صحافة

"المشهد اليوم".. "مَدٌّ وجَزْر" حَولَ هُرْمُز والتَّفاوُضُ يُعيدُ "خَلْطَ الأَوْراق"!لبنان يُشارِكُ في مُفاوَضاتِ روما بِوَفدٍ مُوَسَّع.. وإسرائيل تُماطِلُ بِتَنفيذِ اتِّفاقِ غَزَّة


صواريخ "ذو الفقار" الإيرانية معروضة في ساحة آزادي بطهران أ.ف.ب)

بعد تهديداتٍ متبادلةٍ وانتظارٍ مُقلقٍ عاشه العالمُ خوفًا من تدهورِ الأوضاعِ وخروجِهَا عن السيطرة، أعلنَ الرئيسُ الأميركي دونالد ترامب إلغاءَ الضربةِ العسكريةِ التي كانت متوقعةً ضدَّ إيران. وتحدثَ عن وجودِ تفاهماتٍ تتعلقُ بفتحِ مضيقِ هُرمز وبالملفِ النوويِّ الإيرانيِّ، ما أثارَ الكثير من التساؤلاتِ عن الأسبابِ الكامنةِ وراءَ هذا التحول المفاجئ، الذي لا يُعدُّ الأولَ من نوعه. فترامب تراجعَ مراتٍ عدة خلالَ مسارِ الحرب، معلنًا إعطاءَ الديبلوماسيّةِ والحوارِ فرصةً بهدفِ التوصلِ إلى اتفاق. لكن هذه "الفرص" لم تُسهِم في السابقِ في تقريبِ وجهاتِ النظرِ أو تحقيقِ أيّ خرقٍ إيجابيٍ يُذكر، بل عمّقَت الخلافات وأثّرت بشكلٍ سلبيٍّ على الأسواقِ العالميّةِ وحركةِ الملاحةِ البحرية. كما أن التردّدَ في الحسمِ، يُعطي انطباعًا بغيابِ الجديةِ والحزمِ، ما يدفعُ طهران وقادتها إلى التشدّدِ أكثر في مطالبِهِم ورفضِ التنازلِ عنها.

وكانت المؤشراتُ، خلال اليومينِ الماضيينِ، ترجّحُ تنفيذَ ضربةٍ عسكريةٍ واسعةٍ ضدّ أهدافٍ إيرانيةٍ، تشملُ منشآتٍ للطاقةِ، ومراكزَ لتحليةِ المياهِ، ومنشآتٍ نوويةً، إضافةً إلى أهدافٍ استراتيجيةٍ أخرى. غير أن ترامب تراجعَ عن هذا الخيار في اللحظةِ الأخيرةِ، مبررًا قراره بطلبٍ إيرانيٍّ مدعومٍ من عددٍ من دولِ المنطقة، بالتريث. وقال إن إسرائيل ستلتزمُ بهذا التوجه أيضًا، من دون أن يصدرَ عن تلّ أبيب أيُّ تأكيدٍ رسميٍّ حولَ الأمر. لكن مصادرَ أمنيةً إسرائيليّةً أعربت عن قلقِهَا من طريقةِ إدارةِ المواجهةِ العسكريةِ مع طهرانَ، لافتةً لصحيفةِ "يديعوت أحرونوت" إلى أن عدمَ القدرة على التنبؤِ بقراراتِ ترامب يمكن أن يضرَّ، على المدَى الطويلِ، بقدرةِ الجيشِ الإسرائيليِّ على إبقاءِ مختلفِ تشكيلاتِهِ في حالةِ تأهبٍ قصوى لفتراتٍ ممتدةٍ، كما يمكن أن يؤدي إلى استنزافِه. في حين أفادَت القناةُ الثانيةُ عشرة الإسرائيليّة، بأن رئيسَ الوزراءِ بنيامين نتنياهو وأعضاء المجلس الوزاري المُصغر وضباطًا كبارًا في الجيشِ، علموا بقرارِ إلغاءِ الهجومِ عبرَ منشوراتِ الرئيسِ الأميركي وليس عبر تنسيقٍ مُسبق. ويعززُ ذلكَ الانطباعَ بأن ترامب يتعاملُ مع إسرائيلَ بوصفِهَا طرفًا ينفّذُ قراراته أو يَحجُمُ عنها بإشارةٍ منه، حتى قبلَ صدورِ أي موقفٍ رسميٍ منها، ما يخلطُ كثيرًا من الأوراقِ في منطقةٍ تعيشُ أصلًا على صفيحٍ ساخن. في الأثناءِ، ستكونُ الأعينُ متجهةً نحو المسارِ التفاوضيِّ وما سينتجُ عنه، مع استمرارِ الوساطاتِ في تدويرِ الزوايا علَّهَا تفلحُ في التوصلِ إلى تسويةٍ جديدةٍ، مع فشلِ "مذكرةِ التفاهمِ" في إيجادِ حلولٍ عمليّةٍ لملفاتٍ تبدو "مُستعصية".

وفي آخر تصريحاتِهِ، أوضحَ ترامب أن واشنطنَ تتحدثُ مع الإيرانيينَ بخصوصِ شكلِ المفاوضاتِ، التي ستبدأُ مساءَ اليومِ الاثنين. وأكدَ وجودَ اتفاقٍ بشأنِ مضيقِ هُرمزَ والبرنامجِ النوويِّ الإيراني، من دون الكشفِ عن المزيدِ من التفاصيل. وإذ أوضحَ أن بلادَهُ كانت تنوي شنَّ "هجومٍ ضخمٍ على إيرانَ، هو الأكبرُ منذُ الحربِ العالميةِ الثانيةِ"، لفتَ إلى أن السعوديةَ والإمارات وقطر وإيرانَ طلبوا منه إلغاءَ الضربةِ، مضيفًا: "سنرى ما إن كنا نستطيعُ التوصلَ إلى نزعِ السلاحِ النوويِّ من الإيرانيين". في المقابلِ، نفَى مسؤولون عسكريون في طهرانَ أن تكونَ بلادهم قد طلبت من واشنطنَ الامتناعَ عن مهاجمتِهَا، ووصفوا روايةَ ترامب بأنها "كذبةٌ جديدةٌ"، مؤكدينَ أن القوات المسلّحةَ الإيرانيّةَ في حالةِ تأهبٍ قصوى ومستعدة لأيِّ احتمال. كما شكّكت وسائلُ إعلامٍ إيرانيّةٍ في الروايةِ الأميركيّةِ المتداولةِ بشأنِ اقترابِ التوصلِ إلى اتفاقٍ، فقالت وكالةُ "مهر" الحكوميّة إن ترامب "تراجعَ مرةً أخرى عن تهديداتِهِ الجوفاء"، معتبرةً أنه حاولَ تقديم هذا التراجع للعالمِ على أنه "إنجازٌ سياسيّ". بينما دعَت صحيفةُ "كيهان"، المقربة من مكتبِ المرشدِ الإيرانيِّ، المعنيينَ إلى "إفسادِ لعبةِ ترامب"، عبر إعلانِ استبعادِ أيِّ مفاوضاتٍ أو اتفاق. واعتبرت أنه يستخدمُ الحديثَ المتكرّرَ عن قربِ التوصلِ إلى تسويةٍ لإدارةِ أسواقِ الطاقةِ والتأثيرِ في أسعارِ النفط. وباتَ معلومًا أن النظامَ الإيرانيّ يتمسّكُ بـ"خطوطٍ حمراء" يرفضُ التنازلَ عنها، وأبرزُهَا ملفُ مضيقِ هُرمزَ، الذي تحوّلَ إلى مادةِ سجالٍ "دسمةٍ" مع محاولاتِ طهرانَ "وضعَ يدِهَا عليه".

بالتزامن، أعلنت إيرانُ، أمسِ الأحد، أنها تقتربُ من التوصلِ إلى اتفاقٍ مع سلطنةِ عُمان، بشأنِ مسارٍ جديدٍ عبرَ مضيقِ هُرمز. ولفتَ المتحدثُ باسمِ الخارجيّةِ الإيرانيّةِ إسماعيل بقائي إلى أن المفاوضات الثنائيّة وصلَت إلى مراحلِهَا الختاميّةِ، وترمي إلى تجاوزِ المساراتِ غير الآمنةِ التي فرضتهَا التدخلات الخارجيّة. لكنه مع ذلكَ شدّدَ على أن الوضعَ "لا يمكنُ أن يعودَ كما كان قبلَ الحربِ، وأن واشنطنَ لم تسمحْ بعودةِ حركةِ السفنِ في المضيقِ خلالَ المدةِ المقررة". كما أوضحَ أن فتحَ المضيقِ مختلفٌ عن المفاوضاتِ مع مسقط "لأن إغلاقَهُ مرتبطٌ بانتهاكِ أميركا تعهداتها". وتمارسُ طهرانُ اللعبةَ التي تنجحُ فيها، وهي اللعبُ على التناقضاتِ وإدخالِ الأمورِ ذات الأهمية القصوى في "دوامةٍ" من التفسيراتِ المتباينةِ، بينما العالمُ يترّقبُ التوصلَ إلى ترتيباتٍ تُوقِفُ الاستنزافَ الحاصلَ في هذا الممرِ الحيويِّ والشريانِ الرئيسيِّ للاقتصاد. وفي آخرِ تحديثٍ للعملياتِ، أفادَت "سنتكوم" بأنه حتى الثاني من آب/ أغسطس، أعادَت القواتُ الأميركيّةُ توجيهَ 35 سفينةً تجاريةً، وعطَّلَت سفينتين، وصعدت على متنِ سفينتينِ أخريينِ، في إطارِ عملياتِهَا لتشديدِ الرقابةِ على حركةِ الملاحةِ في المنطقةِ ضمنَ الحصارِ البحريِّ المفروضِ على الموانئِ والسفنِ الإيرانيّة. وبالتالي، نجحَ "الحرسُ الثوري" في توظيفِ "حربِ المضائق" لصالِحِه، خصوصًا أنه يهدّدُ بفتحِ جبهاتٍ ومساراتٍ جديدةٍ في حالِ اتخاذِ قرارٍ بالتصعيدِ الشامل. ويُعَدُّ دخولُ "أذرعِهِ" في اليمن والعراق على خطِ المواجهةِ "المشتعلةِ"، خلالَ الأسبوعِ الماضي، مؤشرًا على النهجِ الذي يعتمدُهُ في توسيعِ رقعةِ المواجهةِ وإشعالِ المنطقةِ برمتها.

إلى ذلك، برزَ الدورُ الحيويُّ للمملكةِ العربيةِ السعوديةِ، إذ شدّدَ وليُّ العهدِ رئيس مجلس الوزراءِ السعودي محمد بن سلمان بن عبد العزيز، خلالَ اتصالٍ هاتفيٍّ مع ترامب، على أولويةِ الحوارِ وخفضِ التصعيدِ، وضرورةِ التوصلِ إلى تهدئةٍ تُمَهِّدُ لحلولٍ دبلوماسيّةٍ وتَحُولُ دونَ اتساعِ الحرب. في حين بحثَ وزيرُ الخارجيّةِ السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع كلٍّ من رئيسِ مجلسِ الوزراءِ وزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ونائبِ رئيسِ الوزراءِ وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، تطورات الأوضاعِ الإقليميّة. ودعا إلى التصدي لكلِّ ما من شأنِهِ المساسَ بأمنِ المنطقةِ، بما يضمنُ عودةَ حريةِ الملاحةِ البحريةِ في الخليجِ العربي والبحرِ الأحمر والحدِّ من التداعياتِ السلبيّةِ للأزمة. في الإطارِ عينِهِ، أكدت الرياضُ لطهرانَ حرصَهَا على مواصلةِ دورِهَا الإقليميّ في إحلالِ الأمنِ والاستقرارِ، بمَا يُحققُ المصالحَ المشتركةَ لجميعِ دولِ وشعوبِ المنطقةِ، خلال اتصالٍ هاتفيٍّ تلقّاهُ بن فرحان من نظيرِهِ الإيرانيِّ عباس عراقجي. وترفضُ المملكةُ التورطَ في حربٍ شاملةٍ وتبدي عدمَ رغبتِهَا في استمرارِ التصعيدِ إلى ما لا نهايةٍ لمَا لهُ من انعكاساتٍ خطيرةٍ، لكنَهَا، في الوقتِ عينِهِ، ترفضُ التنازلَ عن أمنِهَا وسيادتِها. وبدا ذلكَ واضحًا في الضرباتِ الأميركيّةِ – السعوديةِ المشتركةش على مقرّاتٍ للفصائلِ المواليةِ لإيرانَ في العراقِ، وتشدُّدِهَا في الحسمِ مع جماعةِ "الحوثي" التي قررَت دخولَ معترك الأزمةِ أيضًا والتلويح بورقةِ بابِ المندب الاستراتيجيّة. وهي خطوةٌ تُضَيفُ البحرَ الأحمر إلى بؤرِ التوترِ الإقليميِّ، إلى جانبِ مضيقِ هُرمزَ، وترفعُ احتمالاتِ اتساعِ الحربِ، التي تدخلُ شهرهَا السادسِ من دونِ مؤشراتٍ على قربِ انتهائها.

ويدركُ القاصي والداني المخططَ الكامنَ خلفَ تهديداتِ الحوثيينَ، خصوصًا أن العديدَ من المصادرِ المعنيّةِ أشارَت إلى أنهم، وبتنسيقٍ مع خبراء من "الحرسِ الثوري"، عزّزوا مواقعَ إطلاقِ الصواريخِ والطائراتِ المسيّرةِ في المرتفعاتِ المطلةِ على الحديدةِ ومضيقِ بابِ المندب، وصولًا إلى خليجِ عدن. كما حوّلًوا جزيرةَ كمران المقابلةِ لميناءِ الصليف إلى قاعدةٍ للزوارقِ المفخخةِ والطائراتِ المسيّرةِ والصواريخ. وتنفّذُ "أذرع" طهران أجندتَهَا وفقًا لتوجيهاتِهَا، فتنسحبُ من "المشهدِ" بإيعازٍ منها، وتعودُ إلى الواجهةِ كلّمَا تصاعدَت الضغوطُ على إيران. وتدركُ طهرانُ أن هذا النهجَ يثيرُ كثيرًا من الهواجسِ والمخاوفِ، لما يحملُهُ من مخاطر قد تدفعُ الشرقَ الأوسطَ نحو مزيدٍ من الصراعاتِ والمساراتِ المفتوحةِ، التي يصعبُ التنبؤُ بتداعياتِهَا. وإضافةَ إلى العاملِ الحوثي، تبدو بغدادُ حاسمةً في منعِ أيِّ اعتداءاتٍ تنطلقُ من أراضيهَا باتجاهِ دولِ الجوارِ، كما حدثَ في مراتٍ سابقة. فأعلنَ "المجلسُ الوزاري للأمنِ الوطني"، برئاسةِ رئيسِ الوزراءِ علي الزيدي، اتخاذَ "إجراءاتٍ صارمة" في هذا السياقِ، مشيرًا إلى تشكيلِ لجنةٍ أمنيةٍ مشتركةٍ لمواجهةِ التحدياتِ، ووضعِ آلياتٍ رادعةٍ تَحُولُ دونَ تكرارِ هذه الحوادث أو وقوعِ أيِّ خروقاتٍ مُحتَمَلَة. كما وجَّهَ الأجهزةَ الأمنيةَ العراقيّةَ "بإنفاذِ القانونِ، وتعزيزِ الأمنِ والاستقرارِ، والاضطلاعِ بمسؤولياتِهَا في حمايةِ السيادةِ وحسنِ الجوار". في السياقِ عينِهِ، قالَ المتحدثُ باسمِ الحكومةِ العراقيّةِ، حيدر العبودي، إن بلادَهُ "لن تكونَ جزءًا من الصراعِ في المنطقةِ"، مؤكدًا أن رؤيةَ رئيس الوزراءِ "ثابتةٌ وتستندُ إلى معطياتٍ دستوريةٍ، فالعراقُ يرفضُ أن يكون ممرًا لأيّ اعتداءٍ، مثلما يرفضُ تدخّلَ أيّ دولةٍ أخرى في شؤونِهَا الداخليّة".

وتتقاطعُ المساعي العراقية للحفاظِ على الحيادِ والاضطلاعِ بدورٍ متوازنٍ مع الجهودِ اللبنانيةِ الراميةِ إلى وقفِ الاعتداءاتِ الإسرائيليةِ المتصاعدةِ، على الرغمِ من جولاتِ المفاوضاتِ المتتاليةِ، وآخرها الجولةُ السابعةُ المرتقبة غدًا الثلاثاء. وتأتي هذه المباحثاتُ، وسطَ محاولاتٍ لتوسيعِ نطاقِ المناطقِ التجريبيةِ، وتخفيفِ حدةِ العملياتِ العسكريةِ، في وقتٍ تتذرعُ فيه إسرائيلُ بوجودِ شبكةِ أنفاقٍ لـ"حزبِ الله" لمواصلةِ عملياتِ النسفِ والقصفِ والتدميرِ الممنهجة، التي ترقَى، وفقَ توصيفاتٍ حقوقيةٍ، إلى مستوى جرائم حرب. ويشاركُ لبنانُ بوفدٍ سياسيٍّ عسكريٍّ موسّعٍ غير مسبوقٍ في مفاوضاتِ روما الحاليّة، التي تجري برعايةٍ أميركيّة. ويأملُ في أن تساعدَ واشنطن في كبحِ جماحِ تلّ أبيب، وممارسةِ الضغوطِ عليها لوقفِ سياسةِ "الأرضِ المحروقةِ" والالتزامِ بما اتُفِقَ عليه. لكن إسرائيلُ لا تبدو في واردِ المهادنةِ أو التنازلِ، خصوصًا أنها تربطُ أيَّ تطورٍ بنزعِ سلاحِ "حزبِ الله" وفرضِ الجيشِ سلطتِهِ، في حين تُعوقُ عملَهُ وتحولُ دونَ تحقيقِ انتشاره. وانفجرَ، أمسِ الأحد، "جسمٌ مشبوهٌ" في آليةٍ عسكريةٍ أثناءَ مواكبتِهَا لدخولِ الأهالي إلى بلدةِ كفرا، التابعةِ لقضاءِ بنت جبيل جنوبي البلاد، ما أسفرَ عن إصابةِ 5 من عناصرِ الجيش. وبادرَ الجيشُ الإسرائيليُّ إلى التنصلِ من الحادثةِ، متذرعًا بأن العبوةَ التي انفجرَت تعودُ لـ"حزبِ الله". وفي مقابلِ التصعيدِ، أنهَى مجلسُ الجنوبِ المرحلةَ الأولى من مسحِ الأضرارِ في قريةِ زوطر الغربية، تمهيدًا لتسليمِ المنازلِ الجاهزةِ إلى الأهالي. ومن الميدانِ إلى السياسةِ، إذ أكدَ رئيسُ الجمهوريةِ اللبنانيِّ جوزاف عون أنه "لا شرعيةَ لأيِّ سلاحٍ خارجَ شرعيةِ الدولةِ، ولا حمايةً للوطنِ إلا بجيشِهِ الوطني الجامع". وشدد على أن انسحابَ القواتِ الإسرائيليّةِ من الأراضي اللبنانيّةِ يستوجبُ انتشارَ الجيشِ على كلِّ الحدودِ الجنوبيّةِ وبسطِ سلطةِ الدولةِ على جميعِ أراضيها".

ومن لبنانَ الغارق بهمومِهِ الداخليّةِ وأزماتِهِ الخارجيّةِ إلى قطاعِ غزّة الذي يحاولُ التمسكَ بالتفاؤلِ "الحذر"، بعد الإعلانِ الأميركيِّ عن التوصلِ إلى "اتفاقٍ تاريخيٍّ" بشأنِ سلاحِ حركةِ "حماس". لكن المعطيات الراهنة لا تشِي بأيِّ تقدّمٍ في ظلِّ استمرارِ الاعتداءاتِ الدمويةِ والعملياتِ العسكريةِ التي تؤدي إلى سقوطِ المزيدِ من الشهداءِ والجرحى. ويبدو أن الاختلافات كبيرةٌ بين واشنطنَ وتلّ أبيب في مقاربةِ هذا الملف، إذ نقلَت إسرائيلُ لمَا يُسمَى "مجلسُ السلام" اعتراضاتٍ على ثلاثِ نقاطٍ، قالت إنها غير مقبولة في الاتفاقِ المُعلنِ عنه. ووفقَ مصدرين مطّلعين على الملفِ، فإن النقاط الثلاث هي: عدمُ تدميرِ الأسلحةِ التي ستُجمعُ من "حماس"، ومشاركةُ قطر وتركيا في عمليةِ التحققِ من تنفيذِ مراحلِ "خريطةِ الطريقِ"، وعدمِ منحِ الجيشِ الإسرائيليِّ حريةَ التصرفِ في المناطقِ التي ستُعهدُ بمسؤوليتِهَا إلى قوةِ الاستقرارِ الدوليّةِ والشرطةِ الفلسطينيّة. من جانبه، أشارَ المتحدثُ باسمِ مكتب نتنياهو، إلى أن إسرائيلَ نقلت أيضًا إلى البيتِ الأبيض "مخاوفَ أمنيةً جديةً" بشأنِ التسويةِ التي أُقِرَّت. كما ربطَت أيّّ انسحابٍ بنزعِ سلاحِ الحركةِ أولًا، ما يعقّدُ الأمورَ ويُدخِلُهَا مجددًا في دائرةِ المماطلةِ والتسويف. إذ تبرزُ مخاوف فلسطينيةً من أن يكونَ بندُ السلاحِ مجردَ ذريعةٍ من دونِ تحقيقِ أيِّ انسحابٍ، في ظلَّ استمرارِ احتلالِ إسرائيل لأكثرِ من 60 في المئةِ من مساحةِ القطاع. وتتزامنُ الضبابيّةُ، التي تسودُ تفاهماتِ غزّة مع التصعيدِ العنيفِ في الضفةِ الغربيّةِ، في ظلَّ ما كشفتهُ القناةُ الرابعةُ عشرة الإسرائيليّة، نقلًا عن مصادر لم تسمِّهَا، أن القيادةَ السياسيّةَ صادقَت على سلسلةِ عملياتٍ هجوميّةٍ واسعةٍ في مناطقَ عدة بالضفة، وأن الأجهزةَ الأمنيّة تستعدُّ لتوسيعِ نطاقِ عملياتِهَا والانتقالِ "من الدفاعِ إلى الهجوم".

في الأخبارِ الأخرى، ذكرَت وسائلُ إعلامٍ أنه من المقرّرِ أن يزورَ رئيسُ إقليمِ كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، العاصمةَ السورية دمشق، اليومِ الاثنين، للاجتماعِ مع الرئيسِ السوري أحمد الشرع. وتُعدُّ هذه الزيارةُ الأولى من نوعِهَا لرئيسِ إقليمِ كردستان العراق إلى سوريا بعدَ سقوطِ نظامِ بشار الأسد، وستُبحَثُ خلالَهَا العلاقاتُ الثنائيّةُ بين أربيل ودمشق، ووضعُ الأكرادِ في مناطقِ سيطرةِ الإدارةِ الذاتيّةِ لشمالِ وشرقِ سوريا.

جميع هذه المستجدات تناولتها الصحف العربيّة الصادرة اليوم، وفي الآتي موجزٌ بأهمها:

كتبت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "ما تعانيه بعض الدول العربية الحديثة هي آفة المليشيات التي تختطف الدولة الضعيفة. والمشكلة أن شعوب تلك المنطقة هم ضحايا ذلك الفكر الممزق للدولة، وحتى لو كان هناك شكل من أشكال الانتخابات والتعدد، ولكن المواطن فيها يعاني من نقص في أغلب الخدمات بسبب نظام المحاصصة السياسية فيها، الذي تأتي فيه الدولة ومواطنوها في آخر أولوياتها. والعجيب أننا نشهد أن الولاء ليس لدولهم بل لدول أخرى قائمة على أساس مذهبي وديني". وأضافت أن "المثال الناصع على وجود هذه المليشيات المنفلتة هي الحشد الشعبي وأمثاله في العراق، التي لا تهدد فقط الدول المجاورة بإطلاق مسيرات على مصالح تلك الدول واقتحام المراكز الحدودية مع العراق، كما حدث في مركز العبدلي الكويتي مع العراق قبل أسابيع. واهم من يعتقد أن تأخر رد الدول هو ضعف وتردد، ولكن تفكير الدولة في التعاطي مع هذه المجموعات المنفلتة يختلف عن فكرها، فالدولة لها حساباتها الدقيقة ولا تستعدي أو تستهدف عموم الشعب العراقي مثلاً أو حتى داخل المكون الطائفي الحاضن لهذه المليشيات".

من جانبها، اعتبرت صحيفة "الغد" الأردنية أنه "في الحالتين الروسية والأميركية، وقع الرئيسان القويان والمتفردان، أسرى الحسابات الخاطئة، وتحت وطأة شعور بالعظمة دفع بهما إلى تجاهل تقديرات أصحاب الخبرة في ميدان العسكرية والاستخبارات". وأوضحت أن "خمسة أشهر من الحرب واللاحرب في الشرق الأوسط، كانت كافية لشل الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وتكبيد دول الخليج العربي والمنطقة خسائر بمئات المليارات، ناهيك عن فواتير الحرب الباهظة على الاقتصاد الأميركي، وخسائر إيران الكبيرة في البنية التحتية والاقتصاد الخاضع منذ سنوات طويلة لعقوبات أنهكته، وأنهكت الشعب الإيراني. حرب طالت بنيرانها أكثر من عشر دول". وخلصت إلى أن "ترامب يمضي على خطى بوتين، ويستهدي بوصفه لمقاربة حربه على إيران، فمعنى ذلك أننا قد نغرق في حالة حرب طويلة، تصعد وتيرتها حينا، وتهدأ حينا آخر. ذلك يعني كارثة مديدة ستحل بالمنطقة والعالم".

صحيفة "الأهرام" المصرية أشارت إلى أنه "مع استمرار العد التنازلي لإجراء انتخابات الكنيست الإسرائيلي يزداد يقين معظم المتابعين للشأن الإسرائيلي بأن فرص رئيس الوزراء الليكودي بنيامين نتنياهو للاستمرار في الهيمنة على الساحة السياسية الإسرائيلية شبه معدومة وأنه سيغادر بعد الانتخابات مكتبه بلا رجعة وربما يقضي فى بيته أيامًا قليله قبل أن يستقر لسنوات في السجن أو سيوقع بوساطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقًا مع السلطات القضائية يتقاعد بمقتضاه مقابل الاعتراف ببعض التهم الموجهة إليه". وقالت إنه "يأتي اليقين بأن فرص نتنياهو في النجاة شبه معدومة بسبب التطورات المتسارعة على الساحتين الإقليمية والدولية ومنها على سبيل المثال موافقة حركة "حماس" في نهاية الأسبوع الماضي على البند المتعلق بالتخلي عن سلاحها بتسليمه إلى جهة فلسطينية والتخلي عن مطلبها السابق بالاستمرار في إدارة القطاع، وهو ما يعني ببساطة الاستجابة لأهم مطالب الرئيس الأميركي حتى يدفع إسرائيل لسحب جنودها من القطاع قاطعة الطريق بذلك على الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب بجعل ورقة غزة بمثابة القشة التي تتعلق بها للفوز في الانتخابات".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن