تقدير موقف

300 مِليار دولار… بَينَ الوَعْدِ السِّياسيِّ والواقِعِ الاقْتِصادِيّ!

مِنْ أَكْثَرِ ما أَثارَ الِانْتِباهَ بَعْدَ الإِعْلانِ عَنْ مُذَكِّرَةِ التَّفاهُمِ الأَميرْكِيَّةِ ـ الإيرانِيَّة، لَيْسَ ما كُشِفَ مِنْها، بَل ما لَمْ يُكْشَف. فالمُذَكِّرَةُ بَقِيَتْ بَعيدَةً عَنِ الرَّأْيِ العامّ، بِناءً على رَغْبَةِ الوَسيطِ الباكِسْتانِيِّ الذي أَصَرَّ، وِفْقَ ما تَرَدَّد، على عَدَمِ نَشْرِ نَصِّها الكامِل. وَهَكَذا وَجَدَ العالَمُ نَفْسَهُ أَمامَ شَذَراتٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ التَّصْريحات، يَلتَقِطُها مِنْ هَذا الطَّرَفِ أَوْ ذاك، بَيْنَما يَحْتَفِظُ كُلُّ طَرَفٍ بِالرِّوايَةِ التي تُناسِبُ جُمْهورَهُ الدّاخِلِيّ.

300 مِليار دولار… بَينَ الوَعْدِ السِّياسيِّ والواقِعِ الاقْتِصادِيّ!

هَذا السُّلوكُ لَيْسَ جَديدًا في السِّياسَةِ الدَّوْلِيَّة. فالكَثيرُ مِنَ الِاتِّفاقاتِ الكُبْرى تَبْدأ غامِضَة، وَيَحْرِصُ أَطْرافُها على إِبْرازِ ما يَعْتَقِدونَ أَنَّهُ انْتِصارٌ لَهُم. الإيرانِيّونَ يَتَحَدَّثونَ عَنْ مَكاسِبَ سِيادِيَّةٍ وَعَنْ تَعْويضاتٍ غَيْرِ مُباشِرَة، بَيْنَما يُرَكِّزُ الأَميرْكِيّونَ على الجَوانِبِ الأَمْنِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ التي يَرَوْنَ أَنَّهُمْ حَقَّقوا مِنْ خِلالِها أَهْدافَهُم. لَكِنْ وَسْطَ هَذا الضَّبابِ بَرَزَ رَقْمٌ واحِدٌ اسْتَوْقَفَ الجَميع: 300 مِلْيارِ دولار!. مِنْ أَيْنَ جاءَ هَذا الرَّقْم؟ وَمَنْ سَيَدْفَعُه؟ وَلِأَيِّ غَرَضٍ بِالتَّحْديد؟.

الرِّوايَةُ الإيرانِيَّةُ توحي بِأَنَّ هَذا المَبْلَغ، أَوْ ما يُقارِبُه، يُمَثِّلُ تَعْويضًا عَنِ الخَسائِرِ التي لَحِقَتْ بِإيرانَ خِلالَ الحَرْبِ وَما سَبَقَها مِنْ عُقوباتٍ وَضُغوطٍ اقْتِصادِيَّة. أَمّا الرِّوايَةُ الأَميرْكِيَّةُ فَتَبْدو مُخْتَلِفَةً تَمامًا. فَواشِنْطُنُ تُؤَكِّدُ أَنَّها لَنْ تَدْفَعَ دولارًا واحِدًا لِهَذا الغَرَض، وَأَنَّ الحَديثَ يَدورُ عَنْ صُنْدوقٍ أَوْ آلِيَّةٍ اسْتِثْمارِيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُساهِمَ فيها أَطْرافٌ أُخْرى إِذا تَوَفَّرَتِ الظُّروفُ المُناسِبَة. هُنا يَبْدَأُ الغُموضُ الحَقيقِيّ.

العلاقات الاقتصادية لا تُبنى على النوايا بل على الثقة والالتزامات المتبادلة واحترام المصالح المشتركة

إِذا كانَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ لَنْ تَدْفَع، وَإيرانُ لا تَمْلِكُ المَوارِدَ الكافيةَ لِتَوْفيرِ هَذا المَبْلَغِ الضَّخْمِ مِنْ داخِلِ اقْتِصادِها المُنْهَك، فَمِنْ أَيْنَ سَتَأْتي الأَمْوال؟ وَمَنْ هِيَ الجِهاتُ المُسْتَعِدَّةُ لِضَخِّ مِئاتِ المَلايينِ في اقْتِصادٍ يَخْرُجُ لِتَوِّهِ مِنْ أَزْمَةٍ طَويلَةٍ وَمُعَقَّدَة؟.

البَعْضُ يُوَجِّهُ النَّظَرَ مُباشَرَةً إلى دُوَلِ الخَليج. لَيْسَ لِأَنَّ هَذِهِ الدُّوَلَ أَعْلَنَتِ اسْتِعْدادَها لِذَلِك، بَل لِأَنَّ الفَوائِضَ المالِيَّةَ الخَليجِيَّةَ تَجْعَلُها المُرَشَّحَ الطَّبيعِيَّ في خَيالِ الكَثيرِ مِنَ المُراقِبين. غَيْرَ أَنَّ هَذا الِافْتِراضَ يَصْطَدِمُ بِحَقائِقَ عِدَّة.

أَوَّلًا، دُوَلُ الخَليجِ لَمْ تُصْدِرْ حَتّى الآنَ ما يُشيرُ إلى اسْتِعْدادِها لِلمُشارَكَةِ في مَشْروعٍ بِهَذا الحَجْم. بَل إِنَّ التَّصْريحاتِ المُتَداوَلَةَ تُؤَكِّدُ أَنَّ بِناءَ الثِّقَةِ هُوَ الشَّرْطُ الأَوَّلُ قَبْلَ الحَديثِ عَنْ أَيِّ اسْتِثْماراتٍ واسِعَةِ النِّطاق. وَهَذا مَوْقِفٌ مَنْطِقِيّ؛ فالعَلاقاتُ الِاقْتِصادِيَّةُ المُسْتَقِرَّةُ لا تُبْنى على النَّوايا وَحْدَها، بَل على الثِّقَةِ والِالتِزاماتِ المُتَبادَلَةِ واحْتِرامِ المَصالِحِ المُشْتَرَكَة.

ثانِيًا، مِنَ الصَّعْبِ تَصَوُّرُ أَنْ دُوَلًا تَعَرَّضَتْ خِلالَ العُقودِ الماضِيَةِ لِتَهْديداتٍ أَمْنِيَّةٍ مُباشِرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُباشِرَة، أَوْ تَحَمَّلَتْ تَكاليفَ اقْتِصادِيَّةً وَأَمْنِيَّةً كَبيرَةً نَتيجَةَ التَّوَتُّرِ الإِقْليمِيّ، سَوْفَ تَتَّجِهُ تِلقائِيًّا إلى تَمْويلِ مَشْروعٍ ضَخْمٍ مِنْ دونِ تَغْييرٍ جَوْهَرِيٍّ في البيئَةِ السِّياسِيَّةِ التي أَنْتَجَتْ تِلكَ التَّوَتُّرات.

لَكِن، حَتّى لَوْ تَجاوَزْنا سُؤالَ المُمَوِّل، فَإِنَّنا نَصْطَدِمُ بِسُؤالٍ آخَرَ أَكْثَرَ تَعْقيدًا: هَلِ البيئَةُ الِاقْتِصادِيَّةُ الإيرانِيَّةُ جاهِزَةٌ أَصْلًا لِاسْتِقْبالِ اسْتِثْماراتٍ بِهَذا الحَجْم؟.

المُشْكِلَةُ هُنا لَيْسَتْ في تَوَفُّرِ المالِ فَقَط، بَل في قُدْرَةِ الِاقْتِصادِ على اسْتيعَابِهِ وَإِدارَتِهِ بِكَفاءَة. فالِاقْتِصادُ الإيرانِيُّ لا يَزالُ يُعاني مِنْ هَيْمَنَةٍ واسِعَةٍ لِلقِطاعِ العَامِّ وَشِبْهِ العَامّ. وَهُناكَ مُؤَسَّساتٌ نافِذَةٌ تَمْتَلِكُ حُضورًا اقْتِصادِيًّا كَبيرًا، مِنَ "الحَرَسِ الثَّوْرِيّ" إلى شَبَكاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ أُخْرى مُرْتَبِطَةٍ بِمَراكِزِ القُوَّةِ المُخْتَلِفَة. كَما أَنَّ تَعَدُّدَ مَراكِزِ القَرار، وَضَعْفَ الشَّفافِيَّة، واسْتِمْرارَ العُقوباتِ في بَعْضِ القِطاعَات، كُلَّها عَوامِلُ تَجْعَلُ المُسْتَثْمِرَ الأَجْنَبِيَّ شَديدَ الحَذَر.

فالمُسْتَثْمِرُ لا يَبْحَثُ عَنِ الأَرْباحِ فَقَط، بَل يَبْحَثُ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ وُضوحِ القَوانين، واسْتِقْرارِ السِّياسات، وَضَماناتِ المِلْكِيَّة، وَآلِيّاتِ فَضِّ النِّزاعات. وَهَذِهِ العَناصِرُ لا تُبْنى بِقَرارٍ سِياسِيٍّ أَوْ مُؤْتَمَرٍ صُحُفِيّ، بَل تَحْتاجُ إلى إِصْلاحاتٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ عَميقَةٍ قَدْ تَسْتَغْرِقُ سَنَوات.

الحديث عن 300 مليار دولار أقرب إلى عنوان سياسي منه إلى مشروع اقتصادي

وَتَجارِبُ العَالَمِ في إِعَادَةِ الإِعْمارِ تُؤَكِّدُ هَذِهِ الحَقيقَة. فالأَمْوالُ وَحْدَها لا تَكْفي لِإِعادَةِ بِناءِ الِاقْتِصادات. لَقَدْ تَدَفَّقَتْ مِلْياراتُ الدّولاراتِ على عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ الخارِجَةِ مِنَ الحُروبِ خِلالَ العُقودِ الماضِيَة، إِلّا أَنَّ النَّتائِجَ تَفاوَتَتْ بِشِدَّةٍ بَيْنَ دَوْلَةٍ وَأُخْرى. السَّبَبُ لَمْ يَكُنْ حَجْمَ التَّمْويل، بَل طَبيعَةَ المُؤَسَّساتِ التي أَدارَتْ ذَلِكَ التَّمْويل. فَفي الدُّوَلِ التي تَمَتَّعَتْ بِقَواعِدَ قانونِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ وَإِدارَةٍ كَفؤة، تَحَوَّلَتِ الأَمْوالُ إلى نُمُوٍّ وَفُرَصِ عَمَل. أَمّا في الدُّوَلِ التي اسْتَمَرَّتْ فيها شَبَكاتُ النُّفوذِ والصِّراعاتُ الدّاخِلِيَّةُ فَقَدْ تَبَخَّرَتْ أَجْزاءٌ كَبيرَةٌ مِنْ تِلْكَ المَوارِدِ مِنْ دونِ تَحْقيقِ النَّتائِجِ المُعْلَنَة.

وَمِنْ هُنا يَبْرُزُ الفَرْقُ بَيْنَ التَّمْويلِ السِّياسِيِّ والِاسْتِثْمارِ التِّجارِيّ. التَّمْويلُ السِّياسِيُّ قَدْ يُدْفَعُ لِتَحْقيقِ هَدَفٍ اسْتراتيجِيٍّ أَوْ لِشِراءِ الِاسْتِقْرارِ المُؤَقَّت، أَمّا الِاسْتِثْمارُ التِّجارِيُّ فَيَبْحَثُ عَنِ العَائِدِ والِاسْتِدامَة. وَإِذا كانَ الحَديثُ يَدورُ فِعْلًا عَنْ اسْتِثْماراتٍ بِمِئاتِ المَلايين، فَإِنَّ المُسْتَثْمِرينَ المُحْتَمَلينَ سَوْفَ يَنْظُرونَ أَوَّلًا إلى البيئَةِ القانونِيَّةِ والمُؤَسَّسِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَنْظُروا إلى حَجْمِ السّوقِ أَوِ المَوارِدِ الطَّبيعِيَّة.

لِهَذا يَبْدو الحَديثُ عَنْ 300 مِلْيارِ دولارٍ أَقْرَبَ إلى عُنْوانٍ سِياسِيٍّ مِنْهُ إلى مَشْروعٍ اقْتِصادِيٍّ مُكْتَمِلِ المَعالِم. فالرَّقْمُ كَبير، لَكِنَّ الطَّريقَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ تَعْقيدًا مِنْ مُجَرَّدِ الإِعْلانِ عَنْه.

وَيَبْقى احْتِمالٌ آخَرُ لا يُمْكِنُ تَجاهُلُه. فَرُبَّما يَكونُ طَرْحُ هَذا الرَّقْمِ مُوَجَّهًا بِالدَّرَجَةِ الأولى إلى الدّاخِلِ الإيرانِيّ. فَبَعْدَ سَنَواتٍ مِنَ العُقوباتِ والتَّضَخُّمِ والضُّغوطِ المَعيشِيَّة، يَحْتاجُ أَيُّ اتِّفاقٍ جَديدٍ إلى رِوايَةٍ تَبْعَثُ الأَمَلَ لَدى المُواطِنين. وَعِنْدَما يَسْمَعُ النّاسُ عَنْ مِئاتِ المَلايينِ القادِمَةِ إلى الِاقْتِصاد، فَإِنَّ الرِّسالَةَ السِّياسِيَّةَ تُصْبِحُ واضِحَة: المُسْتَقْبَلُ أَفْضَلُ مِمّا كانَ عَلَيْهِ الماضي.

المال لا يصنع الاستقرار ما لم تسبقه الثقة ويحرسه القانون

غَيْرَ أَنَّ المُشْكِلَةَ في الوُعودِ الِاقْتِصادِيَّةِ الكُبْرى أَنَّها سُرْعانَ ما تُخْتَبَرُ بِالواقِع. فَإِذا لَمْ تَظْهَرْ مَشاريعُ حَقيقِيَّة، واسْتِثْماراتٌ فِعْلِيَّة، وَفُرَصُ عَمَلٍ مَلموسَة، فَإِنَّ الأَرْقامَ تَتَحَوَّلُ مِنْ مَصْدَرِ أَمَلٍ إلى مَصْدَرِ إِحْباط.

لِهَذا يَبْقى السُّؤالُ مَفْتوحًا: هَل نَحْنُ أَمامَ مَشْروعٍ اقْتِصادِيٍّ قابِلٍ لِلحَياة، أَمْ أَمامَ رَقْمٍ سِياسِيٍّ كَبيرٍ أُضيفَ إلى مُذَكِّرَةِ تَفاهُمٍ غامِضَةٍ لِشِراءِ الوَقْتِ وَتَهْدِئَةِ التَّوَقُّعات؟ الأَيّامُ القادِمَةُ وَحْدَها سَتُجيب. لَكِنَّ المُؤَكَّدَ أَنَّ بِناءَ الثِّقَةِ أَصْعَبُ مِنْ جَمْعِ الأَمْوال، وَأَنَّ إِصْلاحَ المُؤَسَّساتِ أَكْثَرُ أَهَمِّيَّةً مِنَ الإِعْلانِ عَنِ الأَرْقام، وَأَنَّ الِاقْتِصادَ لا يَنْهَضُ بِالوُعودِ مَهْما كانَ حَجْمُها. فالمالُ قَدْ يَفْتَحُ الأَبْواب، لَكِنَّهُ لا يَصْنَعُ الِاسْتِقْرارَ ما لَمْ تَسْبِقْهُ الثِّقَةُ وَيَحْرُسْهُ القانون.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن