في أَقَلَّ مِنْ عَقْدٍ مِنَ الزَّمَن، تَغَيَّرَتْ وَظيفَةُ الكَرْبونِ في الِاقْتِصادِ العالَمِيّ. ما كانَ يُعْتَبَرُ أَثَرًا جانِبِيًّا لِلنَّشاطِ الصِّناعِيّ، أَصْبَحَ اليَوْمَ مُدْخَلًا مالِيًّا قائِمًا بِذاتِه. بَدَلًا مِنَ الِاكْتِفاءِ بِتَنْظيمِ الِانْبِعاثاتِ أَوِ الحَدِّ مِنْها، تَتَّجِهُ الدُّوَلُ إلى تَسْعيرِها.
تُشيرُ بَياناتُ البَنْكِ الدَّوْلِيِّ إلى وُجودِ نَحْوِ 80 أَداةً لِتَسْعيرِ الكَرْبونِ حَوْلَ العالَم، تُغَطّي قُرابَةَ 28 في المِئَةِ مِنَ الِانْبِعاثاتِ العالَمِيَّة، وَقَدْ وَلَّدَتْ هَذِهِ الأَدَواتُ أَكْثَرَ مِنْ 100 مِلْيارِ دولارٍ مِنَ الإيراداتِ في عامِ 2024. هَذا التَّحَوُّلُ لا يَعْكِسُ فَقَطْ تَوَسُّعَ السِّياساتِ المُناخِيَّة، بَل يَكْشِفُ عَنْ نُشوءِ سوقٍ عالَمِيَّةٍ جَديدَة، لَمْ تَسْتَقِرَّ قَواعِدُها بَعْد.
التحوُّل الأوروبي نحو ربط التجارة بالبصمة الكربونية يجعل من الكربون عاملًا حاسمًا في النفاذ إلى الأسواق
تَسْتَنِدُ أَسْواقُ الكَرْبونِ إلى فِكْرَةٍ مُباشِرَة: تَحْويلُ كُلِّ طُنٍّ مِنَ الِانْبِعاثاتِ إلى وَحْدَةٍ قابِلَةٍ لِلتَّداوُل. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الفِكْرَةَ تَتَّخِذُ مَسارَيْنِ مُخْتَلِفَيْن: الأَوَّلُ هُوَ الأَسْواقُ المُنَظَّمَة، حَيْثُ تَفْرِضُ السُّلُطاتُ سَقْفًا لِلِانْبِعاثاتِ أَوْ سِعْرًا لَها، كَما في الِاتِّحادِ الأوروبِّيّ، الذي نَجَحَ في خَفْضِ انْبِعاثاتِ القِطاعاتِ المَشْمولَةِ بِنِظامِهِ إلى نَحْوِ نِصْفِ مُسْتَوَياتِ عامِ 2005. أَمّا المَسارُ الثّاني فَهُوَ الأَسْواقُ الطَّوْعِيَّة، التي تَقومُ على شِراءِ الشَّرِكاتِ أَرْصِدَةَ كَرْبونٍ لِتَعْويضِ انْبِعاثاتِها خارِجَ إِطارِ الإِلْزامِ القانونِيّ. وَبَيْنَما تَبْدو هَذِهِ الأَسْواقُ أَكْثَرَ مُرونَةً، إِلّا أَنَّها تُعاني مِنِ اخْتِلالاتٍ واضِحَة، أَبْرَزُها فائِضٌ في الأَرْصِدَةِ غَيْرِ المُسْتَخْدَمَةِ يَقْتَرِبُ مِنْ مِلْيارِ طُنٍّ مِنْ ثاني أُكْسيدِ الكَرْبون، ما يُضْعِفُ الثِّقَةَ في هَذِهِ السّوقِ وَيَحُدُّ مِنِ اسْتِقْرارِ الأَسْعار.
الدُّخولُ العَرَبِيُّ إلى هَذِهِ الأَسْواقِ لَمْ يَأْتِ مِنْ فَراغ. إلى جانِبِ الرَّغْبَةِ في جَذْبِ الِاسْتِثْماراتِ المُرْتَبِطَةِ بِالطّاقَةِ النَّظيفَة (التي تُشيرُ تَقْديراتُ وَكالَةِ الطّاقَةِ الدَّوْلِيَّةِ إلى أَنَّها سَتَبْلُغُ نَحْوَ 2.2 تْريلْيون دولارٍ في عامِ 2025 مِنْ ضِمْنِ الِاسْتِثْماراتِ في الطّاقَة) ثَمَّةَ ضَغْطٌ تِجارِيٌّ مُتَصاعِد. فالتَّحَوُّلُ الأوروبِّيُّ نَحْوَ رَبْطِ التَّجارَةِ بِالبَصْمَةِ الكَرْبونِيَّة، عَبْرَ "آلِيَّةِ تَعْديلِ حُدودِ الكَرْبون" (التي بَدَأَ تَطْبيقُها الإِلزامِيُّ في يَنايِر/كانونَ الثّاني 2026) يَجْعَلُ مِنَ الكَرْبونِ عامِلًا حاسِمًا في النَّفاذِ إلى الأَسْواق، لا مُجَرَّدَ مَسْأَلَةٍ بيئِيَّةٍ مَحَلِّيَّة.
في هَذا السِّياق، تَتَشَكَّلُ ثَلاثَةُ نَماذِجَ عَرَبِيَّةٍ مُخْتَلِفَة. في المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعودِيَّة، يَجْري بِناءُ سوقٍ طَوْعِيَّةٍ ذاتِ طابَعٍ إِقْليمِيٍّ، إِذْ شَهِدَتِ المَزاداتُ التي أُطْلِقَتْ خِلالَ السَّنَواتِ الأَخيرَةِ تَداوُلَ كَمِّياتٍ كَبيرَةٍ مِنْ أَرْصِدَةِ الكَرْبون، مِنْ بَيْنِها مَزادٌ تَجاوَزَ 2.5 مِلْيون طُنٍّ في إِحْدى جَوْلاتِه. في جُمْهورِيَّةِ مِصْرَ العَرَبِيَّة، اتَّخَذَتِ التَّجْرِبَةُ مَسارًا تَنْظيمِيًّا أَكْثَرَ وُضوحًا، مِنْ خِلالِ إِنْشاءِ سوقٍ طَوْعِيَّةٍ مُنَظَّمَةٍ تَحْتَ إِشْرافِ هَيْئَةِ الرَّقابَةِ المالِيَّة، تُقَدِّمُها الجِهاتُ الرَّسْمِيَّةُ بِاعْتِبارِها الأولى مِنْ نَوْعِها في أَفْريقْيا، وَقَدْ بَدَأَتْ فِعْلِيًّا تُسَجِّلُ مَشاريعَ وَتُنَفِّذُ صَفَقاتٍ على شَهاداتِ الكَرْبون. أَمّا في دَوْلَةِ الإِماراتِ العَرَبِيَّةِ المُتَّحِدَة، فَيُرَكِّزُ التَّوَجُّهُ على البُنْيَةِ القانونِيَّة، مَعَ إِصْدارِ إِطارٍ تَنْظيمِيٍّ في عامِ 2024 لِإِنْشاءِ سِجِلٍّ وَطَنِيٍّ لِاعْتِماداتِ الكَرْبونِ يَشْمَلُ الجِهاتِ التي تَتَجاوَزُ انْبِعاثاتُها نَحْوَ 500 أَلفِ طُنٍّ سَنَوِيًّا، وَيَرْبِطُ السّوقَ مُباشَرَةً بِمُتَطَلِّباتِ التِّجارَةِ الدَّوْلِيَّة.
الدول العربية لا تزال في مرحلة التموضع لا في مرحلة التسعير الإلزامي الشامل
على الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلافِ هَذِهِ المُقارَبات، إِلّا أَنَّها تَشْتَرِكُ في سِمَةٍ واحِدَة: بِناءُ السّوقِ قَبْلَ فَرْضِ الِالتِزام. أَيْ أَنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ لا تَزالُ في مَرْحَلَةِ التَّمَوْضُع، لا في مَرْحَلَةِ التَّسْعيرِ الإِلْزامِيِّ الشّامِل. وَهَذا يَمْنَحُها هامِشًا مِنَ المُرونَة، لَكِنَّهُ يَطْرَحُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ سُؤالًا عَنْ مَدى جاهِزِيَّتِها لِمُواجَهَةِ الضُّغوطِ الخارِجِيَّةِ المُتَسارِعَة.
الأَثَرُ الأَعْمَقُ لِأَسْواقِ الكَرْبونِ يَظْهَرُ في التَّصْنيع. في البِدايَة، قَدْ تَبْدو هَذِهِ الأَسْواقُ فُرْصَة، وَلا سِيَّما لِلشَّرِكاتِ الكُبْرى القادِرَةِ على الِاسْتِثْمارِ في خَفْضِ الِانْبِعاثاتِ أَوِ الِاسْتِفادَةِ مِنْ بَيْعِ الأَرْصِدَة. لَكِنْ مَعَ تَوَسُّعِ النِّظام، تَتَحَوَّلُ المُتَطَلِّباتُ إلى عِبْءٍ مُتَراكِمٍ: قِياسٌ دَقيقٌ لِلِانْبِعاثات، وَأَنْظِمَةُ تَحَقُّقٍ، وَتَقاريرُ دَوْرِيَّة، وَتَكَيُّفٌ مَعَ مَعاييرَ دَوْلِيَّةٍ مُتَغَيِّرَة. وَهَذِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَفاصيلَ تِقْنِيَّة، بَل تَكاليفُ حَقيقِيَّةٌ تُعيدُ تَشْكيلَ بُنْيَةِ الإِنْتاج.
المُشْكِلَةُ أَنَّ هَذِهِ التَّكاليفَ لا تَتَوَزَّعُ بِالتَّساوي. فالشَّرِكاتُ الكُبْرى تَمْتَلِكُ المَوارِدَ والخِبْراتِ اللّازِمَةَ لِلتَّكَيُّف، بَيْنَما تُواجِهُ الشَّرِكاتُ الصَّغيرَةُ والمُتَوَسِّطَةُ تَحَدِّياتٍ أَكْبَر، ما قَدْ يُؤَدّي إلى إِعادَةِ تَرْتيبِ المَشْهَدِ الصِّناعِيِّ لِمَصْلَحَةِ الشَّرِكاتِ الأَكْبَر. وَهُنا لا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ فَقَطْ بِالكَفاءَة، بَل أَيْضًا بِإِمْكانِيَّةِ الوُصولِ إلى أَدَواتِ الِامْتِثالِ نَفْسِها.
عودة الإيرادات إلى الاقتصاد أو استخدامها لسدّ العجز هو ما يُحدّد ما إذا كان التسعير أداة إصلاح أم مجرد مصدر دخل
السُّؤالُ الذي يَفْرِضُ نَفْسَهُ هُنا لَيْسَ إِنْ كانَتْ أَسْواقُ الكَرْبونِ جَيِّدَةً أَوْ سَيِّئَة، بَل: أَيَّ جِهَةٍ تَخْدُم؟ في أَفْضَلِ حالاتِها، يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى قَناةِ تَمْويلٍ فاعِلَةٍ لِمَشاريعِ الطّاقَةِ المُتَجَدِّدَة، وَكَفاءَةِ الطّاقَة، والبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ المُسْتَدامَة. لَكِنْ في أَسْوَأ حالاتِها، قَدْ تُصْبِحُ عِبْئًا إِضافِيًّا على الإِنْتاج، يَنْتَقِلُ في النِّهايَةِ إلى المُسْتَهْلِك، لِيَأْخُذَ شَكْلَ "ضَريبَةٍ غَيْرِ مُباشِرَة" لا تُسَمّى كَذَلِك.
المَسْأَلَةُ تَتَوَقَّفُ إلى حَدٍّ كَبيرٍ على ما يَحْدُثُ بَعْدَ جَمْعِ الإيرادات. هَل تُعادُ هَذِهِ الإيراداتُ إلى الِاقْتِصادِ عَبْرَ دَعْمِ التَّحَوُّلِ الصِّناعِيِّ والتِّكْنولوجِيّ؟ أَمْ تُسْتَخْدَمُ لِسَدِّ عَجْزِ الميزانِيّات؟ هَذِهِ النُّقْطَة، التي كَثيرًا ما تُهْمَل، هِيَ التي تُحَدِّدُ ما إِذا كانَ تَسْعيرُ الكَرْبونِ أَداةَ إِصْلاحٍ اقْتِصادِيٍّ أَمْ مُجَرَّدَ مَصْدَرِ دَخْلٍ إِضافِيٍّ لِلدَّوْلَة.
إلى جانِبِ ذَلِك، لا يُمْكِنُ تَجاهُلُ المَخاطِرِ البُنْيَوِيَّة. قَدْ يَفْتَحُ ضَعْفُ الحَوْكَمَةِ البابَ أَمامَ فُقْدانِ الثِّقَة، وَقَدْ يَجْعَلُ نَقْصُ أَنْظِمَةِ القِياسِ والتَّحَقُّقِ مِنَ الصَّعْبِ التَّأَكُّدَ مِنْ أَنَّ التَّخْفيضَاتِ حَقيقِيَّة. إِشْكالِيّاتٌ كَهَذِهِ تَدْفَعُ إلى تَشْديدِ المَعاييرِ الدَّوْلِيَّة، وَلا سِيَّما في إِطارِ المادَّةِ السّادِسَةِ مِنِ اتِّفاقِيَّةِ باريسَ المُناخِيَّة، وَهِيَ مادَّةٌ باتَتْ مَرْجِعِيَّةً أَساسِيَّةً لِتَنْظيمِ هَذِهِ الأَسْواقِ عالَمِيًّا.
(خاص "عروبة 22")

