لماذا عادَ الغَربُ إلى القَلَمِ والوَرَقَة؟الذَّكاءُ التَّوْليدِيُّ تَهديدٌ جَديدٌ لِعُقولِ الطُّلّابِ في العالَمِ العَرَبي!

في الوَقْتِ الذي تَتَسابَقُ فيهِ الجامِعاتُ العَرَبِيَّةُ إلى إِدْماجِ تَطْبيقاتِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ في العَمَلِيَّةِ التَّعْليمِيَّة، تَحْتَ شِعاراتِ "الجامِعَةِ الذَّكِيَّة" والتعَلُّمِ الرَّقْمِيّ" وَ"ثَوْرَةِ المُستَقبَل"، بَدَأَتْ في المُقابِلِ الجامِعاتُ الغَرْبِيَّةُ تَتَحَرَّكُ في الِاتِّجاهِ المُعاكِس. فَبَعْدَ سَنَواتٍ قَليلَةٍ مِنَ الحَماسِ غَيْرِ المَسْبوقِ تُجاهَ أَدَواتِ الذَّكاءِ التَّوْليدِيّ ("شاتْ جي بي تي" وَ"جيمينايْ" وَغَيْرِهِما)، أَخَذَتْ أَصْواتٌ أَكاديمِيَّةٌ مُتَزايِدَةٌ تُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ المُشْكِلَةَ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ ظُهورِ الغِشِّ الأَكاديمِيّ، بَلْ أَصْبَحَ اسْتِخْدامُ الذَّكاءِ التَّوْليدِيِّ مِنْ قِبَلِ الطُّلّابِ يُهَدِّدُ الوَظيفَةَ الأَساسِيَّةَ لِلجامِعَةِ نَفْسِها: تَكْوينُ العَقْلِ العِلْمِيِّ والتِّقْنِيِّ نَفْسِه. عَرَبِيًّا، أَعْتَقِدُ أَنَّهُ حانَ الوَقْتُ أَنْ نُخَفِّضَ مِنْ حَماسِنا التِّكْنولوجِيِّ وَنُعيدَ النَّظَرَ في هَذا التَّيّارِ الجارِفِ الذي يُؤَدّي في النِّهايَةِ إلى إِضْعافِ عُقولِ الشَّبابِ وَقَتْلِ القُدْرَةِ على التَّفْكيرِ لَدَيْهِم.

لماذا عادَ الغَربُ إلى القَلَمِ والوَرَقَة؟
الذَّكاءُ التَّوْليدِيُّ تَهديدٌ جَديدٌ لِعُقولِ الطُّلّابِ في العالَمِ العَرَبي!

لِقَدِ اكْتَشَفَ عَدَدٌ مُتَزايِدٌ مِنَ الأَساتِذَةِ في جامِعاتٍ أَميرِكِيَّةٍ وَبَريطانِيَّةٍ عِدَّة، أَدْلَوْا بِتَصْريحاتٍ إلى الإِعْلام، أَنَّ الطّالِبَ لَمْ يَعُدْ يَكْتُب، وَلا يُلَخِّص، وَلا يُحَلِّل، وَلا حَتّى يُفَكِّرُ بِالطَّريقَةِ التي كانَتْ تَقْتَضيها العَمَلِيَّةُ التَّعْليمِيَّةُ التَّقْليدِيَّة. فَالْآلَةُ أَصْبَحَتْ قادِرَةً على القِيامِ بِكُلِّ ذَلِكَ في ثَوانٍ مَعْدودَة، بَيْنَما يَكْتَفي الطّالِبُ بِنَسْخِ الإِجاباتِ وَإِعادَةِ تَقْديمِها. وَهُنا تَكْمُنُ المُشْكِلَةُ الحَقيقِيَّة: الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ لا يَسْرِقُ الواجِباتِ فَقَط، بَلْ يَسْرِقُ عَمَلِيَّةَ التَّفْكيرِ ذاتَها!.

تخريج أجيال تحمل شهادات أكثر لكنها تمتلك مهارات أقل

في عامِ 2025 صَرَّحَ 88% مِنَ الطُّلابِ البَريطانِيّينَ أَنَّهُمْ اسْتَخْدَموا "شاتْ جي بي تي" في تَحْضيرِ الواجِباتِ المَنْزِلِيَّة، بَلِ ارْتَفَعَتِ النِّسْبَةُ بِـ53% مُقارَنَةً بِالسَّنَةِ الماضِيَة، كَما ارْتَفَعَتِ النِّسْبَةُ مِنْ 66% مِنَ الطُّلابِ في 2024 إلى 92% في 2025. فَقَطْ 8% مِنَ الطُّلابِ صَرَّحوا بِأَنَّهُمْ لا يَسْتَخْدِمونَ الذَّكاءَ التَّوْليدِيَّ في إِعْدادِ الواجِباتِ المَنْزِلِيَّة، كَما جاءَ في تَقْريرِ مَعْهَدِ سِياساتِ التَّعْليمِ العالِي في بَريطانْيا.

وَلِهَذا بَدَأَتْ جامِعاتٌ غَرْبِيَّةٌ كَثيرَةٌ تُعيدُ النَّظَرَ في أَساليبِ التَّقْييمِ التي سادَتْ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَة، فَقَدْ عادَتِ الِامْتِحاناتُ الحُضورِيَّةُ المَكْتوبَةُ بِالقَلَمِ والوَرَقَة، وازْدادَتْ أَهَمِّيَّةُ العُروضِ الشَّفَوِيَّة، وَأَصْبَحَ كَثيرٌ مِنَ الأَساتِذَةِ يُفَضِّلونَ مُراقَبَةَ أَداءِ الطَّلَبَةِ داخِلَ القِسْم، حَيْثُ يُحَضِّرُ الطّالِبُ الواجِبَ المَنْزِلِيَّ داخِلَ القِسْمِ نَفْسِه، بَدَلًا مِنَ الِاعْتِمادِ على أَعْمالٍ مَنْزِلِيَّةٍ يُمْكِنُ إِنْجازُها بِسُهولَةٍ بِواسِطَةِ الذَّكاءِ التَّوْليدِيّ، بِما يُفيدُ نِهايَةَ عَهْدِ الواجِبِ المَنْزِلِيِّ أَوِ البَحْثِ المَكْتَبِيّ.

بَلْ إِنَّ بَعْضَ الْجامِعاتِ أَعادَتِ اسْتِخْدامَ دَفاتِرِ الِامْتِحاناتِ التَّقْليدِيَّة، لَيْسَ بِدافِعِ الْحَنينِ إلى الْماضي، وَإِنَّما لِأَنَّ التَّقْييمَ الْحُضورِيَّ أَصْبَحَ أَكْثَرَ قُدْرَةً على قِياسِ الْمَعْرِفَةِ الْحَقيقِيَّةِ لِلطّالِب. وَفي بَعْضِ الْجامِعاتِ الْحُكومِيَّةِ في بْراغ، عاصِمَةِ جُمْهورِيَّةِ التَّشيكِ الْواقِعَةِ في وَسَطِ أوروبّا، قَرَّرَتْ هَيْئاتُ التَّدْريسِ إِلْغاءَ تَقْديمِ رَسائِلِ الدُّكْتوراهِ كَشَرْطٍ لِلْحُصولِ على شَهادَةِ الدُّكْتوراه، وَبَدَلًا مِنَ الرِّسالَةِ الْمَكْتوبَةِ أَصْبَحَ على الطّالِبِ أَنْ يُقَدِّمَ عَرْضًا شَفَوِيًّا مُطَوَّلًا عَنْ أَعْمالِهِ التَّطْبيقِيَّةِ والْمَيْدانِيَّةِ أَمامَ لَجْنَةِ الْخُبَراء، وَيُجيبَ عَنْ أَسْئِلَتِهِمْ في اخْتِبارٍ لِقُدُراتِ الطّالِبِ على أَنَّ عَمَلَهُ كانَ مُسْتَقِلًّا عَنْ اسْتِخْدامِ الذَّكاءِ التَّوْليدِيّ.

تَكْشِفُ هَذِهِ التَّحَوُّلاتُ عَنْ مُفارَقَةٍ لافِتَة، فَفي الْوَقْتِ الذي يُراجِعُ فيهِ الْغَرْبُ انْدِفاعَهُ التِّكْنولوجِيَّ، لا تَزالُ جامِعاتٌ عَرَبِيَّةٌ عَديدَةٌ تَلْجَأُ إلى الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ بِاعْتِبارِهِ وَصْفَةً سِحْرِيَّةً لِتَحْديثِ التَّعْليم، مِنْ دونِ نِقاشٍ جِدِّيٍّ حَوْلَ آثارِهِ الْجانِبِيَّة. بَلْ إِنَّ بَعْضَ الْأَساتِذَةِ أَصْبَحوا يَطْلُبونَ مِنَ الطَّلَبَةِ إِنْجازَ تَقاريرَ وَأَعْمالٍ مَنْزِلِيَّة، مَعَ عِلْمِ الْجَميعِ أَنَّها يُمْكِنُ أَنْ تُنْتَجَ بِضَغْطَةِ زِرّ، ثُمَّ يَتَعامَلونَ مَعَها بِاعْتِبارِها دَليلًا على اكْتِسابِ الْمَعْرِفَة!.

الجامعة التي تعهد بالتفكير إلى الآلة تتحوّل إلى مصنع للشهادات لا إلى مؤسسة لصناعة العقول

والنَّتيجَةُ الْمُتَوَقَّعَةُ هِيَ تَخْريجُ أَجْيالٍ تَحْمِلُ شَهاداتٍ أَكْثَر، لَكِنَّها تَمْتَلِكُ مَهاراتٍ أَقَلّ. أَجْيالٌ تَسْتَطيعُ إِنْتاجَ نُصوصٍ جَيِّدَةٍ بِواسِطَةِ الْآلَة، لَكِنَّها تَعْجِزُ عَنِ الدِّفاعِ عَنْها شَفَوِيًّا، أَوْ مُناقَشَتِها نَقْدِيًّا، أَوْ حَتّى كِتابَتِها بِخَطِّ الْيَد. وَإِذا اسْتَمَرَّتْ هَذِهِ الظَّاهِرَة، فَإِنَّنا قَدْ نَصِلُ إلى مُفارَقَةٍ خَطيرَة: جامِعاتٌ تُنْتِجُ شَهاداتٍ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضى، لَكِنَّها تُنْتِجُ عُقولًا أَقَلَّ اسْتِقْلالًا وَأَكْثَرَ اعْتِمادًا على الْخَوارِزْمِيّات.

لَيْسَتِ الْكِتَابَةُ مُجَرَّدَ وَسيلَةٍ لِإِنْتاجِ النُّصوص، بَلْ هِيَ تَمْرينٌ عَقْلِيٌّ على التَّنْظيمِ والتَّحْليلِ وَبِناءِ الْحُجَج. والْقِراءَةُ لَيْسَتِ اسْتِهْلاكًا لِلْمَعْلومات، بَلْ هِيَ تَدْريبٌ على التَّرْكيزِ والتَّأَمُّلِ والنَّقْد. أَمّا التَّعْبيرُ الشَّفَوِيّ، فَهُوَ اخْتِبارٌ حَقيقِيٌّ لِقُدْرَةِ الْإِنْسانِ على الْفَهْمِ والْإِقْناع. وَعِنْدَما تَتَوَلّى الْآلَةُ هَذِهِ الْوَظائِف، فَإِنَّ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ يَتَخَلّى تَدْريجِيًّا عَنْ بَعْضِ قُدُراتِهِ الْأَساسِيَّة، مِثْلَما تَضْمُرُ عَضَلاتُ الْجِسْمِ عِنْدَما تَتَوَقَّفُ عَنِ الْعَمَل.

وَلِذَلِكَ، رُبَّما حانَ الْوَقْتُ لِكَيْ نَتَعَلَّمَ مِنَ التَّجارِبِ الْغَرْبِيَّةِ الْجَديدَة، لا مِنْ مَوْجَةِ الِانْبِهارِ الْأولى التي صاحَبَتْ ظُهورَ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ. فَالرِّهانُ الْحَقيقِيُّ لِلتَّعْليمِ الْعالي لَيْسَ إِنْتاجَ نُصوصٍ جَميلَة، وَإِنَّما تَكْوينُ إِنْسانٍ قادِرٍ على الْقِراءَةِ الْعَميقَة، والْكِتابَةِ الْواضِحَة، والتَّفْكيرِ النَّقْدِيّ، والتَّعْبيرِ الشَّفَوِيّ، وَبِناءِ الْحُجَج، وَمُناقَشَةِ الْأَفْكارِ بِحُرِّيَّة.

