لقد كانت سرعة الحرائق تَحولُ دون تسريع الوصول أو إمكانيّة التّوقيف، ولم تكن الحياة الاجتماعية في الولايات الأخرى متصلّبةً وساكنة تتفرّج، بل إنّ الإنسان الجزائري قد بادر، وبلا توجيهات مؤسّساتية، إلى التضامن وبصورةٍ لا نظير لها؛ هذا التّضامن الذي كان أقرب إلى العفوية والشُّعور بمعاناة المُصابين. لقد تجلّت إنسانيّة الإنسان هنا في هذه الكارثة، أو بالأحرى انكشفت وخرجت من حيّزها المستور إلى الحيّز المنظور، وقد شكّلت هذه اللحظات تلاحمًا اجتماعيًا مرصوصًا.
العلاقات الإنسانية تترابط عندما يتعلق الأمر بالموت
إنّ الأمر الجلي في هذا المقام، هو صرف السَّعي إلى استشكال أمر هذا الانكشاف للتَّلاحم الاجتماعي وهذه الإعانة غير المعهودة، حيث يدفع بنا القلق إلى الاستفهام التّالي: لماذا نكون مجتمعًا في الكوارث فقط؟ لماذا تتجلّى إنسانيّتنا في الأزمنة الصَّعبة التي يُصاب فيها الإنسان في روحه وممتلكاته؟ أليس جديرًا بنا تحويل هذه الطَّاقة وهذا التوتّر إلى سلوك يومي وممارسة مستمرّة وتنمية مستدامة تجعلنا نستبق وقوع الكوارث والأحداث المأساوية؟.
إنَّ هذا السُّؤال مشروع، ومنبع المشروعيّة فيه آتٍ من كون أنَّ الكوارث عندما تحدث، فإنَّها تكون مرئية، فضلًا عن أنّها تنزل إلى الطَّبقة الأعمق في العلاقات، أي طبقة الشُّعور الجماعي بالموت، بمعنى أنَّ العلاقات الإنسانية تترابط عندما يتعلَّق الأمر بالموت أو الاقتراب منه، ولعلّ الأنثروبولوجي جورج بالاندييه (G Balandier / 1920-2016) في كتابه: الأنثروبولوجيا السياسية، قد فكّك بُنية الثقافة الإنسانية، واستعار من علوم الأرض مجازًا: الطبقات الجيولوجية المتراكمة.
فإذا كانت بنية الأرض هي التراكم والاختلاف في مكوّناتها، فإنَّ العلاقات الإنسانية لا تتحرّك إلّا عندما تنزل المشكلات إلى طبقة الأعماق أي مواجهة الموت، فالإنسان أثناء حدوث الكوارث لا يقفز إلى ذهنه سؤال: ماذا أكسب وأين هي مصالحي؟ إنّما يندفع سؤال آخر هو: كيف أنقذ الآخر؟، بمعنى أنّ الأولوية هنا ليست لمصالح الذّات التي حجبتها المنافع اليومية، وإنّما حاجات الآخر وآلامه وكلومه هي الأمر العاجل؛ وهنا، يمكن صرف القول إلى أنّ الحرائق تحرق المكان وتحرق كذلك المسافة بين الإنسان والإنسان، حيث تتحوَّل العلاقات من البرودة إلى التَّلاحم، ومن الانقطاع إلى التواصل، ومن المنافع الضيقة إلى المنافع الاجتماعية الواسعة.
التضامن يجب ألا يكون مناسبةً تنتهي بنهاية الكوارث
وهنا، لا بد من إطلاق الاستنتاج التالي: إنَّ مرئية الألم وتجلّيه في المكان وعلى الإنسان، هو الشَّرط الذي يوقظ إنسانية التَّضامن والتعاون، بمعنى أن رؤية الحرائق الكبرى في جيجل وبجاية وغيرهما من المناطق وموت الإنسان والحيوان، بخاصة -رؤيتها- في وسائل الاتصال الجديدة، هي التي أطلقت تلك التوتّرات النفسية، وكانت الثمرة هي التصدّي للكارثة واتساع رقعة التضامن حتى بلغت الجزائر كلها.
وعلى الرغم من هذه الأهمية للتضامن مع ضحايا الحرائق، فإنّ المطلوب الأكثر إفادة ونفعًا، هو تحويل هذا التضامن إلى ممارسة يومية وسلوك مستدام، ينقل مجتمعنا من حركة تستجيب للكوارث بعد وقوعها إلى فعل اجتماعي يمنع الكوارث قبل وقوعها، ومن إنسانيّة مدفونة لا تتحرّك إلا بفعل رؤية الآلام إلى روح إنسانية لا تسمح بأن يبلغ الألم درجاته العليا. وبالتّالي، فالتَّضامن لا يجب أن يكون موسمًا أو مناسبةً تنتهي بنهاية الكوارث، بل هو روح تسري في يوميّاتنا وأفعالنا الحضارية: إعانة الجار، وتقوية الفضاء العام، واحترام الطبيعة، والإبلاغ عن الأخطار، ومساعدة كبار السنّ، وإنقاذ الحيوان، والمحافظة على الماء، وعدم إلقاء النفايات التي قد تكون سببًا في كارثة، والسؤال عن المحتاج والبحث عن المرضى والمكلومين. ومن منظور عمراني حضاري، فإنَّ العمران ليس هو فقط تشييد المباني وغرس الأشجار، وإنّما أيضًا خلق الشّروط التي تحفظها وتحفظ السَّلامة فيها للإنسان.
لنقل في الأخير إذن، إنَّ الكوارث يجب أن تُحدث فينا تجديدًا للمفاهيم وفهمًا صحيحًا لمعاني التضامن والآخر والألم، فالتضامن الموسمي على قيمته ودوره في الإنقاذ، لا بدّ أن يتحوَّل من معناه الموسمي المرتبط بالكوارث فقط، إلى معناه المُستدام الذي يلازم شأن الإنسان اليومي ويحرق سكون العلاقة وبُعد المسافة، فنحن كلّنا من نفس واحدة، وما جعلنا نتفرق إلى أَكْرٍ مقسومة كما قال ابن حزم في رائعته الخالدة: "طوق الحمامة في الأُلفة والألّاف"، إلّا دواعي الحسّ والرغبات المادية القاصرة.
القيم وفي طليعتها قيمة التضامن والشعور بالآخر هي المحرّكات العميقة والمنقذة للإنسان
وهكذا، فإنَّ التضامن المستدام هو الأكثر صلابة وقدرة على منع الكوارث والتقليل من آثارها، والشيء الثاني يتجلّى في تجديد فهمنا لمسألة الشعور بالآخر، فلا يجب أن تكون آلام الآخرين التي يجب أن نراها بأعيننا حتى نتحرّك ونبادر، هي الباعث على التضامن والتكافل، بل إنّ الفعل الذي يتحرّك وفق قانون: إن أجري إلّا على الله، وزرع البسمة في وجوه الضعفاء بالإعانة والتواصل، هو الذي يُثمر التضامن المستدام الذي هو أمتن شيء في بناء شبكة العلاقات الاجتماعية، خاصة أننا في زمن هيمنة العلاقات التّعاقدية المشروطة دومًا بالمصلحة الفردية والمنفعة المادية. والمستخلص من هذا أنَّ نظام القيم وفي طليعتها قيمة التضامن والشعور بالآخر هي المحرّكات العميقة والمنقذة للإنسان سواء في إنجازاته أم في كوارثه أم في مصالحه!.
(خاص عروبة 22)

