الدولي الجاري تشكيله الآن لا يعترف بالضّعفاء
إِنَّ التَّحَدِّيَ الأَكْبَرَ المُلْقى عَلى عاتِقِ النُّخَبِ الأَكاديمِيَّةِ وَصُنّاعِ القَرارِ اليَوْم، هُوَ صِياغَةُ وَعْيٍ جَديدٍ لَدى هَذِهِ الأَجْيال، وَعْيٍ يَتَجاوَزُ صَدْمَةَ الحُروبِ المُتَتالِيَةِ وَيَسْتَخْلِصُ مِنْها الدُّروسَ الصَّحيحَة. يَجِبُ أَنْ نَغْرِسَ في عُقولِ الشَّبابِ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالهُوِيَّةِ العَرَبِيَّةِ لا يَتَناقَضُ أَبَدًا مَعَ السَّعْيِ لِامْتِلاكِ أَدَواتِ القُوَّةِ الشّامِلَةِ بِمَفْهومِها الحَديث. يَجِبُ أَنْ يُدْرِكَ الشّابُّ العَرَبِيُّ أَنَّ مُسْتَقْبَلَهُ الآمِنَ لَنْ يَتَحَقَّقَ بِانْتِظارِ عَدالَةِ المُؤَسَّساتِ الدَّوْليَّة، بَلْ بِالعَمَلِ الدَّؤوبِ في مَعامِلِ التِّكْنولوجْيا، وَتَطْويرِ النُّظُمِ الدِّفاعِيَّةِ المُتَقَدِّمَة، وَبِناءِ اقْتِصاداتٍ إِنْتاجِيَّةٍ مُكْتَفِيَةٍ ذاتِيًّا. هَذا الوَعْيُ الواقِعِيُّ سَيَجْعَلُهُمْ أَكْثَرَ قُدْرَة عَلى قِراءَةِ خَرائِطِ النُّفوذِ وَالتَّعامُلِ مَعَ العالَمِ بِمَنْطِقِ النِّدِّيَّةِ وَالمَصالِحِ المُتَكافِئَة، مُتَجاوِزينَ حالَةَ الاسْتِلابِ الفِكْرِيِّ الَّتي تَفْرِضُها المَرْكَزِيَّةُ الغَرْبِيَّة.
خِتامًا، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ النِّظامَ الدَّوْلِيَّ الْجاري تَشْكيلُهُ الآنَ لا يَعْتَرِفُ بِالضُّعَفاءِ وَلا يَرْحَمُ المُتَخَلِّفينَ عَنْ رَكْبِ القُوَّة. الهُوِيَّةُ الثَّقافِيَّةُ العَرَبِيَّةُ الأَصيلَةُ تُمَثِّلُ الرُّوحَ وَالدّافِع، وَتَعْمَلُ كَحائِطِ صَدٍّ يَمْنَعُ الانْهِيَارَ الدّاخِلِيَّ وَقْتَ الأَزْمات، لَكِنَّها تَظَلُّ بِحاجَةٍ ماسَّةٍ إِلى جَسَدٍ صَلْبٍ يَحْميها. إِعادَةُ تَعْريفِ الحُضورِ العَرَبِيِّ تَتَطَلَّبُ الخُروجَ مِنْ دائِرَةِ رَدِّ الفِعْلِ وَالانْتِقالَ نَحْوَ بِناءِ مُقَوِّماتِ القُوَّةِ بِمَفْهومِها الواقِعِيِّ الصّارِم. إِنَّ مُسْتَقْبَلَ مِنْطَقَتِنا مَرْهونٌ بِقُدْرَةِ أَجْيالِها الجَديدَةِ عَلى المَزْجِ بِبَراعَةٍ بَيْنَ عُمْقِهِمُ الثَّقافِيِّ الأَصيل، وَبَيْنَ وَعْيِهِمُ العَميقِ بِحَتْمِيَّةِ الإِطارِ الأَمْنِيِّ وَقَواعِدِ اللُّعْبَةِ الخَشِنَةِ الَّتي تَحْكُمُ عالَمَنا المُعاصِر، لِيَصْنَعوا دِرْعًا يَحْمي وُجودَهُم، وَيَضْمَنَ لَهُمْ مَقْعَدًا لائِقًا عَلى طاوِلَةِ الكِبار.
(خاص "عروبة 22")