إِنَّ الْعَوْدَةَ إلى الِامْتِحاناتِ الْحُضورِيَّة، والْعُروضِ الشَّفَوِيَّة، والْكِتابَةِ بِالْقَلَمِ والْوَرَقَة، لَيْسَتْ دَعْوَةً إلى رَفْضِ التِّكْنولوجِيا أَوِ الْهُروبِ مِنَ الْمُسْتَقْبَل، بَلْ هِيَ دِفاعٌ عَنِ الْإِنْسانِ نَفْسِه. فَالْجامِعَةُ التي تَعْهَدُ بِالتَّفْكيرِ إلى الْآلَة، تَتَحَوَّلُ تَدْريجِيًّا إلى مَصْنَعٍ لِلشَّهادات، لا إلى مُؤَسَّسَةٍ لِصِناعَةِ الْعُقول.

ربما ندخل في عصر أُمّية جديدة هي أُمّية التفكير

وَإِذا اسْتَمَرَرْنا في الْعالَمِ الْعَرَبِيِّ في الِانْسِياقِ وَراءَ التَّيارِ الْجارِفِ لِلذَّكاءِ التَّوْليدِيّ، فَسَنَحْصُلُ على خَرّيجينَ قادِرينَ على إِنْتاجِ تَقاريرَ مُمْتازَة، لَكِنَّهُمْ عاجِزونَ عَنِ الدِّفاعِ عَنْها شَفَوِيًّا. سَنَحْصُلُ على باحِثينَ لا يَكْتُبون، بَلْ يَطْلُبونَ مِنَ الْخَوارِزْمِيّاتِ أَنْ تَكْتُبَ نِيابَةً عَنْهُم. وَسَنَحْصُلُ على أَساتِذَةٍ يُصَحِّحونَ أَعْمالًا لا يَعْرِفُ أَحَدٌ إِنْ كانَتْ مِنْ إِنْتاجِ الطّالِبِ أَوْ مِنْ إِنْتاجِ الْآلَة. وَرُبَّما نَدْخُلُ في عَصْرِ أُمِّيَّةٍ جَديدَة، لَيْسَتْ أُمِّيَّةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ على الْقِراءَةِ والْكِتابَة، بَلْ أُمِّيَّةَ التَّفْكير، أَيْ عَدَمَ الْقُدْرَةِ على التَّفْكيرِ الْمُسْتَقِلّ.

وَرُبَّما يَكْمُنُ الْحَلُّ الْأَكْثَرُ ثَوْرِيَّةً في الْعَوْدَةِ إلى بَعْضِ الْأَشْياءِ الْقَديمَة: كِتابٌ يَقْرَؤُهُ الطّالِبُ بِنَفْسِه، وَقَلَمٌ يَكْتُبُ بِهِ أَفْكارَه، وَأُسْتَاذٌ يُحاوِرُهُ وَجْهًا لِوَجْه، وامْتِحانٌ يَكْشِفُ ما يَعْرِفُهُ فِعْلًا لا ما تَعْرِفُهُ الْخَوارِزْمِيَّة.

قَدْ يَبْدو هَذا الْكَلامُ رَجْعِيًّا في عَصْرِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، لَكِنِ الْحَقيقَةَ الصّادِمَةَ تُفيدُ بِأَنَّ بَعْضَ الْجامِعاتِ الْغَرْبِيَّةِ التي قادَتِ الثَّوْرَةَ الرَّقْمِيَّة، بَدَأَتْ تَكْتَشِفُ الْيَوْمَ أَنَّ أَفْضَلَ وَسيلَةٍ لِحِمايَةِ التَّفْكيرِ الْعِلْمِيِّ والْمَنْهَجِيِّ قَدْ تَكونُ الْعَوْدَةَ إلى أَدَواتٍ قَديمَة: كِتَابٌ، وَقَلَمٌ، وَأُسْتَاذٌ، وَطالِبٌ يُفَكِّرُ بِنَفْسِه.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن