بِحَسَبِ المُعارِضين، تَبْدو الحَرْبُ على إيرانَ امْتِدادًا لِنَمَطٍ مَأْلوف: تَفَوُّقٌ عَسْكَرِيٌّ لا يُتْرَجَمُ إلى حَسْمٍ سِياسِيّ، وَتَحالُفاتٌ رَخْوَة، وَكُلْفَةٌ تُنْقَلُ إلى أَطْرافٍ لا تَتَحَكَّمُ بِقَرارِ الحَرْب. فالتَّصْعيدُ في مَضيقِ هُرْمُز، والضَّغْطُ على أَسْواقِ الطّاقَة، والِانْخِراطُ غَيْرُ المُتَكَافِئِ لِأَطْرافٍ إِقْليمِيَّة، كُلُّها مُؤَشِّراتٌ وِفْقَ هَذا الطَّرْح، إلى أَنَّ الحَرْبَ تَتَّسِعُ مِنْ دونِ إِطارٍ سِياسِيٍّ جامِعٍ يُديرُها أَوْ يَضْبُطُ مَآلاتِها. بَلْ إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَصْوات، وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الحَرْبَ في بِداياتِها، تَعْتَبِرُ أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ وَإسْرائيلَ تَخوضانِ حَرْبًا خاسِرَةً اسْتْراتيجِيًّا، مَهْما حَقَّقَتا مِنْ إِنْجازاتٍ مَّيْدانِيَّةٍ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِما على تَحْويلِها إلى مَشْروعٍ دَوْلِيٍّ مُّتَماسِك. كَما تَفْتَرِضُ أَنَّ الِانْخِراطَ الدّيبْلوماسِيَّ والِاقْتِصادِيَّ كَفيلانِ بِتَعْديلِ سُلوكِ إيران.
عملت طهران على تفكيك بنى دول وطنية عربية واستثمرت في البنى المذهبية وعَقَّدت فرص التسوية الفلسطينية
يَبْرُزُ هَذا التَّحْليلُ عِنْدَ إِسْقاطِهِ على لُبْنان، مَعَ تَحَوُّلِهِ مَرَّةً أُخْرى إلى ساحَةٍ لِتَكَبُّدِ تَداعِياتِ صِراعٍ أَكْبَرَ مِنْه. وَيَجِدُ صَداهُ أَيْضًا في مَواقِفَ أوروبِّيَّةٍ مُّتَرَدِّدَةٍ تُفَضِّلُ تَجَنُّبَ الِانْخِراطِ المُباشِر، وَفي حِساباتٍ خَليجِيَّةٍ حَذِرَةٍ تَسْعى لِمُوازَنَةِ الرَّدْعِ مَعَ تَجَنُّبِ الدُّخولِ في حَرْبٍ مُّفْتوحَة.
هَذا الخِطاب، على ما يَتَضَمَّنُهُ مِنْ وَجاهَة، يَظَلُّ ناقِصًا إِذا عُزِلَ عَنْ سِياقِهِ الأَوْسَع. إِذْ يَنْظُرُ إلى صُعودِ إيرانَ كَتَهْديدٍ اسْتْراتيجِيّ، قَدْ يُقَوِّضُ أَمْنَ خُصومِها. فالحَرْبُ الحالِيَّةُ لَيْسَتْ طارِئَة، بَل هي امْتِدادٌ لِمَسارٍ طَويلٍ مِّنَ التَّوَتُّرِ بَيْنَ طَهْرانَ وَواشِنْطُن، مُنْذُ أَواخِرِ السَّبْعِينِيّاتِ مَعَ أَزْمَةِ الرَّهائِن، تَخَلَّلَتْهُ عُقودٌ مِّنَ العُنْفِ وَأَعْمالِ الخَطْفِ وَتَفْجيرِ السَّفاراتِ والمَقَرّات.
هَدّدت إيران أمن دول الخليج وارتبط وكلاؤها بشبكات تهريب المخدرات وزعزعت أمن الممرات البحرية
على مَدى 47 سَنَة، لَمْ تَكُنْ إيرانُ مُجَرَّدَ دَوْلَةٍ طَبِيعِيَّةٍ أَوْ تَحْتَ الضَّغْط، بَل فاعِلًا نَشِطًا في إِعادَةِ تَشْكيلِ تَوازُناتِ المِنْطَقَةِ عَبْرَ تَفْكيكِ بُنى دُوَلٍ وَطَنِيَّة، وَتَرْسيخِ نُفوذِها في عَواصِمَ عَرَبِيَّةٍ عِدَّة، مِنْ بَيْروتَ وَدِمَشْقَ إلى بَغْدادَ وَصَنْعاء. وَقَدِ اقْتَرَنَ هَذا النُّفوذُ السِّياسِيُّ بِبُعْدٍ أَمْنِيٍّ وَعَسْكَرِيٍّ عَبْرَ دَعْمِ جَماعاتٍ مَّحَلِّيَّةٍ مُّسَلَّحَة، ما جَعَلَ مَسْأَلَةَ السِّيادَةِ في هَذِهِ الدُّوَلِ مَوْضِعَ نِزاعٍ دائِم.
واسْتَثْمَرَتْ طَهْرانُ أَيْضًا في البُنى المَذْهَبِيَّة، بِخاصَّةٍ في البيئاتِ الشّيعِيَّة، ما أَسْهَمَ في تَوْتيرِ التَّوازُناتِ الدّاخِلِيَّة. وامْتَدَّ دَوْرُها إلى السّاحَةِ الفِلَسْطينِيَّة، حَيْثُ أَدّى دَعْمُها لِفَصائِل، وَفي مُقَدِّمَتِها "حَماس" و"الجِهاد"، إلى إِضْعافِ السُّلْطَةِ الفِلَسْطينِيَّةِ وَتَعْقيدِ فُرَصِ التَّسْوِيَة، بِما في ذَلِكَ "حَلُّ الدَّوْلَتَيْن". أَمّا في سورْيا، فَقَدْ شَكَّلَ تَدَخُّلُها عَبْرَ الحَرَسِ الثَّوْرِيِّ والْميليشْياتِ الْحَليفَةِ عامِلًا حاسِمًا في إِطالَةِ أَمَدِ النِّزاعِ الدَّمَوِيِّ وَتَعْميقِ طابِعِهِ الإِقْلِيمِيّ، ناهيكَ عَنْ دَوْرِها المُدَمِّرِ في اليَمَنِ والعِراق.
توظيف إيراني لـ"القاعدة" و"داعش" في إعادة تشكيل توازنات المنطقة
وَلَمْ يَتَوَقَّفِ الأَمْرُ عِنْدَ ذَلِك، بَلِ امْتَدَّ لِتَهْديدِ أَمْنِ دُوَلِ الخَليجِ عَبْرَ اسْتِهْدافِ مُنْشَآتٍ حَيَوِيَّة، وارْتِباطِ بَعْضِ وُكَلائِها بِشَبَكاتِ تَهْريبٍ عابِرَةٍ لِّلحُدود، بِما في ذَلِكَ تَهْريبُ المُخَدِّرات، في إِطارِ اقْتِصادٍ مُوازٍ يُغَذّي الصِّراعات. هَذا فَضْلًا عَنْ زَعْزَعَةِ أَمْنِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّة، لا سِيَّما مَضيقُ هُرْمُزَ وَبابُ المَنْدَب، ما جَعَلَ أَمْنَ الطّاقَةِ العالَمِيَّ عُرْضَةً لِلِابْتِزازِ عِنْدَ كُلِّ تَصْعيد. وَيَبْقى مَوْقِفُها المُلتَبِسُ مِنْ بَعْضِ الجَماعاتِ الإرهابية، كَـ"القاعِدَة" وَ"داعِش"، مَوْضِعَ تَساؤُل، سَواءٌ لِجِهَةِ التَّوْظيفِ غَيْرِ المُباشِرِ أَوِ الِاسْتِفادَةِ مِنْ وُجودِها في إِعادَةِ تَشْكيلِ تَوازُناتِ الصِّراعِ في المِنْطَقَة.
في ضَوْءِ ذَلِك، لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ أَنَّ الحَرْبَ على إيرانَ جاءَتْ مِنْ فَراغ، أَوْ مُجَرَّدُ خَرْقٍ لِقانونٍ دَوْلِيٍّ مُّثْقَلٍ أَصْلًا بِالِانْتِهاكاتِ الإيرانِيَّة، على الرَّغْمِ مِنَ التَّحَفُّظاتِ المَشْروعَةِ على إِدارَتِها. فَهِيَ نِتاجُ تَراكُمِ صِراعاتٍ غَيْرِ مَحْسومَةٍ وَمُحاوَلاتِ احْتِواءٍ أَخْفَقَتْ في تَعْديلِ سُلوكٍ إِقْليمِيٍّ يُنْظَرُ إِلَيْهِ كَمَصْدَرٍ دائِمٍ لِعَدَمِ الِاسْتِقْرار. وَهَذا لا يُبَرِّرُ الحَرْبَ بِقَدْرِ ما يَرْفُضُ اخْتِزالَها في كَوْنِها مُغامَرَةً اخْتِيارِيَّة، إِذْ إِنَّ الإِشْكالَ لا يَقْتَصِرُ على كَيْفِيَّةِ خَوْضِها، بَل يَشْمَلُ أَيْضًا الأَسْبابَ التي جَعَلَتْها خِيارًا مَّطْروحًا. لِذَلِك، تَقْتَضي المُقارَبَةُ المُتَوازِنَةُ الِاعْتِرافَ بِمَأْزَقِ غِيابِ الإِجْماعِ الدَّوْلِيِّ وَتَوْزيعِ الكُلْفَة، مِنْ دونِ إِغْفالِ أَنَّ كُلْفَةَ اسْتِمْرارِ الوَضْعِ السّابِقِ قَدْ تَكونُ أَشَدَّ خُطورَة. وَيَبْقى السُّؤالُ المَطْروحُ على مُعارِضي الحَرْب: ما البَدائِلُ الْواقِعِيَّةُ لِمُعالَجَةِ السُّلوكِ الإيرانِيّ، لا سِيَّما مِنْ مَّنْظورٍ أوروبِّيّ، هَذا دونَ خَطَرِ الِانْزِلاقِ نَحْوَ إيرانَ نَوَوِيَّة؟.
ما يجري اليوم هو نتيجة مسار طويل من السياسات التي ساهمت في تفكيك الاستقرار الإقليمي والدولي
الحَرْبُ لَيْسَتْ خِيارًا مِّثالِيًّا، لَكِنَّها نِتاجُ تَراكُماتٍ فَرَضَتْ نَفْسَها على الرَّغْمِ مِنْ غِيابِ إِطارٍ دَوْلِيٍّ شَرْعِيٍّ واضِحٍ يُنَظِّمُها. ما يَجْري اليَوْمَ هُوَ نَتيجَةُ مَسارٍ طَويلٍ مِنَ السِّياساتِ التي ساهَمَتْ في تَفْكيكِ الِاسْتِقْرارِ الإِقْليمِيِّ والدَّوْلِيّ. وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ الخَوْفَ مِنْ تَداعِياتِ الحَرْب، بِما في ذَلِكَ احْتِمالُ تَشَظِّي إيرانَ أَوْ دُخولِها في فَراغٍ داخِلِيّ، لا يُلْغي أَنَّ اسْتِمْرارَ هَذا النَّموذَجِ مِنَ الأَنْظِمَة، مَقْرونًا بِإِعْلانِ انْتِصاراتٍ رَمْزِيَّةٍ أَوْ وَهْمِيَّة، قَدْ يُشَكِّلُ خَطَرًا أَكْبَرَ على المَدى المُتَوَسِّطِ والبَعيد، لَيْسَ فَقَطْ على المِنْطَقَة، بَل على النِّظامِ الدَّوْلِيِّ بِرُمَّتِه!.
(خاص "عروبة 22")

