تقدير موقف

أميركا وإسرائيل.. وإرث المشروع الاستيطاني!

تَظهر إحدى أكثر المقارنات إثارة للجدل بين الولايات المتحدة وإسرائيل عند النظر إلى نشأة الدولة وعلاقتها بالسكان الذين كانوا يعيشون على الأرض قبل ترسّخ المشروع الاستيطاني وتحوّله إلى نظام سياسي.

أميركا وإسرائيل.. وإرث المشروع الاستيطاني!

في أميركا الشمالية ارتبط التوسع الأوروبي بسلسلة طويلة من الحروب والمذابح والتهجير القسري ومصادرة الأراضي، وأسهم هذا المسار في قيام دولة أميركية واسعة على حساب أراضي المجتمعات الأصلية. وفي فلسطين، ارتبط تأسيس إسرائيل عام 1948 بحربٍ أدّت إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير أو إخلاء مئات القرى والبلدات، فيما عُرف فلسطينيًّا بـ"النكبة".

أميركا: التوسّع الذي صنع الدولة

لم يكن سكان أميركا الشمالية الأصليّون جماعة واحدة، وإنما شعوب وقبائل متعدّدة امتلكت أنظمة سياسية واقتصادية وثقافية متنوّعة، ودخلت مع التوسع الأوروبي ثم الأميركي في صراعات على الأرض والموارد. واستخدمت الدولة الأميركية الحرب والمعاهدات القسرية والترحيل ونظام المحميّات وسياسات الاستيعاب، ففقدت الشعوب الأصلية مساحات شاسعة من أراضيها.

ارتبط بناء الدولة الأميركية بإعادة تشكيل الخريطة السكانية والسياسية للقارة

ويقدّم قانون إبعاد الهنود لعام 1830 مثالًا واضحًا على تحويل سياسة الترحيل إلى إطار تشريعي، إذ أتاح نقل الشعوب الأصلية الواقعة أراضيها شرق المسيسيبّي إلى مناطق غربه، ومهّد لعمليات ترحيل قسري واسعة، وتجسّدت نتائجه المأساوية في "درب الدموع"، حين رُحّل آلاف الشيروكي خلال عاميْ 1838 و1839، ولقي نحو أربعة آلاف منهم حتفهم. ثم أسهم "قانون دوز" لعام 1887 في تفكيك الملكية القبلية الجماعية وتحويل الأراضي إلى ملكيّات فردية، ما أدّى إلى فقدان القبائل مساحات واسعة من أراضيها. وهكذا ارتبط بناء الدولة الأميركية بإعادة تشكيل الخريطة السكانية والسياسية للقارة، وتحويل أراضٍ كانت مأهولة بالشعوب الأصلية إلى مجال دولة آخذة في التوسّع.

فلسطين: النّكبة وتغيير الخريطة السكّانية

أمّا الحالة الإسرائيلية، فقد بدأ الاستيطان الصهيوني قبل قيام الدولة، ثم جاءت حرب 1948 وتأسيس إسرائيل وتوسيع السيطرة على الأرض ضمن عملية عسكرية وسياسية متشابكة. فقد كان العرب الفلسطينيّون يشكّلون غالبية السكان، وامتلكوا مدنًا وقرًى وأراضٍ وشبكات اجتماعية واقتصادية مُتجذّرة.

قضية اللاجئين الفلسطينيين تحوّلت إلى محور دائم للصراع

ومع حرب 1948 حدث تحوّل ديموغرافي وجغرافي واسع، إذ تعرّض أكثر من 750 ألف فلسطيني للتهجير أو الاقتلاع خلال أحداث 1947–1949 وفق تقديرات أمميّة، وأُفرغت مئات القرى والبلدات من سكّانها وتعرض عدد كبير منها للتدمير. وترافق ذلك مع إعادة تنظيم قانونية لملكية الممتلكات التي تركها الفلسطينيّون، تجسّدت في قانون أملاك الغائبين لعام 1950، الذي وضع إطارًا لإدارة هذه الممتلكات ونقلها إلى مؤسسات الدولة المختصّة، إلى جانب قانون هيئة التطوير لعام 1950 الذي أتاح التصرّف في جانب من تلك الممتلكات. وهكذا تغيّرت الخريطة السكانية والسياسية، ووجد مئات الآلاف من الفلسطينيين أنفسهم خارج مدنهم وقراهم وممتلكاتهم، لتتحوّل قضية اللاجئين منذ ذلك الحين إلى محور دائم للصراع يرتبط بالعودة والملكية والهوية والحدود.

من التهجير إلى الذاكرة الوطنية

تحتاج الدول التي نشأت وسط صراعات تأسيسية إلى رواية تمنح نشأتها شرعية وتفسّر انتقال الأرض والسلطة إلى النظام الجديد. ففي الولايات المتحدة ركّزت السردية الوطنية على الاستقلال والتوسّع وبناء الجمهورية، بينما ظلّ تاريخ الشعوب الأصلية هامشيًّا لفترات طويلة، قبل أن تعيد الدراسات التاريخية وحركات السكان الأصليين طرح قضايا الأرض والحقوق والذاكرة.

تكشف التجربتان الأميركية والإسرائيلية أنّ السيطرة على الأرض تستطيع تغيير الواقع السياسي لكنّها لا تمحو الانتماء والذاكرة

وفي إسرائيل تركّزت الرواية "الوطنية" على قيام الدولة والهجرة والاضطهاد والنجاة والحروب، مقابل رواية فلسطينية تجعل النكبة والتهجير وفقدان الأرض محورًا للذاكرة الوطنية. وهكذا تحوّلت الذاكرة إلى ميدان للصراع السياسي؛ لأنّ تفسير لحظة التأسيس يؤثّر مباشرة في فهم الملكية والحقوق والتهجير والشرعية، ويحدّد إلى حد كبير الطريقة التي تُقرأ بها قضايا الحاضر والمستقبل.

السكّان الأصليّون كمسألة سياسية

تظهر نتيجة أخرى بعد قيام الدولة؛ فإعادة تشكيل المجال السكاني والسياسي بالقوة تنقل الصراع إلى الهوية والحقوق والذاكرة والتمثيل السياسي.

في الولايات المتحدة، حافظت الشعوب الأصلية على هوياتها ومؤسساتها ومطالبها المتعلقة بالسيادة والأرض والثقافة والموارد، بينما حافظ الفلسطينيّون المهجّرون على هويتهم الوطنية، وأصبحت قضية اللاجئين محورًا دائمًا للصراع، مع استمرار ارتباط الفلسطينيين داخل إسرائيل والضفّة الغربية وقطاع غزّة والشتات بأرضهم وقراهم ومدنهم.

وهكذا تكشف التجربتان أن السيطرة على الأرض تستطيع تغيير الواقع السياسي، لكنّها لا تمحو الانتماء والذاكرة؛ فالجماعة التي تفقد أرضها تستطيع الحفاظ على حضورها عبر الهوية والمؤسّسات والمطالبة بالحقوق، ليظلّ التهجير بدايةً لصراع ممتدّ لا خاتمة له.

القوة التي تنتج واقعًا جديدًا

تكشف التجربتان أنّ الانتصار العسكري يُعيد رسم الخريطة سريعًا، بينما تعمل الدولة لاحقًا على تثبيت نتائجه عبر القوانين والمؤسسات والاقتصاد والإدارة.

وفي الولايات المتحدة، ظلّ إرث انتزاع أراضي الشعوب الأصلية حاضرًا في قضايا الملكية والسيادة والحقوق القبلية، بينما بقيت قضايا اللاجئين الفلسطينيين والأرض والحدود والملكية جزءًا أساسيًا من الصراع منذ عام 1948. لذلك تمتدّ آثار الحرب إلى الهوية والذاكرة والحقوق، وتظلّ الجماعة التي فقدت أرضها حاضرةً داخل واقعٍ أُعيد تشكيله بالقوة.

قضايا الاقتلاع والملكية والحقوق تبقى حاضرة في الصراع

وهكذا، بعد قرون من التوسّع الأميركي ونحو ثمانية عقود على النكبة الفلسطينية، ما زالت آثار التأسيس حاضرةً في قضايا الأرض والهوية والحقوق والسيادة؛ ففي الولايات المتحدة تظهر في حقوق الشعوب الأصلية، وفي فلسطين تتجدّد عبر اللاجئين والقدس والحدود وحقوق الملكية، ثم عبر الاحتلال والاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

قد تنتهي الحرب، لكن نتائجها تستقر في الخرائط والقوانين والمؤسسات، بينما تبقى قضايا الاقتلاع والملكية والحقوق حاضرةً في الذاكرة والصراع. وتظلّ المسؤولية التاريخية وقضايا الملكية والحقوق والتعويض حاضرةً في النقاش القانوني والسياسي حول آثار تلك الصراعات، ليبقى السؤال: ماذا يحدث عندما تُبنى دولة فوق أرض يحمل سكّانها السّابقون ذاكرة اقتلاع لم تنتهِ؟.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن