مونديالُ أميرِكا... عَوْدَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ لِلدّيبلوماسِيَّةِ الرِّياضِيَّةِ العَرَبِيَّة!

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

المشاركة

أَعادَتِ المُشارَكَةُ العَرَبِيَّةُ اللّافِتَةُ في مونْديالِ 2026، الدّيبْلوماسِيَّةَ الرِّياضِيَّةَ العَرَبِيَّةَ، إلى مَلاعِبِ كُرَةِ القَدَمِ العالَمِيَّةِ بَعْدَ غِيابٍ طَويل، وَنَقَلَتْ قَضِيَّةَ الصِّراعِ العَرَبِيِّ - الإِسْرائيلِيّ، مِنْ ساحاتِ السِّياسَةِ العالَمِيَّةِ إلى مَلاعِبِ كُرَةِ القَدَم، على نَحْوٍ يُؤَكِّدُ تَجاوُزَ اللُّعْبَةِ العالَمِيَّةِ الأَشْهَرِ لِحُدودِ الرِّياضَةِ إلى مَيادينِ السِّياسَة، في ظِلِّ ما تَحْمِلُهُ مِنْ إِمْكاناتٍ ضَخْمَةٍ لِتَوْجيهِ الرَّأْيِ العامّ، وَتَعْزيزِ الصّورَةِ الوَطَنِيَّة.

مونديالُ أميرِكا... عَوْدَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ لِلدّيبلوماسِيَّةِ الرِّياضِيَّةِ العَرَبِيَّة!

بَدا المُديرُ الفَنِّيُّ لِلمُنْتَخَبِ القَوْمِيِّ المِصْرِيِّ حُسام حَسَن، وَهُوَ يَرْفَعُ العَلَمَ الفِلَسْطينِيَّ في ساحَةِ مَلْعَبِ "دالاس كاوْبويْز" في وِلايَةِ تِكْساسْ الأَميرِكِيَّة، عَقِبَ تَغَلُّبِ المُنْتَخَبِ المِصْرِيِّ على نَظيرِهِ الأسْتْرالِيّ، أَقْرَبَ ما يَكونُ إلى صِناعَةٍ رَمْزِيَّة، تَتَعَدّى حُدودَ الِاحْتِفالِ بِالفَوْزِ بِمُباراةٍ في كُرَةِ القَدَم، لِتُؤَكِّدَ مِنْ جَديدٍ على أَهَمِّيَّةِ حُضورِ قَضِيَّةِ العَرَبِ المَرْكَزِيَّةِ في مُخْتَلِفِ المَحافِلِ الدَّوْلِيَّة، وَهُوَ ما عَبَّرَ عَنْهُ حُسام في مُؤْتَمَرٍ صِحافِيٍّ بِقَوْلِه: "على العالَمِ كُلِّهِ أَنْ يَشْعُرَ بِالعارِ لِما يَحْدُثُ في الأَراضي المُحْتَلَّة... إِنَّهُمْ يُدافِعونَ بِقُوَّةٍ عَنْ حُقوقِ الحَيَوان، لَكِنَّهُمْ يَغُضّونَ الطَّرْفَ عَمّا يَتَعَرَّضُ لَهُ أَطْفالُ فِلَسْطين، وَإِذا لَمْ يَشْعُرْ فَرْدٌ في العالَمِ بِما يَحْدُثُ لِلشَّعْبِ الفِلَسْطينِيِّ فَهُوَ لَيْسَ بِبَني آدَمَ سَواءٌ كانَ عَرَبِيًّا أَمْ لا".

لَمْ يَتَأَهَّلِ المُنْتَخَبُ القَوْمِيُّ الفِلَسْطينِيُّ إلى مونْدِيالِ أَميرِكا، لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ كانَتْ حاضِرَةً وَبِقُوَّة، لِتُعَوِّضَ غِيابَ أَوَّلِ مُنْتَخَبٍ عَرَبِيٍّ آسِيَوِيّ، شارَكَ في تَصْفِياتِ كَأْسِ العالَمِ خِلالَ تَصْفِيَاتِ مونْدِيالِ إيطالِيا عامَ 1934، وَهُوَ الحُضورُ الذي أَصْبَحَ يُؤَكِّدُ أَنَّ كُرَةَ القَدَمِ في عالَمِ اليَوْم، لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ وَسيلَةٍ لِلتَّسْلِيَةِ أَوِ المُنافَسَةِ على لَقَبٍ أَوْ كَأْس، لَكِنَّها تَحَوَّلَتْ إلى مِنَصَّةٍ ديبْلوماسِيَّةٍ حاضِرَة، وَأَداةٍ جِيوسِياسِيَّةٍ تَخْتَرِقُ حُدودَ الجُغْرافْيا السِّياسِيَّة، بِجاذِبِيَّةٍ ثَقافِيَّةٍ وَرَمْزِيَّةٍ لا تُضاهيها أَيُّ وَسيلَةٍ أُخْرى، بَعْدَما أَدْرَكَتِ العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ مُبَكِّرًا، قيمَةَ هَذِهِ اللُّعْبَةِ في تَوْسيعِ نُفوذِها بِطُرُقٍ غَيْرِ مُباشِرَة، وَراهَنَتْ عَلَيْها كَأَحَدِ الِاسْتِثْماراتِ الِاسْتْراتيجِيَّةِ الأَنْجَعِ في سِباقِ التَّأْثيرِ العالَمِيّ.


دَخَلَتِ السِّياسَةُ إلى ساحاتِ كُرَةِ القَدَمِ العالَمِيَّةِ على نَحْوٍ صَريح، حَسْبَما يَقولُ الدُّكْتور أَحْمَد كامِل، أُسْتاذُ العُلومِ السِّياسِيَّةِ المُساعِدُ في جامِعَةِ حَلْوان، خِلالَ دَوْرَةِ الأَلْعابِ الأولَمْبِيَّةِ الصَّيْفِيَّةِ في طوكْيو عامَ 1964، مُشيرًا إلى أَنَّ تِلْكَ الدَّوْرَةَ هِيَ التي دَشَّنَتْ على أَرْضِ الواقِع، انْغِماسَ الأَحْداثِ الرِّياضِيَّةِ الكُبْرى في عالَمِ السِّياسَة، وَهُوَ الِانْغِماسُ الذي تُوِّجَ في عامَ 1968 عِنْدَما اسْتُخْدِمَ المَسْرَحُ العالَمِيُّ لِلأَلْعابِ الأولَمْبِيَّةِ لِأَوَّلِ مَرَّة، لِعَرْضِ مُعاناةِ الأَميرْكِيّينَ مِنْ أَصْلٍ أَفْريقِيّ، خِلالَ حَرَكَةِ الحُقوقِ المَدَنِيَّةِ في وَطَنِهِم، قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّرَ الأَمْرُ لاحِقًا في دَوْرَةِ الأَلْعابِ الأولَمْبِيَّةِ في لَنْدَن عامَ 2012، عِنْدَما وَقَفَ جَمْعٌ مِنَ الرِّياضِيّينَ الذينَ يُمَثِّلونَ كورِيا الشَّمالِيَّة، لِيُؤَكِّدوا أَنَّ نَجاحَهُمْ في حَصْدِ العَديدِ مِنَ الْميدالِيّاتِ الأولَمْبِيَّة، يَرْجِعُ بِالأَساسِ إلى حُبِّ وَدَعْمِ وَإِلْهامِ الزَّعيمِ كيمْ جونْغْ أون، رَئيسِ كورِيا الشَّمالِيَّة!.

كانَ كيمْ جونْغْ إيل يُؤْمِنُ إلى حَدِّ اليَقين، بِأَنَّ النَّجاحَ في أَلْعابِ القُوى مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَزيدَ مِنْ قُوَّةِ دَوْلَتِه، على نَحْوٍ لا يَتَوَقَّفُ فَحَسْبُ عِنْدَ تَعْزيزِ إيدْيولوجِيَّتِها، بَلْ إِنَّهُ سَوْفَ يَجْلِبُ لَها شَرَفًا عَظيمًا، وَيُعَزِّزُ سُمْعَتَها الدَّوْلِيَّة، وَهُوَ ما مَهَّدَ الطَّريقَ واسِعًا أَمامَ النِّظامِ الكورِيِّ الشَّمالِيِّ حينَذاك، لِاسْتِغْلالِ هَذا الِانْتِصارِ كَوَسيلَةٍ لِلدِّعايَةِ أَمامَ المُجْتَمَعِ الدَّوْلِيّ، وَرُبَّما بِالطَّريقَةِ نَفْسِها التي اسْتَخْدَمَ فيها أَدولْف هِتْلِر دَوْرَةَ الأَلْعابِ الأولَمْبِيَّةِ عامَ 1936، كَمِنَصَّةٍ لِتَعْزيزِ إيمانِهِ الإيدْيولوجِيِّ بِالتَّفَوُّقِ العِرْقِيِّ لِلقَوْمِيَّةِ الآرِيَّة، وَتَرْسيخِ الرّوحِ الأَلْمانِيَّةِ وَغَرْسِ الوَحْدَةِ بَيْنَ الشَّبابِ الأَلمانِي.

لَعِبَ تَنْظيمُ قَطَرَ لِبُطولَةِ كَأْسِ العالَمِ لِكُرَةِ القَدَمِ في عامَ 2022، دَوْرًا كَبيرًا في وَضْعِ كَثيرٍ مِنَ القَضايا العَرَبِيَّةِ وَعلى رَأْسِها قَضِيَّةُ الهُوِيَّة، على رَأْسِ اهْتِماماتِ الإِعْلامِ الغَرْبِيّ، عَبْرَ مُحاوَلَةِ اسْتِغْلالِ التَّأْثيرِ الإِيجابِيِّ لِكُرَةِ القَدَم، في تَصْحيحِ الصّورَةِ السّائِدَةِ عَنِ المُجْتَمَعِ العَرَبِيّ، حَسْبَما يَقولُ الدُّكْتور أَحْمَد نَبيل عُمَر، الأُسْتاذُ بِقِسْمِ الإِدارَةِ الرِّياضِيَّةِ في كُلِّيَّةِ التَّرْبِيَةِ الرِّياضِيَّةِ بِجامِعَةِ بَنْها، بَدَلًا مِنَ الِاسْتِسْلامِ أَمامَ الصّورَةِ التي رَسَمَها الغَرْبُ عَنِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، مُشيرًا إلى أَنَّ نَجاحَ قَطَرَ كَمُمَثِّلَةٍ لِلمِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ في اسْتِضافَةِ بُطولَةٍ بِحَجْمِ كَأْسِ العالَم، مَنَحَ العَرَبَ فُرْصَةً كَبيرَةً لِتَحَدّي العَديدِ مِنَ الرِّواياتِ الغَرْبِيَّةِ ذاتِ المَرْجِعِيَّةِ الِاسْتِعْمارِيَّة، التي عَمِلَتْ على مَدارِ عُقودٍ مِنْ أَجْلِ تَرْسيخِ صورَةٍ نَمَطِيَّةٍ سَلْبِيَّةٍ عَنِ العَرَب، وَوَصْفِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِاعْتِبارِها جُزْءًا صَحْراوِيًّا على حافَّةِ العالَمِ المُتَحَضِّر.

وَيَقولُ عُمَر إِنَّ تَنْظيمَ قَطَرَ لِبُطولَةِ كَأْسِ العالَم، ساهَمَ إلى حَدٍّ كَبيرٍ في تَعْظيمِ قيمَةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّة، والِاعْتِزازِ بِها في سَبيلِ الِاحْتِفاظِ بِالهُوِيَّةِ العَرَبِيَّة، كَما لَعِبَ دَوْرًا كَبيرًا في نَشْرِ العاداتِ والتَّقاليدِ العَرَبِيَّة، عَبْرَ العَديدِ مِنَ الضَّوابِطِ التي تَمَّ نَشْرُها في ذَلِكَ الوَقْت، إلى جانِبِ المَحاذيرِ التي أُعْلِنَ عَنْها عَبْرَ المَواقِعِ الخاصَّةِ بِالبُطولَة، مِنْ أَجْلِ مَزيدٍ مِنَ الفَهْمِ لِخُصوصِيَّةِ المُجْتَمَعِ العَرَبِي.


لَعِبَتِ المُقاطَعَةُ الرِّياضِيَّةُ خِلالَ فَتْرَةِ نِظامِ الفَصْلِ العُنْصُرِيِّ في جَنوبِ أَفْريقْيا، دَوْرًا كَبيرًا في إِنْهاءِ هَذا النِّظام، وَإِجْبارِ جَنوبِ أَفْريقْيا في مَرْحَلَةٍ تالِيَةٍ على الِانْفِتاحِ على العالَم، والسَّعْيِ لِإِنْهاءِ عُزْلَتِها الدَّوْلِيَّة، بَعْدَما نَجَحَتِ الرِّياضَةُ وَفي القَلْبِ مِنْها كُرَةُ القَدَم، في حَشْدِ المَلايينِ في أَرْجاءِ المَعْمورَةِ لِلتَّحَرُّكِ ضِدَّ هَذا النِّظام، وَأَغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّ ما أَقْدَمَ عَلَيْهِ المُنْتَخَبُ المِصْرِيّ، بِرَفْعِ العَلَمَ الفِلَسْطينِيِّ في المونْدِيال، سَتَكونُ لَهُ تَداعِياتٌ كُبْرى، عَبْرَ إِعادَةِ تَسْليطِ الضَّوْءِ على قَضِيَّةِ الصِّراعِ العَرَبِيِّ - الإِسْرائيلِيّ، لَكِنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ كَثيرٍ مِنَ الخُبَراءِ يَتَطَلَّبُ تَنْسيقًا عَرَبِيًّا دائِمًا، عَبْرَ إِقامَةِ العَديدِ مِنَ البُطولاتِ الرِّياضِيَّة، والسَّعْيِ نَحْوَ عَوْدَةٍ قَوِيَّةٍ لِدَوْرَةِ الأَلعابِ العَرَبِيَّة، التي دُشِّنَتْ مَطْلَعَ الخَمْسينِيّات، واكْتَفَتْ بِنُسْخَةٍ وَحيدَة، على الرَّغْمِ مِمّا كانَ مُخَطَّطًا لَها بِأَنْ تُقامَ كُلَّ أَرْبَعِ سَنَوات، على غِرارِ دَوْرَةِ الأَلعابِ الأولَمْبِيَّة، قَبْلَ أَنْ تَحولَ التَّبايُناتُ في المَواقِفِ السِّياسِيَّةِ بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ دونَ اسْتِمْرارِها!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن