تَعْتَمِدُ الدولُ العَرَبِيَّةُ بِشَكْلٍ كَبيرٍ على اسْتيرادِ الأَخْشابِ وَمُنْتَجاتِها لِتَلْبِيَةِ الِاحْتِياجاتِ الصِّناعِيَّةِ والِاسْتِهْلاكِيَّة، نَظَرًا لِوُجودِ نَقْصٍ شَديدٍ في الأَخْشابِ المَحَلِّيَّةِ الصّالِحَةِ لِلصِّناعَةِ نَتيجَةً لِمَحْدودِيَّةِ المَناطِقِ المَزْروعَةِ بِالأَشْجارِ الخَشَبِيَّةِ مَعَ تَنامي الطَّلَبِ عَلَيْها نَتيجَةَ التَّوَسُّعِ العُمْرانِيِّ وَزِيادَةِ عَدَدِ السُّكان.
وَمَعَ زِيادَةِ الحاجَةِ لِلأَخْشابِ بِأَنْواعِها المُخْتَلِفَة، بَرَزَتِ العَديدُ مِنَ التَّحَدِّياتِ الِاقْتِصادِيَّةِ التي تَمَثَّلَتْ في زِيادَةِ فاتورَةِ الِاسْتيرادِ وَتَأْثيرِها على ميزانِ المَدْفوعاتِ وَتَكاليفِ الإِنْتاج، خاصَّةً أَنَّ العَديدَ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةُ تَعْتَمِدُ على اسْتيرادِ الأَخْشابِ بِكَمِّياتٍ كَبيرَةٍ لِتَلْبِيَةِ حاجَةِ الأَسْواقِ المَحَلِّيَّة.
زيادة الضغوط البيئية والاقتصادية دفعت إلى إيجاد زراعات غير تقليدية من أهمّها زراعة الأشجار الخشبية
فعلى سَبيلِ المِثال، وَصَلَتْ قيمَةُ وارِداتِ الأَخْشابِ في مِصْرَ إلى حَوالَيْ 1.5 مِلْيارِ دولارٍ في عامِ 2025 بَيْنَما وَصَلَتْ وارِداتُ السُّعودِيَّةِ إلى حَوالَيْ 1.46 مِلْيارِ دولارٍ، كَما سَجَّلَتْ وارِداتُ الإِماراتِ حَوالَيْ 1.17 مِلْيار دولارٍ. وَتُعَدُّ روسْيا والسُّوَيْدُ وَفِنْلَنْدا مِنَ المُوَرِّدينَ الأَساسِيّينَ لِلمِنْطَقَة، فَهَلْ تَسْتَمِرُّ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ في اسْتيرادِ الأَخْشابِ أَمْ تَلْجَأُ إلى حُلولٍ جَذْريةٍ وَمُسْتَدامَةٍ وَمُبْتَكَرَةٍ لِلتَغَلُّبِ على تِلْكَ المُشْكِلَة؟.
بِالنَّظَرِ إلى الظُّروفِ البيئِيَّةِ لِلمِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، والتي تَغْلِبُ عَلَيْها الطَّبيعَةُ الصَّحْراوِيَّةُ وَما تَتَّسِمُ بِهِ مِنْ نُدْرَةِ المِياهِ وارْتِفاعِ دَرَجاتِ الحَرارَةِ والتُّرْبَةِ الفَقيرَةِ بِالمَوادِّ العُضْوِيَّةِ والتي لا تَجودُ بِها زِراعَةُ العَديدِ مِنَ المَحاصيلِ التَّقْليدِيَّة، نَجِدُ أَنَّ زِيادَةَ تِلْكَ الضُّغوطِ البيئِيَّةِ والِاقْتِصادِيَّةِ قَدْ دَفَعَتِ العَديدَ مِنَ العُلَماءِ وَصُنّاعِ السِّياساتِ إلى السَّعْيِ إلى إيجادِ زِراعاتٍ غَيْرِ تَقْليدِيَّةٍ يُمْكِنُها التَّوافُقُ مَعَ تِلْكَ الظُّروف، وَمِنْ أَهَمِّها زِراعَةُ الأَشْجارِ الخَشَبِيَّةِ والْغابات، وَذَلِكَ مِنْ خِلالِ تَدَخُّلاتٍ عِلْمِيَّةٍ وَتِكْنولوجِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ تُؤَدّي إلى تَعْظيمِ الِاسْتِفادَةِ مِنْ تِلْكَ البيئاتِ الصَّحْراوِيَّةِ عَبْرَ مَشاريعَ تَتَّسِقُ مَعَ اسْتْراتيجِيّاتِ التَّنْمِيَةِ المُسْتَدامَةِ وَتَعْتَمِدُ على الِاسْتِهْلاكِ الرَّشيدِ لِلمَوارِدِ الطَّبيعِيَّةِ المَحْدودَة، والتَّوَسُّعِ في الحُلولِ الزِّراعِيَّةِ غَيْرِ التَّقْليدِيَّةِ والصَّديقَةِ لِلبيئَةِ بِما يُحَقِّقُ مستقبلًا أَكْثَرَ اسْتِدامَةً يُتيحُ لِلمِنْطَقَةِ مَوْقِعًا رِيادِيًّا إِقْليمِيًّا وَعالَمِيًّا في مَجالاتِ الإِنْتاجِ الزِّراعِيِّ والتَّكَيُّفِ مَعَ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ وَحِمايَةِ البيئَةِ وَتَحْقيقِ النُّمُوِّ الِاقْتِصادِيِّ المُتَوازِن.
على سَبيلِ المِثال، تَبَنَّتْ مِصْرُ مُبادَراتٍ عَديدَةً لِزِراعَةِ الأَشْجارِ الخَشَبِيَّةِ وَمَصَدّاتِ الرّياحِ في المَناطِقِ الصَّحْراوِيَّةِ الْجافَّةِ بِاسْتِخْدامِ مِياهِ الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ المُعالَجَةِ لِرِيِّ الأَشْجارِ والتي تَمَّ اخْتِبارُها مِنْ خِلالِ دِراساتٍ وَبُحوثٍ عِلْمِيَّةٍ مُتَطَوِّرَة، وَمِنْ أَهَمِّها أَشْجارُ الْكافورِ (Camphrier)، والبولونْيا (Paulownia)، والكازْوارينا (Casuarina)، والجاتْروفا (Jatropha)، والجوجوبا (Jojoba) والتي تَتَحَمَّلُ الظُّروفَ الصَّحْراوِيَّةَ والبيئِيَّةَ القاسِيَةَ والْجافَّةَ وَكَذَلِكَ دَرَجاتِ المُلوحَةِ الْعالِيَةَ والتي قَدْ تَصِلُ في بَعْضِ المَناطِقِ إلى حَوالَيْ 10-12 أَلْفَ جُزْءٍ في المِلْيون، حَيْثُ اعْتَمَدَتْ مِصْرُ في تِلْكَ التَّجارِبِ على التَّعاوُنِ المُشْتَرَكِ وَتَبادُلِ الخِبْراتِ مَعَ أَلمانْيا خاصَّةً في مَجالِ الِاسْتِفادَةِ مِنْ مِياهِ الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ الْمُعالَجِ في رِيِّ تِلْكَ الأَشْجارِ بِهَدَفِ اسْتِثْمارِ حَوالَيْ 5.5 مِلْياراتِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنْ مِياهِ الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ المُعالَجِ في زِراعَةِ الأَشْجارِ الخَشَبِيَّة، وَذَلِكَ بَدَلًا مِنْ إِلقائِها في البَحْرِ أَوِ النِّيلِ وَما يَتَرَتَّبُ على ذَلِكَ مِنْ مَخاطِرَ بيئِيَّةٍ وَصِحِّيَّة.
كَما أَطْلَقَتِ السُّعودِيَّةُ مُبادَراتٍ طَموحَةً لِتَشْجيرِ المَناطِقِ الصَّحْراوِيَّةِ بِمَلايينِ الأَشْجارِ الخَشَبِيَّةِ التي تُسْهِمُ في اسْتِعادَةِ الأَراضي المُتَدَهْوِرَة، وَمُكافَحَةِ التَّصَحُّرِ وَزِيادَةِ التَّنَوُّعِ البِيولوجِيِّ وَتَقْليلِ آثارِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة. كَما أَنَّ هُناكَ أَيْضًا خِطَطًا اسْتْراتيجِيَّةً في الإِماراتِ وَبَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الأُخْرى مِثْلَ المَغْرِبِ وَالْجَزائِرِ وَتونِسَ لِلتَّوَسُّعِ في زِراعَةِ المَناطِقِ الصَّحْراوِيَّةِ بِالأَشْجارِ الخَشَبِيَّةِ وَمَصَدّاتِ الرِّياح، وَذَلِكَ بِاسْتِخْدامِ تِقْنِيّاتِ الرِّيِّ الحَديثَةِ والتِّقْنِيّاتِ الذَّكِيَّةِ لِمُراقَبَةِ التُّرْبَة.
يجب تعظيم الاستفادة من الإمكانات العربية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من العديد من المنتجات التي يتمّ استيرادها
وَبِصِفَةٍ عامَّة، تُمَثِّلُ تِلْكَ التَّجارِبُ دَليلًا على اهْتِمامِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِالحُلولِ غَيْرِ التَّقْليدِيَّةِ التي تُناسِبُ الطَّبيعَةَ البيئِيَّةَ والصَّحْراوِيَّةَ لِلمِنْطَقَة، وَفي الوَقْتِ نَفْسِهِ تُلَبّي احْتِياجاتٍ ضَروريةً لِخَفْضِ فاتورَةِ الِاسْتيرادِ لِلأَخْشابِ بِأَنْواعِها عَبْرَ الِاسْتِفادَةِ مِنَ المِساحاتِ الشّاسِعَةِ مِنَ الأَراضي الصَّحْراوِيَّةِ غَيْرِ المُسْتَغَلَّة، بِالإِضافَةِ إلى دَمْجِ الزِّراعَةِ مَعَ الصِّناعاتِ الْخَشَبِيَّةِ الْمَحَلِّيَّةِ بِهَدَفِ زِيادَةِ القيمَةِ المُضافَةِ لِإِنْتاجِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنْ تِلْكَ الأَخْشاب.
وَيُجِبُ الإِشارَةُ إلى أَنَّ نَجاحَ تِلْكَ التَّجارِبِ والتَّوَسُّعَ فيها يَسْتَلْزِمُ الِاهْتِمامَ بِالدِّراساتِ والتَّوْصِياتِ العِلْمِيَّةِ والِاقْتِصادِيَّةِ في مَجالِ زِراعَةِ الْغاباتِ والأَشْجارِ الخَشَبِيَّةِ في المَناطِقِ الصَّحْراوِيَّة، وَكَذَلِكَ تَطْويرَ البُحوثِ في مَجالِ الِاسْتِفادَةِ مِنْ مِياهِ الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ المُعالَجِ وَمِياهِ البَحْر، وَالرِّيِّ الذَّكِيِّ واسْتِخْدامِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ في تَوْفيرِ الكَهْرُباءِ اللّازِمَةِ لِمُعِدّاتِ الرِّيّ، وَهَذا يَحْتَاجُ إلى تَعاوُنٍ عَرَبِيٍّ مُشْتَرَك، وَكَذَلِكَ تَعاوُنٍ مَعَ جِهاتٍ دَوْلِيَّةٍ لِنَقْلِ الخِبْراتِ والتِّقْنِيّاتِ الحَديثَةِ في هَذا المَجالِ الواعِدِ مَعَ إِقامَةِ اتِّفاقِيّاتِ تِجارَةٍ إِقْليمِيَّةٍ لِتَقْليلِ تَكاليفِ الشَّحْنِ وَتَسْهيلِ تَدَفُّقِ المَوادِّ الخامِ بَيْنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ مَعَ تَشْجيعِ القِطاعِ الْخاصِّ على الِاسْتِثْمارِ في تِلْكَ المَشاريعِ وَدَعْمِ الحُكوماتِ العَرَبِيَّةِ لِلحُلولِ غَيْرِ التَّقْليدِيَّةِ التي تُحَقِّقُ التَّنْمِيَةَ المُسْتَدامَةَ وَتُعَظِّمُ الِاسْتِفادَةَ مِنَ الإِمْكاناتِ العَرَبِيَّةِ المُتاحَةِ لِتَعْزيزِ الِاقْتِصادِ العَرَبِيِّ وَتَحْقيقِ الِاكْتِفاءِ الذّاتِيِّ مِنْ العَديدِ مِنَ المُنْتَجاتِ التي يَتِمُّ اسْتيرادُها، والتي مِنْ أَهَمِّها الأَخْشابُ وَمُنْتَجاتُها.
(خاص "عروبة 22")

