بصمات

تَعزيزُ السَّطحِيَّةِ وَتَعظيمُ البَسيط!

قَدْ تَخْتَلِفُ البَشَرِيَّةُ على تَحْديدِ اهْتِماماتِهَا وَأَوْلَوِيّاتِهَا في هَذِهِ الحَياة، فَيَحْدُثُ التَّنَوُّعُ في مُعايَنَةِ القِيَم. يَتَنافَسُ الكُلُّ في تَأْمينِ فُرَصِ الحَياةِ الكَريمَة. فَتَرى الدُّوَلَ تُقيمُ مَشاريعَ التَّنْمِيَةِ وَالنَّهْضَةِ لِتَصْنَعَ مِنَ المُجْتَمَعِ مَكانًا حَضارِيًّا آمِنًا يَليقُ بِحُضورِ الإِنْسانِ المُنْتِجِ في العالَم.

تَعزيزُ السَّطحِيَّةِ وَتَعظيمُ البَسيط!

أَوَّلُ مَا تَهْتَمُّ بِهِ الدُّوَلُ هُوَ التَّعْليم، لِصِناعَةِ الإِنْسانِ القارِئِ الفاهِمِ مُقابِلَ الإِنْسانِ الجاهِلِ العَبَثِيّ. فَلَئِنْ تَمَكَّنَ المَرْءُ مِنَ التَّعَلُّم، عَرَفَ كَيْفَ يَتَجاوَزُ عَوائِقَ التَّقَدُّمِ المَرْهونِ بِالفَهْمِ العَميقِ وَالبَحْثِ الدَّقيقِ وَالعَمَلِ الجَهيد، بِتَلازُمٍ وَثيقٍ بَيْنَ التَّعَبِ وَالفَرَح، تَتَوَلَّدُ آثارُهُ تِباعًا في مَظاهِرِ الرَّفاه، المادِّيِّ وَالمَعْنَوِيّ، لِإِبْقاءِ الرِّفْعَةِ الأَخْلاقِيَّةِ مَرْتَبَةً لَا يَشوبُهَا خَلَل.

هَذا مَا تَبْدو عَلَيْهِ المُجْتَمَعاتُ الهادِفَة، أَمّا المُجْتَمَعاتُ التي تَسيرُ بِلا أُفُقٍ فَإِنَّها مَحاجِرُ الخَراب، إِذْ لا مَجالَ لِلْحَديثِ عَنِ الوَعْيِ القِيَمِيِّ المُكَثَّف، وَلا عَنْ شَخْصِيَّةٍ مُتَعَلِّمَةٍ تُظْهِرُ كَيْنونَةَ الإِنْسانِ السِّياسِيِّ في إِدارَةِ الأُمور.

الباحث المتفرّغ استُبدل بباحث مُسيّر في مراكز صنع القرار

ما يَلْفِتُ اليَوْمَ في بِلادِنَا هُوَ اشْتِدادُ السَّطْحِيَّةِ في الأَماكِنِ التي أُنيطَ بِها التَّأْسيسُ لِلْفِكْرِ الحُضورِيِّ المَكين، أَيْ أَماكِنُ التَّخْطيطِ وَالتَّأْثيرِ بِالكَلامِ الجَديد، كَالْجامِعاتِ وَالمَدارِسِ بِالدَّرَجَةِ الأولى، ثُمَّ مُؤَسَّساتِ الفِكْرِ وَالسِّياسَةِ وَمَراكِزِ البَحْثِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَراكِزِ صُنْعِ القَرار.

لَقَدْ وَصَلَتْ مَظاهِرُ الهَشاشَةِ المَعْرِفِيَّةِ وَالفَقْرِ المَفْهومِيِّ في المَدارِسِ مَثَلًا، إلى أَنْ تَرى التِّلْميذَ يَصِلُ إلى الصُّفوفِ العُلْيا، وَهُوَ لا يُجيدُ القِراءَةَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّة، أَوْ لَا يَعْرِفُ أَنْ يَكْتُبَ "مَوْضوعَ إِنْشاء"، وَهُوَ بِطَبيعَةِ الحالِ غَيْرُ مُهْتَمٍّ بِالقِراءَةِ وَالمُطالَعَة. وَالسَّبَبُ لَيْسَ الهَواتِفَ النَّقّالَةَ وَالتِّكْنولوجْيا، كَما دَرَجَتِ الحُجَّة، بَلْ في مُحْتَوى كَثيرٍ مِنَ النُّصوصِ السَّطْحِيَّةِ في المَراحِلِ الِابْتِدائِيَّة، وَمَا تَلاها، وَقِلَّةِ اهْتِمامِ المَدارِس، الرَّسْمِيَّةِ وَالخاصَّة، بِتَشْجيعِ الطّالِبِ على التَّعَمُّقِ في اللُّغَةِ لِيُبْدِعَ فيها. فَيَبْقى هَذا الكائِنُ الضَّعيفُ الذي يَدْرُس، وَيَدْفَعُ مَبالِغَ هائِلَةً في كَثيرٍ مِنْ هَذِهِ المُؤَسَّسات، مُهْمَلًا سائِبًا حَتّى يَصِلَ إلى الجامِعَة. وَفي الجامِعَات، كَما نَعْرِف، قَلَّ الِاهْتِمامُ بِكُلِّيّاتِ الآدابِ وَالعُلومِ الإِنْسانِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّة، حَتّى مِنْ إِداراتِ الجامِعاتِ نَفْسِها، الرَّسْمِيَّةِ وَالخاصَّةِ على حَدٍّ سَواء، بِسَبَبِ سِياساتِ الدُّوَلِ التي سَمَحَتْ بِذَلِك، وَعَمِلَتْ بِوَقاحَةٍ وَتَفاهَةٍ على تَخْريجِ أَعْدادٍ هائِلَةٍ مِنَ المُحاسِبينَ وَالمُهَنْدِسينَ العادِيّينَ المُقَلِّدينَ وَالتِّقْنِيّينَ وَصانِعِي الإِعْلانات، ثُمَّ تَهْجيرِ جُلِّهِمْ إلى مَراكِزِ المالِ وَالأَعْمالِ في الدُّوَلِ الكُبْرى، وَفَضَّلَتْ ذَلِكَ على التَّأْسيسِ العِلْمِيِّ وَالتَّفْكيرِ الحَثيثِ لِبِناءِ الوَطَن.

أَمّا في مَراكِزِ صُنْعِ القَرارِ الأُخْرى التي تُهَيْمِنُ على المَشْهَدِ الثَّقَافِيِّ بِالكامِل، فَإِنَّ بِناءَ خِطابٍ، يَحْكي ما يَجْري، وَصَلَ إلى مُسْتَوًى يَقْبَلُ فيهِ المُتَلَقّي التَّكَيُّفَ مَعَ الفِكْرِ المُبْتَسَرِ الذي أَداتُهُ التَّبْسيطُ المُخِلُّ بِوَقْعِ الحَوادِثِ في النُّفوس، بِحَيْثُ تَغْدو الخِفَّةُ المَعْرِفِيَّةُ هِيَ المَدى الأَقْصى الذي لا يُمْكِنُ تَجاوُزُهُ بِسَبَبِ إِقْصاءِ النَّظَرِ المُتَبَصِّرِ العَميقِ القائِمِ على الرَّصانَةِ في سَبيلِ إِنْتاجِ التَّحْليلِ المَتينِ المُرَكَّبِ بِأَناةٍ وَتُؤَدَة. لَمْ يَعُدْ مُهِمًّا في تِلْكَ المَراكِزِ مَقامُ الباحِثِ المُتَفَرِّغ، الذي يَخوضُ تَجْرِبَةَ المَعْرِفَةِ المُناضِلَة، وَاسْتُبْدِلَ بِباحِثٍ مُسَيَّرٍ يَأْتي وِفْقَ بَرْنامَجِ تَدْريبٍ مُسْبَق، لا يُخالِفُ فيهِ سِياساتِ العَمَل، فَيُقَيِّدُ نَتائِجَ بَحْثِهِ بِمُسَلَّمَاتٍ وَشُروطٍ قَبْلِيَّةٍ لا يُمْكِنُ تَجاوُزُها. نَفْقِدُ هُنا مَا نُسَمّيهِ ابْتِكارَ المَعْرِفَةِ وَتَأْسيسَ المَوْقِفِ الصُّلْبِ القادِرِ على تَجاوُزِ طَبَقَةِ الوَعْيِ القِشْرِيِّ بِالأُمور.

وَلِنُوَضِّحْ أَكْثَرَ مَقْصودَنا مِنْ هَذا الوَصْفِ لِمَشاهِدِ الِابْتِذالِ وَالتَّهافُتِ الفِكْرِيَّيْن، نُعاوِدُ النَّظَرَ في مَسْأَلَةِ الخَلْطِ بَيْنَ التَّفْكيرِ وَصِناعَةِ المُحْتَوى، بِحَيْثُ إِنَّ الثّانِيَةَ إِذا ما أُسيءَ اسْتِخْدامُها لِتَحُلَّ مَحَلَّ التَّفْكيرِ التَّأَمُّلِيِّ سَتُؤَدّي إلى الفَهْمِ العَجولِ الذي يَسْتَسْهِلُ تَفْريغَ العَمَلِ الفِكْرِيِّ مِنَ الجُهْدِ التَّأْويلِيِّ المُمتَدِّ داخِلَه، فَيَكْتَفي بِالعَرْضِ السَّريعِ لِتَفْسيرِ الظّاهِرات، كَأَنَّها مُعادَلَاتٌ حِسابِيَّةٌ وَأَرْقامٌ مَعْدودَة، لَا هَدَفَ مِنِ اسْتِعْراضِهَا سِوى تَقْسيمِ البَحْثِ فيها إلى أَسْبابٍ مُباشِرَةٍ تَخْتَزِلُ الدَّوْرَةَ النَّظَرِيَّةَ لِلْفِكْرِ بِصُوَرٍ وَبَياناتٍ وَإِحْصاءاتٍ تُحَيِّزُ مَجالَ النَّظَر، ما يُؤَسِّسُ عَجْزًا عَنْ اسْتِخْدامِ الخَزينِ التَّأْويلِيِّ أَوِ التَّبَحُّرِ المَعْرِفِيّ، وَالِاكْتِفاءَ بِاسْتِهْلاكِ المَعارِفِ المَبْثوثَةِ وُصولًا إلى أَهْدافٍ بَسيطَةٍ ساذَجَة. هُنا نَحْنُ لَا نُقَلِّلُ مِنْ قيمَةِ الأَهْدافِ التي قَدْ تَكونُ مُهِمَّة، لَكِنَّ سَطْحِيَّةَ المُعالَجَةِ لِلْإِشْكالاتِ وَالعَوائِقِ تَكونُ قَدْ فَعَلَتْ فِعْلَها في وَسْمِ الخِطابِ المُؤَسِّسِ بِالضَّحالَةِ وَقِصَرِ النَّظَرِ وَالِاخْتِزال.

الثقافة السطحية تُحدث انفكاكًا تدميريًا لبنية المجتمع

في هَذا السِّياقِ مِنَ العَمَلِ الثَّقافِيِّ الِاسْتِهْلاكِيِّ يَصْبِحُ الفِكْرُ عَمَلًا ثانَوِيًّا، وَيَبْرُزُ عَمَلُ تَجْميعِ الأَفْكار، أَيْ الِاسْتِهْلاكُ المَعْرِفِيُّ وَإِعادَةُ تَدْويرِ المَعْلومات، بَديلًا مِنْ صِناعَةِ المَعْرِفَةِ وَإِبْداعِ العُلوم. لَنْ تُؤَدِّيَ هَذِهِ المَراكِزُ عِنْدَئِذٍ دَوْرَها في تَغْييرِ الواقِعِ وَصُنْعِ الأَثَر، وَلَنْ يَكونَ اشْتِغالُها الفِكْرِيُّ مُؤَسِّسًا لِثَقافَةٍ أَوْ عاداتٍ سُلوكِيَّةٍ إِدارِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ وَتَطْبيقِيَّةٍ شامِلَةٍ ذاتِ جَدْوى، فَلا تَقْدِرُ على تَشْكيلِ مَنْظوماتٍ فِكْرِيَّةٍ كُبْرى تَسْتَفيدُ مِنْها الطَّبَقاتُ الفاعِلَةُ وَالمُؤَسَّساتُ الحاكِمَةُ وَمَراكِزُ العَمَل. إِنَّ الثَّقافَةَ السَّطْحِيَّةَ لا تَصْنَعُ الحُرِّيَّةَ وَلا تَرْبِطُ المُواطِنَ بِوَطَنِه، بَلْ تُحْدِثُ انْفِكاكًا تَدْميرِيًّا لِبُنْيَةِ المُجْتَمَعِ القائِم، لِتُصْبِحَ النُّفوسُ ذَواتًا فَرْدِيَّةً مُنْعَزِلَةً، لَا تَجْمَعُها مَطامِحُ الفَضيلَةِ وَنُبْلُ الغاياتِ المُشْتَرَكَةِ السّامِيَة.

باتَ الوَضْعُ مُلِحًّا اليَوْمَ لِإِعادَةِ النَّظَرِ في إِتاحَةِ الفُرْصَةِ لِلْفِكْرِ المُتَعَمِّقِ لَجْمًا لِلِاخْتِزالِ الحاصِل، إِذْ لا بُدَّ مِنْ بَعْثِ العَلاقَةِ الحَيَّةِ بَيْنَ الفِكْرِ وَالواقِع. فَالحاجَةُ إلى الفَلاسِفَةِ وَأَصْحابِ النَّظَرِيّاتِ الكُبْرى وَالمَذاهِبِ الفِكْرِيَّةِ المُؤَثِّرَةِ وَالتَّوَجُّهاتِ الدَّقيقَةِ لِفَهْمِ المُجْتَمَعاتِ أَمْرٌ لا يُمْكِنُ الِاسْتِغْناءُ عَنْه. وَلَيْسَ صَحيحًا أَنَّ التِّكْنولوجْيا الذَّكِيَّةَ مَقْرونَةٌ بِالهَشاشَةِ المَعْرِفِيَّةِ وَالإِنْجازِ المُسْتَعْجَلِ لِلْأُمور، بِحَيْثُ يُسْتَثْنى الإِنْسانُ لِوُجودِ الآلَةِ مَكانَه، بَلْ إِنَّ أَدَواتِهَا تُعَزِّزُ فُرَصَ التَّفْكيرِ الحُرِّ في الحَدَث، بِلُغَةٍ تُواكِبُ الحاضِر، بِزَخَمٍ يَنْقُلُنا مِنْ سَطْحِيَّةِ المَواقِفِ وَسَذاجَتِها إلى مَطارِحِ الإِبْداعِ وَالتَّأْثير.

لا بُدَّ مِنْ رَفْعِ مُسْتَوى العَمَلِ الفِكْرِيِّ وَالثَّقَافِيِّ في بِلادِنا، كَيْ لا نُعَظِّمَ ما لا يَسْتَأْهِلُ التَّعْظيم، فَنَغْرَقَ بِبَسائِطِ الأُمور، وَنُضَيِّعَ اسْتِثْمارَ المُمْكِناتِ المُتاحَةِ وَفُرَصَ الِانْفِتاحِ على مَراسِمِ التَّخْطيطِ وَالِابْتِداءِ بَدَلَ الِانْفِعالِ وَالهَمَجِيَّة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن