وجهات نظر

أَوْهامُ عَوْدَةِ المَلَكِيَّةِ إلى مِصْر!

تَبَدَّتْ حَمَلاتٌ لافِتَةٌ بِذاتِها وَتَوْقيتِها وَسِياقِها لِعَوْدَةِ المَلَكِيَّةِ إلى مِصْرَ في الذِّكْرى الرّابِعَةِ وَالسَّبْعينَ لِثَوْرَةِ يولْيو/تَمّوز. عَوْدَةُ المَلَكِيَّةِ تَعْني -بِالضَّبْطِ- نَزْعَ شَرْعِيَّةِ ثَوْرَةِ يولْيو.

أَوْهامُ عَوْدَةِ المَلَكِيَّةِ إلى مِصْر!

هُناكَ فارِقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ قِراءَةِ التّاريخِ بِمَوْضوعِيَّةٍ وَإِِنْصافٍ وَبَيْنَ تَزْييفِهِ عَنْ قَصْدٍ بِإِِضْفاءِ أَوْصافٍ وَصِفاتٍ على النِّظامِ المَلَكِيِّ لَمْ تَكُنْ مِنْ طَبيعَتِه.

بِالمُفارَقَةِ أَمْعَنَتْ صَحيفَةُ "أَخْبارِ اليَوْم"، التي كَانَتْ مُقَرَّبَةً مِنَ القَصْرِ المَلَكِيّ، في التَّشْهيرِ بِالمَلِكِ وَلَياليهِ وَمَباذِلِهِ بَعْدَ ثَوْرَةِ يولْيو/تَمّوز، كَما كَتَبَ رَئيسُ تَحْريرِها "مُصْطَفى أَمين"!

وَبِمُفارَقَةٍ ثانِيَةٍ حاوَلَ كُتّابٌ صُحُفِيّونَ مِنْ الجيلِ نَفْسِه، أَنْ يَرْووا بِأَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ التَّوْثيقِ وَالمَوْضوعِيَّةِ قِصَّتَه، وَكَيْفَ وَصَلَ إلى النِّهايَةِ - كَما كَتَبَ "أَحْمَد بَهاء الدّين" بِحِسِّ فَنّانٍ وَعَقْلِ مُؤَرِّخٍ، وَ"مُحَمَّد عَوْدَة" بِما تَوافَرَ لَدَيْهِ مِنْ وَثائِقَ وَشَهاداتٍ وَقُدْرَةٍ على التَّأْريخ.

الملك افتقد الحد الأدنى من الرشد في إِدارة الشأن العام

بِمُناسَبَةِ مُرورِ خَمْسينَ سَنَةً على ثَوْرَةِ يولْيو/تَمّوزَ طَرَحَ "محَمَّد حَسَنَيْن هَيْكَل" سُؤالًا جَوْهَرِيًّا، تَضَمَّنَهُ كِتَابُهُ "سُقوطُ نِظامٍ: لِماذا كَانَتْ ثَوْرَةُ يولْيو 1952 لازِمَةً؟"

أَتاحَتْ لَهُ مَجْموعاتُ الوَثائِقِ البَريطانِيَّةِ وَالأَميركِيَّةِ وَمُذَكَّراتُ وَشَهاداتُ أَبْطالِ المَرْحَلَةِ أَنْ يُعيدَ بِناءَ القِصَّةِ مِنْ جَديدٍ بِأَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ التَّحَرّي وَالتَّدْقيق.

في مَجْموعَاتِ الوَثائِقِ وَالشَّهاداتِ تَبَدَّتْ حَقيقَةٌ واحِدَةٌ هِيَ أَنَّ النِّظامَ المَلَكِيَّ تَهاوى مِنْ داخِلِه، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ لِإِِزاحَتِه.

عِنْدَما صَدَرَ كِتَابُ "فاروق الأَوَّل... المَلِكُ الذي غَدَرَ بِهِ الجَميع" لِـ "عادِل ثابِت"، أَحَدِ أَقْرِبائِهِ رَدَّ عَلَيْهِ الكاتِبُ الصُّحُفِيُّ "حِلْمي سَلام"، وَقَدْ كانَ مُقَرَّبًا مِنْ "جَمال عَبْدِ النّاصِر"، بِمَقالٍ شَرَحَ فيهِ كَيْفَ غَدَرَ المَلِكُ بِنَفْسِه.

في مُذَكَّراتِ "كَريم ثابِت"، مُسْتَشارِ المَلِكِ الصَّحافِيّ، رَصْدٌ لِتَناقُضاتِ شَخْصِيَّةِ "فاروق" حَتّى "خَشِيَ مِنْ أَنْ يُفْضِيَ طولُ شَرْحِها بِالإيضاحِ إلى أَنْ يَمَلَّ القارِئ"!

لَمْ يَكُنْ "فاروق" -على سَبيلِ المِثالِ- "زيرَ نِساءٍ، كَما حاوَلَ أَنْ يُصَوِّرَ نَفْسَهُ بِمَظاهِرَ حَرَصَ بِكُلِّ الوَسائِلِ على تَحْريضِ النّاسِ على تَصْديقِها".

بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَواطِنِ الإِثارَةِ في مِثْلِ تِلْكَ القِصَص، إِلّا أَنَّها حَطَّمَتْ هَيْبَةَ الحُكْمِ بِخُروجِها إلى العَلَنِ وَشُيوعِها بَيْنَ النّاس.

كانَ حادِثُ 4 فِبْرايِرَ/شُباطَ 1942، قَبْلَ عَشْرِ سَنَواتٍ مِنْ إِِطاحَةِ المَلِك، نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ جَوْهَرِيَّةً في العَلاقاتِ بَيْنَ قُصورِ الحُكْمِ بِكُلِّ تَعْقيداتِها ـ قَصْرِ عابِدينَ حَيْثُ يَحْكُمُ المَلِك، وَقَصْرِ لاظوغْلي حَيْثُ الحُكومَة، وَقَصْرِ الدّوبارَةِ حَيْثُ يُِمْلي السَّفيرُ البَريطانِيُّ الكَلِمَةَ الأَخيرَة.

بِصِياغَةٍ أُخْرى، فَهُوَ اليَوْمُ المُؤَسِّسُ لِكُلِّ ما جَرى حَتّى 23 يولْيو.

في ذَلِكَ اليَوْم، وَجَّهَ السَّفيرُ البَريطانِيُّ السّير "مايْلز لامْبْسون" إِِنْذارًا إلى المَلِكِ الشّابِّ "فاروق"، الذي دَأَبَ على وَصْفِهِ بِـ "الوَلَدِ"، وَكانَ الوَصْفُ شائِعًا على لِسانِهِ وَسَجَّلَهُ تَكْرارًا في مُذَكَّراتِه.

كانَ "فاروق" وَقْتَها في الثّانِيَةِ وَالعِشْرينَ مِنْ عُمْرِه.

يَقولُ نَصُّ الإِِنْذار: "إِِذا لَمْ أَعْلَمْ قَبْلَ السّاعَةِ السّادِسَةِ مِنْ مَساءِ اليَوْمِ أَنَّ مُصْطَفى النَّحّاس دُعِيَ إلى تَأْليفِ الوِزارَةِ فَإِِنَّ المَلِكَ فاروق يَتَحَمَّلُ تَبِعاتِ ما يَحْدُث".

كانَ ذَلِكَ هُوَ الانْقِلابَ الأَوَّلَ في السِّياسَةِ المِصْرِيَّةِ المُعاصِرَة.

في الوَقْتِ عَيْنِهِ كانَتْ واحِدَةً مِنْ المَآسي السِّياسِيَّةِ وَالِإِِنْسانِيَّةِ في قِصَّةِ مِصْرَ قَبْلَ يولْيو، أَنَّ المَلِكَ افْتَقَدَ الحَدَّ الأَدْنى مِنَ الرُّشْدِ في إِِدارَةِ الشَّأْنِ العامّ، اسْتَغْرَقَ في الانْقِلاباتِ الدُّسْتورِيَّة، وافْتَقَدَ نِظامُ الحُكْمِ أَيَّ اسْتِقْرارٍ في لَحْظَةِ قَلَقٍ عامَّةٍ بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، وَالنّارُ تَحْتَ الرَّمادِ بَعْدَ نَكْبَةِ فِلَسْطين.

الأَدْهى وَالأَسْوَأُ أَنَّهُ أَنْشَأَ تَنْظيمًا مُسَلَّحًا "الحَرَسَ الحَديدِيّ" لاِغْتِيالِ خُصومِهِ السِّياسِيّين.

مِنْ دَواعِي الدّْراما في تِلْكَ الفَتْرَةِ المُتَقَلِّبَة، أَنَّ المَلِكَ فَكَّرَ في "انْقِلابٍ أَبْيَضَ" يُعلنُ بَعْدَهُ "ديكْتاتورِيَّةٌ عَسْكَرِيَّةٌ" تَحْكُمُ بِمَراسيمَ لَها قُوَّةُ القانونِ مع تَأجيلِ أَيَّ انْتِخاباتٍ بَرْلَمانِيَّةٍ إلى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمًّى ـ كَما تَكْشِفُ البَرْقِيّاتُ البَريطانِيَّة.

أَجْهَضَتْ حَرَكَةُ "الضُّباطِ الأَحْرارِ" تَفْكيرَهُ وَسَبَقَتْهُ قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ بِهِ إلى المَنْفى.

في لَحْظَةِ تَصَدُّعِ النِّظامِ المَلَكِيّ، تَبَدَّتْ قُدُراتُ "جَمال عَبْدِ النّاصِر" على إِِدارَةِ المَواقِفِ الحَرِجَة.

أَطاحَ الحُكومَةَ وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَهْدِفُ ذَلِكَ في البِدايَةِ عِنْدَما رَآها تَتَرَنَّحُ أَمامَه.

وَأَطاحَ المَلِكَ الذي لَمْ يَكُنْ مُخَطََّطًا مُسْبَقًا عِنْدَما رَآهُ يَتَهاوى أَمامَ نَظَرِه.

كانَ نَجاحُ الحَرَكَةِ في صَبيحَةِ 23 يولْيو مُلَغَّمًا بِاحْتِمالِ تَدَخُّلِ القُوّاتِ البَريطانِيَّة، التي تَبْلُغُ 120 أَلْفَ جُنْدِيٍّ في مُعَسْكَراتِ قَناةِ السُّوَيْسِ لِإِِجْهاضِها.

بَدا كُلُّ احْتِمالٍ مُرْتَهَنًا بِمَدى الدَّعْمِ الشَّعْبِيِّ الذي تَحوزُهُ الحَرَكَة.

إِِذا ما كانَ قَوِيًّا فَإِِنَّهُ قُوَّةُ رَدْعٍ لِأَيِّ احْتِمالِ تَدَخُّل.

هَذا ما حَدَثَ بِالضَّبْط.

الحديث عن صلة "الضباط الأحرار" بالاستخبارات الأميركية كلام فارغ

بِحُكْمِ الوَثائِقِ البَريطانِيَّة، كانَتْ هُناكَ خُطَّةٌ جاهِزَةٌ يُطْلَقُ عَلَيْها "رودْيو" لاِحْتِلالِ القاهِرَةِ وَالدِّلْتا وَالإِِسْكَنْدَرِيَّةِ لَدى أَيِّ طارِئٍ مُفَاجِئٍ وَجَرى الاِسْتِعْدَادُ لِتَنْفيذِها.

اعْتَمَدَتْ تِلْكَ الخُطَّةُ على القُوَّةِ المُجَرَّدَةِ بِلا أَيِّ غِطاءٍ قانونِيٍّ بَعْدَ إِِلغاءِ اتِّفاقِيَّةِ 1936.

بِحُكْمِ الوَثائِقِ عَيْنِها، فَإِِنَّ المَلِكَ "فاروق" طَلَبَ التَّدَخُّلَ العَسْكَرِيَّ البَريطانِيَّ لِإِِجْهاضِ التَّمَرُّدِ عَلَيْهِ على نَحْوِ ما فَعَلَهُ عَمُّهُ الخِدِيو "توفيق" عامَ 1882، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَلَقَّ إِِجابَةً.

بَدا "فاروق" مَذْعورًا ـ وِفْقَ بَرْقِيَّةٍ لِلسَّفيرِ الأَميركِيِّ "جيفِرْسون كافري"، الذي أَخَذَ يُهَدِّئُهُ مِنْ دونِ جَدْوى.

بِقُوَّةِ الوَثائِقِ الدّامِغَةِ فَإِِنَّ أَيَّ حَديثٍ عَنْ صِلَةٍ ما رَبَطَتْ "الضُّباطَ الأَحْرارَ" بِالِاسْتِخْباراتِ الأَميركِيَّةِ مَحْضُ كَلامٍ فارِغ.

كَانَ تَغْييرُ الوِزاراتِ بَعْدَ حَريقِ القاهِرَةِ في 26 يَنايِر/كانونَ الثّاني 1952 حَدَثًا مُتَوَقَّعًا كُلَّ لَحْظَة.

الرهان على إِلغاء التاريخ فاشل

شَهِدَتْ تِلْكَ الفَتْرَةُ إِِقالَةَ وِزارَةِ "الوَفْدِ" بِرِئاسَةِ "مُصْطفى النَّحّاس"، وَتَوَلّي "عَلي ماهِر" مَقاليدَها، ثُمَّ جاءَ المَلِكُ بِـ "نَجيب الهِلالِيّ" بَعْدَ شَهْرٍ واحِدٍ قَبْلَ أَنْ يُِقيلَهُ هُوَ الآخَرَ في ظُروفٍ مُريبَةٍ بِصَفْقَةٍ مالِيَّةٍ بَلَغَتْ مِلْيونَ جُنَيْهٍ، دَفَعَها "أَحْمَد عَبّود" وَسَجَّلَتْها بَرْقِيّاتُ السَّفارَةِ البَريطانِيَّة، ثُمَّ كَلَّفَ "حسَيْن سِرّي" بِحُكومَةٍ رابِعَةٍ قَبْلَ أَنْ يَعودَ لِـ "الهِلالِيّ"، لَكِنَّ حُكومَتَهُ لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ الِاجْتِماع، فَقَدْ أَطاحَتْ "يولْيو" بِاللُّعْبَةِ كُلِّها.

جَرى ذَلِكَ كُلُّهُ في أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ.

لا كانَ هُناكَ دُسْتورٌ يُحْتَرَم، وَلاَ حُكومَةٌ تَحْظى بِرِضا شَعْبِها، وَلاَ مَلِكٌ يَنْتَسِبُ إلى أَيِّ قيمَةٍ حَديثَةٍ.

بَدا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُؤْذِنُ بِالمَغيبِ قَبْلَ أَنْ تَحُلَّ النِّهايَةُ وَتُطْوى صَفْحَةُ حُكْمِ أُسْرَةِ "محَمَّد عَلِيّ" إلى الأَبَد.

الرِّهانُ على إِِلغاءِ التّاريخِ بِعَوْدَةِ المَلَكِيَّةِ فاشِلٌ حَتْمًا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن