إِنَّ ما جَرى في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ على مَدى قَرْنٍ مِن الزَّمان، وَلا يَزالُ يَجري، مِن صِراعٍ حَوْلَهُ وَتَناحُرٍ فيه، لا يُمْكِنُ فَهمُهُ مِن خِلالِ مُقارَباتٍ اختِزالِيَّةٍ تُحيلُ ما جَرى/يَجْري إلى عامِلٍ واحِد، سَواءٌ كانَ خارِجِيًّا أَو داخِلِيًّا. فَعلى مَدى أَكْثَرَ مِن عَشَرَةِ عُقودٍ لَم يَهْنَأْ الإِقْليمُ "بِهُدوءٍ نِسْبِيٍّ" قَط، إِذ كانَ دائِمَ التَّعَرُّضِ لِفِعْلَيْنِ مُتَقاطِعَيْنِ وَمُتَزامِنَيْنِ هُما: الإِكْراهُ مِن قِبَلِ القُوى الكُبْرى، والغَلَبَةُ الدّاخِلِيَّةُ مِن قِبَلِ التَّكْويناتِ الإِثْنِيَّةِ والطَّبَقِيَّة.
يَعودُ فِعْلُ الإِكْراهِ إلى الطَّبيعَةِ التي تَشَكَّلَ بِها إِقْليمُ الشَّرْقِ الأَوْسَط. فَقَد تَشَكَّلَ الإِقْليمُ على قاعِدَةِ ما أَطْلَقْنا عَلَيْه: التَّقسيمُ والتَّقاسُم؛ التَّقسيمُ الجِيوــسِياسِيِّ بَيْنَ القُوى الاسْتِعْمارِيَّةِ مِن أَجلِ تَيسيرِ التَّقاسُمِ الجِيوــاقتِصادِيِّ بَيْنَها. وَلَم تَحُلْ مَرْحَلَةُ ما بَعْدَ الاسْتِقلالِ دونَ استِمْرارِ عَمَلِيَّةِ الإِكْراه، فَالإِكْراهُ القَسْرِيُّ المادِّيُّ المُباشِرُ في المَرْحَلَةِ الاستِعْمارِيَّةِ حَلَّ مَحلَّهُ إِكْراهاتٌ مِن نَوْعٍ آخَرَ عَبْرَ التَّبَعِيَّةِ والإِلْحاقِ والهَيْمَنَةِ الاقتِصادِيَّةِ وَإِشْعالِ الأَزَمات.
الخارج يعتمد على صراعات الداخل لتعظيم هيمنته والقوى المُتغلّبة تسعى إلى دعم خارجي للحفاظ على مغانمها
وَنَظَرًا لِعَدَمِ اسْتِكْمالِ مُقَوِّماتِ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ التي كانَ مِنَ المُفتَرَضِ تَشْييدُها بَعْدَ الاسْتِقلالِ لِتَحْقيقِ الانْدِماجِ الوَطَنِيِّ وَتَوْفيرِ المُواطَنَةِ التّامَّةِ لِلجَميعِ القائِمَةِ على العَدالَةِ والمُساواةِ بَيْنَ جَميعِ مُكَوِّناتِ المُجْتَمَعِ لِتِلْكَ الدُّوَل، انفَجَرَتِ الصِّراعاتُ والنِّزاعاتُ بَينَ الإِثْنِيّاتِ المُخْتَلِفَة - بِدَرَجاتٍ مُخْتَلِفَة - ما فَتَحَ الطَّريقَ لِإِقرارِ مَبْدَأ "الحُكْمِ لِمَنْ غَلَب"، إِذَا ما استَعَرْنا التَّعبيرَ التّاريخِيَّ الشَّهير، فَتَأَجَّلَ إِقْرارُ مَبْدَأ المُواطَنَةِ في الكَثيرِ مِنَ الحالاتِ إلى أَجَلٍ غَيرِ مُسَمّى، على الرَّغمِ مِن إِقرارِهِ في الكَثيرِ مِنَ الدَّساتير.
وَبِالأَخير، يَتَواصَلُ الفِعْلان؛ فِعْلُ الإِكْراهِ الذي تَفرِضُهُ قُوى الخارِجِ مَعَ فِعْلِ الغَلَبَةِ الذي يَحكُمُ الصِّراعاتِ بَينَ قُوى الدّاخِل، وَذَلِكَ مِن خِلالِ اعتِمادِ قُوى الخارِجِ على صِراعاتِ الدّاخِلِ لِتَعظيمِ هَيْمَنَتِها، وَفي الوَقتِ نَفْسِهِ تَسعى القُوى المُتَغَلِّبَةُ إلى الدَّعْمِ الخارِجِيِّ لِلحِفاظِ على مَغانِمِها. وَنَتَجَ عَن هَذا التَّواصُلِ الجَدَلِيِّ الخَبيثِ بَيْنَ الإِكْراهِ والغَلَبَة؛ ما أَشرْنا إِلَيهِ بِمُتَلازِمَةِ الصِّراعِ حَوْلَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ مِن قِبَلِ القُوى المُخْتَلِفَةِ مِن جِهَة، والتَّناحُرِ بَينَ مُكَوِّناتِهِ في الدّاخِلِ مِن جِهَةٍ أُخْرى. وَقَد كانَ لِهَذِهِ المُتَلازِمَةِ الأَثَرُ الكَبيرُ في الانْتِقاصِ مِن سِيادَةِ الدَّوْلَةِ وَإِضْعافِ التَّماسُكِ المُجتَمَعِيّ.
الخُلاصَة، لا بُدَّ مِن إِدْراكِ أَنَّ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ التّاريخِيَّ قَد حَلَّ مَحلَّهُ "جِيوسِياسِيّاتٌ شَرقُ أَوسَطِيَّةٌ" مُتَعَدِّدَة، وَأَنَّ اليَوْمَ التّالي لِلحَرْبِ الدائِرَةِ سَوْفَ يَأْتي في سِياقٍ مُغايِرٍ كُلِّيًّا يَحْمِلُ "تَشَظِّيًا جِيوسِياسِيًّا" وَتَحَوُّلَ الإِقْليمِ إلى أَقاليمَ مُتَعَدِّدَةٍ ذاتِ تَشَكُّلاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَوَلاءاتٍ مُتَغَيِّرَةٍ وَخُطوطٍ حُدودِيَّةٍ جَديدَةٍ بَعْضُها مُسْتَقطَعٌ وَبَعضُها يَحْمِلُ أَلْوانًا صَفْراءَ وَحَمْراءَ وَأَراضٍ مَحْروقَةً وَمَمَرّاتٍ اقتِصادِيَّةً بَرِّيَّةً وَبَحْرِيَّةً مُستَجِدَّةً تَعْكِسُ إِكْراهاتِ الخارِجِ الدَّوْلِيَّة، وَ"مُغالَباتِ" الدّاخِل.
يجب وقف حلقة المُغالبات الداخلية والإكراهات الخارجية
وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ ما سَتَؤولُ إِلَيْهِ الجُغْرافْيا الاقتِصادِيَّةُ - السِّياسِيَّةُ لِلإِقْليمِ وِفْقَ "سايكْس - بيكو"، قَبْلَ نَحْوَ مِئَةٍ وَسِتِّ عَشْرَةَ سَنَة، سَوْفَ تَشْهَدُ تَحَوُّلًا جَذْرِيًّا، لَيسَ فَقَط، لِاسْتيعابِ اللّاعِبينَ الجُدُدِ في الفَضاءِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِيّ، بَلْ أَيْضًا لِتَعَدُّدِ مَجالاتِ التَّنافُسِ بَينَ الدُّوَلِ وَمِن خَلْفِها "الكارْتيلات" (Cartels)، أَوِ التَّكْتُّلاتِ الاحْتِكارِيَّةِ العابِرَةِ لِلحُدودِ في مَجالات: النَّفْطِ والغاز، والثَّرَواتِ المَعْدَنِيَّة / الأَحْجارِ الكَريمَة، والأَسْمِدَة، والطّاقَةِ المُتَجَدِّدَة، والهيدْروكَرْبونات. كَذَلِكَ السَّيطَرَةُ على المَمَرّاتِ المائِيَّة، والتَّحَكُّمُ في سَلاسِلِ الإِمْداد، والاستِفادَةُ مِنَ الدُّوَلِ ذاتِ الكَثافَةِ السُّكّانِيَّةِ كَأَسْواقٍ لِتَصْريفِ المُنْتَجات، وَضَمانُ حُضورِ كُلِّ اللّاعِبينَ في المَواقِعِ الاسْتْراتيجِيَّةِ مِن مَطَلّاتٍ بَحْرِيَّةٍ وَمَمَرّاتٍ حَيَوِيَّةٍ مائِيَّةٍ وَبَرِّيَّة، وَحِصار/احتِواء/إِعادَةِ تَأْهيلِ النَّزَعاتِ الرّاديكالِيَّةِ الوَطَنِيَّة، على اخْتِلافِها، التي تَسعى لِلتَّحَرُّرِ مِن ثُنائِيَّةِ الإِكْراهِ - الغَلَبَةِ وَما نَجَمَ عَنْها مِن صِراعٍ - تَناحُر، مِن أَجْلِ الاسْتِقلالِ والشَّراكَةِ على قاعِدَةِ المُواطَنَة، مِمّا يَسْتَلْزِمُ وَقْفَةً تاريخِيَّةً توقِفُ تِلْكَ الحَلْقَةَ الخَبيثَةَ بَيْنَ "المُغالَباتِ" الدّاخِلِيَّةِ وَما أَنتَجَتْهُ مِن اختِلالاتٍ عَميقَةٍ في البُنى المُجتَمَعِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ وَبَيْنَ الإِكْراهاتِ الخارِجِيَّةِ مِن أَجلِ تَأْمينِ أَطْماعِها. وَقْفَةٌ تَعْمَلُ على صِياغَةِ دَوْلَةٍ وَطَنِيَّةٍ قادِرَةٍ على إِدارَةِ تَنَوُّعِها وَمُقَدَّراتِها بِعَدالَةٍ وَمُساواةٍ وِفْقَ مَرْجِعِيَّةٍ دُسْتورِيَّةٍ تَوافُقِيَّةٍ لا بِحَسَبِ شَرْعِيَّةٍ قَسْرِيَّةٍ تَقومُ على الغَلَبَة، كَذَلِكَ بِاسْتِقلالِيَّةٍ تَحولُ دونَ الإِكْراهِ الخارِجِيِّ وَتَمْنَعُ التَّدَخُّلاتِ التي تُوَفِّرُ بيئَةً صِراعِيَّة.
وَبَعد، إِنَّ ما أَظْهَرَتهُ الحَرْبُ الدائِرَةُ في الإِقْليمِ مِن انْكِشافاتٍ على جَميعِ الأَصْعِدَة، تَدْعو إلى تَفكيرٍ عَميقٍ وَعَمَلٍ دَؤوبٍ لِصِياغَةِ "وِسْتفالِيا" إِقْليمِيَّةٍ تَقومُ على الاسْتِقْلالِ والمُواطَنَة، إِذ مِن دونِ ذَلِكَ سَيَبقى الإِقْليم، حَسَبَ أَحَدِهِم، أَسيرًا لِدَوْراتِ إِكْراهٍ وَغَلَبَة، وَمِن ثَمَّ صِراعٍ وَإِلْحاق، وَتَفكيكٍ وَتَشَظٍّ وَتَناهُبٍ مُستَدامَةٍ وَمُزمِنَة.
(خاص "عروبة 22")

