اقتصاد ومال

قِراءةٌ في الشَّبَكاتِ الاقْتِصادِيَّةِ الخَفِيَّةِ المُرتَبِطَةِ بِإيران!كَيْفَ أَثَّرَت على الدُّوَلِ العَرَبِيَّة؟

تُمَثِّلُ الشَّبَكاتُ الِاقْتِصادِيَّةُ الخَفِيَّةُ واحِدَةً مِن أَكْثَرِ المُعْضِلاتِ الإيرانِيَّةِ تَعْقيدًا وَتَأْثيرًا على طَهْرانَ وَكَذَلِكَ مُحيطِها الإِقْليمِيِّ بِما فيهِ العَرَبِيّ. بِالنِّسْبَةِ لِإيرانَ والكَثيرِ مِن مُؤَيِّديها في المِنْطَقَة، فَإِنَّ هَذِهِ الشَّبَكاتِ هِيَ وَسيلَةٌ ضَرورِيَّةٌ لِمُواجَهَةِ العُقوباتِ الأَميرْكِيَّةِ وَدَعْمِ ما تَصِفُهُ بِقُوى المُمانَعَةِ في المِنْطَقَة، لَكِنَّ عَوامِلَ عِدَّةً تَتَضافَرُ لِتَجْعَلَ هَذِهِ الشَّبَكاتِ مُشْكِلَةً لِإيرانَ وَلِدُوَلِ الجِوارِ على السَّواء.

قِراءةٌ في الشَّبَكاتِ الاقْتِصادِيَّةِ الخَفِيَّةِ المُرتَبِطَةِ بِإيران!
كَيْفَ أَثَّرَت على الدُّوَلِ العَرَبِيَّة؟

خَلَقَ الحَرَسُ الثَّوْرِيُّ الإيرانِيُّ شَبَكاتٍ واسِعَةً لِتَهْريبِ النَّفْطِ لِتَجاوُزِ العُقوباتِ الأَميرْكِيَّة، وَلَكِنَّ هَذِهِ الشَّبَكاتِ خَلَقَتْ مَصالِحَ لَهُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ أَيْنَ تَنْتَهي ضَروراتُ مُجابَهَةِ الحِصارِ وَتَبْدَأُ مَصالِحُ الحَرَسِ وَأَعْضائِهِ الذّاتِيَّة. والنَّتيجَة، تَراجُعُ تَرْتيبِ إيرانَ في مُؤَشِّرِ مُدْرَكاتِ الفَسادِ مِنَ المَرْكَزِ 138 إلى المَرْكَزِ 151 في عامِ 2024.

وَبِالتَّوازي مَعَ ذَلِكَ نَشَأَتْ في أَطْرافِ إيرانَ شَبَكاتٌ أُخْرى لِتَهْريبِ الوَقودِ المَدْعومِ حُكومِيًّا إلى بَعْضِ دُوَلِ الجِوار، وَيَقودُ هَذِهِ الشَّبَكاتِ مُهَرِّبونَ مِنَ الأَقاليمِ الحُدودِيَّةِ الإيرانِيَّةِ المُهَمَّشَةِ المَسْكونَةِ بِأَقَلِّيّاتٍ مِثْلِ الأَكْرادِ والبَلوشِ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّ مُحاوَلَةَ السُّلُطاتِ الإيرانِيَّةِ إِضْعافَ هَذِهِ الشَّبَكاتِ التي تَسْتَنْزِفُ اقْتِصادَ البِلادِ كانَ أَحَدَ أَسْبابِ الِاضْطِراباتِ الأَخيرَةِ التي قُتِلَ فيها الآلافُ مِنَ المُحْتَجّينَ وَأَفْرادِ الأَمْنِ والتي اتَّخَذَها الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ دونالد ترامب ذَريعَةً لِضَرْبِ إيرانَ مُؤَخَّرًا.

شبكات تهريب المخدّرات والوقود والبشر مُتداخلة مع الشبكات الموالية لإيران

المُشْكِلَةُ أَنَّهُ في بَلَدٍ يُباعُ فيهِ الوَقودُ بِسِعْرٍ مَدْعومٍ بِشِدَّة، وَيُعاني النّاسُ فيهِ مِنَ البَطالَةِ وَيَقومُ أَحَدُ أَجْهَزَتِهِ الرَّسْمِيَّةِ بِتَهْريبِ النَّفْط، يَصْعُبُ إِقْناعُ المُهَرِّبينَ المُنْتَمينَ لِلأَقَلِّيّاتِ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ التَّهْريبِ في مَناطِقِهِمُ المُهَمَّشَةِ التي تَتَّصِلُ عَبْرَ مَمَرّاتٍ وَعِرَةٍ بِأَوْلادِ عُمومَتِهِمْ في دُوَلِ الجِوار.

كَما أَنَّهُ كَثيرًا ما يَتِمُّ تَجاهُلُ أَنَّ دَعْمَ النَّفْطِ والغازِ واسْتِخْدَامَهُما غَيْرَ الرَّشيدِ هُوَ سَبَبٌ رَئيسِيٌّ لِأَزماتِ إيرانَ الِاقْتِصادِيَّةِ بِدَرَجَةٍ لا تَخْتَلِفُ كَثيرًا عَنِ العُقوبات، فَتَوْليدُ الكَهْرُباءِ مِنَ الغازِ في إيرانَ يُمَثِّلُ نَمُوذَجًا نادِرًا عالَمِيًّا في الهَدْرِ حَيْثُ يُبَدَّدُ يَوْمِيًّا نَحْوَ 86 مِلْيون مِتْرٍ مُكَعَّبٍ من الْغاز خِلالَ الإِنْتاجِ والنَّقْلِ والتَّوْزيع، وَهُوَ ما يَكْفي لِتَزْويدِ بَلَدٍ بِحَجْمِ تُرْكْيا لِأَشْهُرٍ عِدَّة، وَتُقَدَّرُ قيمَةُ الغازِ المُهْدَرِ بِـ12 مِلْيارَ دولارٍ سَنَوِيًّا، حَيْثُ يُهْدَرُ نَحْوَ 40% مِن إِجْمالي الغازِ والكَهْرُباء، حَسَبَ تَقْريرٍ لِمَرْكَزِ "كارْنيغي".

وَبَيْنَما يُوَفِّرُ دَعْمُ الوَقودِ الإيرانِيُّ مَصْدَرَ طاقَةٍ رَخيصًا لِلمَناطِقِ الحُدودِيَّةِ لِبَعْضِ دُوَلِ الجِوارِ مِثْلِ تُرْكْيا وَأَفْغانِسْتانَ وَباكِسْتان، إِلّا أَنَّهُ يُعَزِّزُ شَبَكاتِ التَّهْريبِ التي تَمْتَدُّ إلى المُخَدِّراتِ والبَشَرِ والأَسْلِحَة.

أَمّا في بَعْضُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ التي يَتَغَلْغَلُ فيها النُّفوذُ الإيرانِيُّ تَحْتَ ما يُعْرَفُ بِمِحْوَرِ المُقاوَمَة، فَيُصْبِحُ مِنَ الصَّعْبِ تَعْريفُ أَيْنَ حُدودُ مَصالِحِ هَذَا المِحْوَر، وَمَصالِحِ إيرانَ القَوْمِيَّةِ كَدَوْلَةٍ تُحاوِلُ اخْتِراقَ الحِصار، وَمَصالِحِ الحَرَسِ الثَّوْرِيِّ الذّاتِيَّةِ وَمَصالِحِ المُهَرِّبين.

على سَبيلِ المِثال، بَيْنَما تَشْكو إيرانُ عَنْ حَقّ، مِنْ تَهْريبِ كَمِّياتٍ هائِلَةٍ مِنَ الوَقودِ لِدُوَلِ الجِوارِ بِقيمَةٍ تَصِلُ لِنَحْوِ 3 مِلْياراتِ دولارٍ سَنَوِيًّا، اتَّهَمَ وَزيرُ النَّفْطِ العِراقِيّ حيّان عبد الغَني في آذَارَ 2025، إيرانَ بِاسْتِخْدامِ وَثائِقَ عِراقِيَّةٍ مُزَوَّرَةٍ لِتَهْريبِ نَفْطِها لِلتَّحايُلِ على العُقوبات.

التهريب يُضعف الأمن والاقتصادات الوطنية في الدول العربية

كَما نَشَرَتْ وَكالَةُ "رويْتِرْز" تَقْريرًا في عامِ 2024 يَزْعُمُ رَصْدَ شَبَكَةِ تَهْريبٍ كَبيرَةٍ لِلنَّفْطِ في العِراقِ بِقِيادَةِ ميليشْيا مُوالِيَةٍ لِإيرانَ والتي يَعْتَقِدُ بَعْضُ الخُبَراءِ أَنَّها تَدُرُّ على طَهْرانَ وَوُكَلائِها حَوالَيْ مِلْيارِ دولارٍ سَنَوِيًّا، عَبْرَ اسْتِغْلالِ النَّفْطِ المَدْعومِ الذي تَبيعُهُ الحُكومَةُ العِراقِيَّةُ لِبَعْضِ المَصانِعِ المَحَلِّيَّة.

وَتَعْتَبِرُ إيرانُ حُلَفاءَها مِنَ الميليشْياتِ في المِنْطَقَةِ مُقاوِمينَ ضِدَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيلَ وَبِالتّالي تَرى أَنَّ تَهْريبَ الأَسْلِحَةِ والأَمْوالِ لَهُمْ ضَرورَة، وَلَكِنْ بَعيدًا عَنْ مُخالَفَةِ ذَلِكَ لِلقانونِ الدَّوْلِيِّ وَكَوْنِهِ انْتِهاكًا لِسِيادَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، فَإِنَّ هَذَا يُعْطي مَشْروعِيَّةً لِلعامِلِينَ في شَبَكاتِ تهريبِ المُخَدِّراتِ والوَقودِ والبَشَرِ المُتَداخِلَةِ غالِبًا مَعَ الشَّبَكاتِ المُوالِيَةِ لِإيران، وَيُضْعِفُ الأَمْنَ والِاقْتِصادَاتِ الوَطَنِيَّةِ في هَذِهِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَمُنْتَجاتِها المَحَلِّيَّةِ وَيُقَلِّلُ إيراداتِ الجَمارِك، بَل يَمَسُّ بِالقِيَمِ الأَخْلاقِيَّةِ لِلمُجْتَمَعاتِ التي تَنْتَمي إِلَيْها هَذِهِ الميليشْيات، وَهُوَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثارٌ اجْتِماعِيَّةٌ واقْتِصادِيَّةٌ مُدَمِّرَة. وَهُناكَ مُؤَشِّراتٌ قَوِيَّةٌ إلى أَنَّ تَوَسُّعَ إِنْتاجِ المُخَدِّراتِ في سورْيا قَدْ أَضْعَفَ مَناعَةَ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ أَمامَ هُجومِ المُعارَضَةِ السّورِيَّة، حَيْثُ جَلَبَتْ تِجارَةُ الكَبْتاغون رِبْحًا سَنَوِيًّا لِلقِيادَةِ السّورِيَّةِ السّابِقَةِ قُدِّرَ بِـ2.4 مِلْيارِ دولار، حَسْبَ مَشْروعِ تِجارَةِ الكَبْتاغون التّابِعِ لِمَعْهَدِ "نِيو لاينْز" الأَميرْكِيّ.

إِنَّ العَلاقَةَ بَيْنَ بَعْضِ الميليشْياتِ وَشَبَكاتِ الِاقْتِصادِ الخَفِيَّةِ تَتَجاوَزُ أَحْيانًا التَّهْريبَ لِتَنْتَقِلَ إلى نَهْبِ المُجْتَمَعاتِ المَحَلِّيَّةِ والحُصولِ على إِتاواتٍ مِنَ التِّجارَةِ العابِرَةِ لِنُقاطِ سَيْطَرَةِ الميليشْيات (وَهَذَا كانَ مَصْدَرَ دَخْلٍ رَئِيسِيًّا لِـ"هَيْئَةِ تَحْريرِ الشّام" في إِدْلِب) وَيَصِلُ الأَمْرُ إلى فَرْضِ الإِتاواتِ على المُساعَداتِ الأُمَمِيَّةِ أَوِ اسْتِخْدامِها لِلتَّرَبُّحِ أَوِ الِابْتِزازِ مِثْلَما يُتَّهَمُ الحوثِيّونَ في اليَمَن، حَسَبَ تَقْريرٍ لِـ"رويْتِرز".

النظام الإيراني شجّع أكثر الأنشطة الطفيلية خطورة في المنطقة وخلق واحدة من أطول شبكات التهريب في العالم

إِنَّ شَبَكاتِ الظِّلِّ الِاقْتِصادِيَّةَ ساعَدَتْ إيرانَ على الصُّمودِ أَمامَ العُقوباتِ وَدَعْمِ حُلَفائِها، وَلَكِنَّها عائِقٌ أَساسِيٌّ أَمامَ نُمُوٍّ اقْتِصادِيٍّ سَوِيّ، سَواءٌ في إيرانَ أَوِ الدُّوَلِ والمُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ التي فَرَضَتْ نُفوذَها فيها.

والمُفارَقَةُ أَنَّ النِّظامَ الإيرانِيَّ يَقولُ إِنَّ إيدْيولوجِيَّتَهُ قائِمَةٌ على رَفْضِ ما يَعْتَبِرُهُ نَمُوذَجًا اسْتِهْلاكِيًّا غَرْبِيًّا وَيَسْعى لِبِناءِ مُجْتَمَعٍ مُعْتَمِدٍ على الذّات، وَيَتَّهِمُ الأَنْظِمَةَ المُنافِسَةَ لَهُ في المِنْطَقَةِ بِأَنَّ اقْتِصادِيّاتِها طُفيلِيَّةٌ وَغَيْرُ إِنْتاجِيَّة، وَلَكِنَّ الواقِعَ أَنَّ سِياساتِهِ الِاقْتِصادِيَّةَ والعَسْكَرِيَّةَ والأَمْنِيَّةَ عَنْ قَصْدٍ وَغَيْرِ قَصْد (سَواءٌ عَبْرَ دَعْمِ الوَقودِ أَوِ التَّهَرُّبِ مِنَ العُقوباتِ أَوْ مُسانَدَةِ الوُكَلاء) تُشَجِّعُ أَكْثَرَ الأَنْشِطَةِ الطُّفيلِيَّةِ خُطورَةً وانْتِشارًا في المِنْطَقَةِ وَهِيَ التَّهْريبُ على نِطاقٍ واسِعٍ مِن أَفْغانِسْتانَ في الشَّرْقِ إلى سورْيا وَلُبْنانَ في الغَرْبِ واليَمَنِ في الجَنوبِ الغَرْبِيّ، خالِقَةً واحِدَةً مِنْ أَطْوَلِ شَبَكاتِ التَّهْريبِ في العالَمِ امتدادًا، والتي تَتَداخَلُ مَساراتُها مَعَ مَساراتِ شَبَكاتِ تَهْريبِ المُخَدِّراتِ والبَشَرِ المُمْتَدَّةِ لِأوروبّا والتي تَشْكو مِنْها إيرانُ ذاتُها!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن