الهروب الكبير: حين يصبح السياج أقرب من المستقبل!

تريّثت كثيرًا قبل أن أكتب عن تلك المشاهد التي ملأت الشاشات وشغلت الناس، مئات الشّباب والقاصرين يندفعون نحو "سبتة"، يركضون في اتجاه السياج كما لو أنّ خلْفه بابًا سريًّا يُفضي مباشرة إلى حياة أخرى. لم أرد أن أكتب تحت تأثير الصورة، ولا أن أضيف تفسيرًا سريعًا إلى سيل التفسيرات التي صاحبت الحدث، لأنّ الوقائع الكبرى كثيرًا ما تفقد معناها عندما نستعجل تفسيرها، ولأنّ الأحداث المركّبة لا تكشف أسرارها لمَن ينظر إليها من زاوية واحدة.

الهروب الكبير: حين يصبح السياج أقرب من المستقبل!

قيل إنّ ما حدث رسالة سياسيّة مغربية إلى إسبانيا، ومحاولة للضغط على مدريد أو التأثير في توازناتها الإقليميّة، وقيل إنّها مؤامرة جزائريّة لإرباك التقارب المغربي - الإسباني، وذهب آخرون أبعد من ذلك فبحثوا عن أدوار أميركيّة أو إسرائيليّة مرتبطة بمواقف حكومة بيدرو سانشيز من الحرب في غزّة. وفي الجهة المقابلة، بدا التفسير الاقتصادي أكثر بساطةً وإغراءً: البطالة، ضعف فرص الشغل، الفوارق الاجتماعيّة والمجاليّة، تراجع الثقة في المستقبل، وعجز الأنموذج التنموي عن تحويل النمو والاستثمارات الكبرى إلى أفقٍ ملموسٍ بالنسبة إلى جزء من الشباب.

ربّما يوجد في كل فرضيّة شيءٌ يستحقّ النقاش، لكنّ الخطأ يبدأ حين نتصوّر أنّ جزءًا من الحقيقة يمكن أن يكون الحقيقة كلها. ما جرى في سبتة أعقدُ من أن نفسّره بنظرية مؤامرة، وأعمق من أن نختزله في معدّل للبطالة أو مؤشّر للنمو؛ نحن أمام ظاهرة تتقاطع داخلها السياسة بالاقتصاد، والتعليم بالثقافة، والاجتماع بعلم النفس، والواقع المحلي بتحوّلات كونيّة هائلة أحدثتها الثورة الرقميّة في معنى النجاح والحرية والانتماء والمستقبل.

نحاول إقناع شباب القرن الحادي والعشرين بأجوبة صيغت لأسئلة القرن العشرين

المأساة أكبر من المكان، والسؤال أوسع من الحدود؛ وربّما لهذا ينبغي أن نُغيّر السؤال نفسه، فبدلًا من أن نسأل فقط: لماذا يريد هؤلاء الشباب الهجرة؟ ربّما علينا أن نسأل أيضًا: كيف وصل شاب في مُقتبل العمر إلى أن يرى مستقبله في مكان لم يزره قط، أكثر ممّا يراه في المكان الذي وُلد فيه وعاش بين أهله؟!.

الاقتصاد لا يُفسّر كل شيء. ليس كلّ مَن يحلم بالهجرة فقيرًا، وليس كل مَن يفكّر في الرحيل عاطلًا عن العمل، وليس كل مَن يتجه شمالًا يبحث فقط عن راتبٍ أعلى، فالهجرة لدى جزء من الأجيال الجديدة أصبحت أيضًا بحثًا عن نمط حياة، وعن مساحة أكبر لتحقيق الذّات، وعن اعتراف اجتماعي، وعن استقلال وحرية وكرامة كما يتصوّرها ذلك الشاب.

وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أعمق أزماتنا، لقد تغيّر الشباب بسرعة أكبر من تغيّر المؤسّسات التي تتعامل معهم، تطوّرت تصوّراتهم للحريّة والعمل والنجاح والعلاقات والمستقبل، بينما ما زال جزءٌ من خطابنا السياسي والتربوي والاجتماعي يُخاطبهم بلغة تنتمي إلى عالمٍ آخر؛ نحن أحيانًا نحاول إقناع شباب القرن الحادي والعشرين بأجوبة صيغت لأسئلة القرن العشرين، ثم نستغرب عندما لا يقتنعون!.

إفلاس التعليم وانفراط عقد القيم

وفي قلب هذه الأزمة، يُعدّ أيضًا إفلاس المدرسة والمنظومة التعليميّة والتربوية عاملًا قد يساعد على فهم ما جرى، فعندما نجد قاصرين وشبابًا في سنّ الدراسة أو في البدايات الأولى للحياة المهنيّة مستعدّين للمغامرة بأجسادهم ومستقبلهم من أجل عبور سياج، يُصبح السؤال عن التعليم سؤالًا لا يُمكن تأجيله، فالمدرسة والجامعة ليست بنايات يدخلها الطفل والشاب ويخرج منها بشهادة فقط، بل هي المكان الذي يُفترض أن يكتشف داخله قدراته، وأن يتعلّم كيف يفكّر، وكيف يعمل، وكيف يحلم أيضًا، والتعليم الذي لا يستطيع أن يمنح المتعلّم كفاءةً تؤهله للحياة، ولا معنى لما يتعلّمه، ولا أملًا في ما يمكن أن يصبح عليه، يفقد جزءًا أساسيًا من وظيفته.

سوق رقمية كونية مُعَوْلمة تسحق أبناءنا وتتولى إعادة تشكيل أذواقهم ورغباتهم

جيل اليوم لا يُشبهنا، وليس مطلوبًا منه أن يُشبهنا، سيكون ظُلْمًا للتاريخ ولأبنائنا أن نطلب منهم أن يعيشوا بالطريقة التي عشنا بها، لكلّ جيل لغته وأدواته وأسئلته وموسيقاه وأحلامه. لكن السؤال الذي يقلقني ليس هنا: لماذا لا يشبهنا أبناؤنا؟ بل: هل تركنا لهم ما يكفي لكي يعرفوا مَن نحن، والأهم لكي يعرفوا هم مَن يكونون؟ هل نقلنا إليهم حكاياتنا وذاكرتنا وما يستحقّ البقاء من قيمنا، أم سلمناهم، من دون أن نشعر، إلى سوق رقمية كونية مُعَوْلمة تسحقهم وتتولّى وحدها إعادة تشكيل أذواقهم ورغباتهم وتعريفهم للنجاح والجمال والسعادة؟ وهل ما زالت الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام قادرة على صناعة جزء من خيال هذا الجيل، أم أنّ الخوارزميّة سبقت الجميع إلى تشكيله؟.

هنا تحديدًا تُصبح "سبتة" أكثر من مجرّد واقعة حدوديّة، فبينما كنّا نتحلّق ذات مساء حول حكاية تعلّمنا أنّ النجاة قد تكون في المعرفة والصبر والعمل، يمكن لمراهق اليوم أن يتحلّق افتراضيًّا مع آلاف غيره حول مقطع لا يتجاوز عشرين ثانية يخبره، تصريحًا أو إيحاءً، بأنّ النجاة موجودة خلف السياج، وأنّ الحياة الحقيقية تبدأ في الضّفة الأخرى؛ صورة واحدة لشاب أمام سيّارة فاخرة في مدريد أو باريس، أو مقطعٌ قصيرٌ من شارع أوروبي نظيف ومضيء، قد يكون في تشكيل خيال مراهق أقوى من مئة خطاب رسمي عن الانتماء والوطن والمستقبل.

"سبتة" مرآة قاسية وُضعت أمامنا جميعًا

لكن سيكون من الظلم والكسل الفكري أن نضع الهاتف في قفص الاتهام ونغلق الملف. الخوارزميّة تستطيع أن تضخّم الحلم، لكنّها لم تخلق وحدها الفراغ الذي يسكنه. وسائل التواصل تستطيع أن تزيّن الضّفة الأخرى، لكنّها لا تستطيع وحدها أن تُفسّر لماذا أصبح شاب مستعدًّا لتصديق أنّ مستقبله هناك وليس هنا.

إنّ "سبتة" ليست أزمة حدود فقط، ولا مجرّد فصلٍ جديدٍ في ملف الهجرة غير النظاميّة، إنّها مرآة قاسية وُضعت أمامنا جميعًا، أمام الأسرة والمدرسة والإعلام والاقتصاد والمؤسّسات والسياسات العموميّة، مرآة تسألنا سؤالًا لا يمكن الهروب منه: ماذا قدّمنا لهذا الجيل حتى يؤمن بأنّ مستقبله يمكن أن يبدأ هنا؟!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن