اعتمدت البشرية لعقود عدة على الوقود الأحفوري الذي يتميّز بخصائص، منها سهولة نقله وتخزينه، فهو يشكّل 82% من إجمالي إمدادات الطاقة العالمية، لكنّه تسبّب في تغيّرات مناخية حادّة لكوكب الأرض؛ إذ بعد أن تُدفن بقايا الكائنات الحيّة (نباتات وحيوانات) تحت طبقات القشرة الأرضية، تتعرّض لدرجات حرارة وضغط مرتفعة جدًّا، إضافةً إلى انعدام الأكسجين، ما يؤدّي إلى تركيز مادة الكربون فيها وتحويلها إلى وقود أحفوري.
وأكدت "أوبك" ضرورة الاستثمار الشامل في الطاقة، إذ أعلنت منظمة الدول المصدّرة للنفط أنّ وكالة الطاقة الدولية أجرت مصالحةً مع الواقع بعد تراجعها عن توقّعاتها لعام 2023 التي أعلنت فيها عن بداية نهاية عصر الوقود الأحفوريّ.
الطلب على النفط والغاز لن يصل إلى الذروة حتى عام 2050
ويأتي موقف أوبك في بيان رسمي بعد صدور تقرير وكالة الطاقة الدولية "توقعات الطاقة العالمية 2025"، الذي أظهر اعترافًا غير مسبوق بالدور المستمرّ والمُهيمن للنفط والغاز، وشدّدت على أن التوقّعات السّابقة التي روّجت لذروة وشيكة للطلب كانت غير دقيقة ولا تستند إلى البيانات الواقعية، وعلى ضرورة الاستثمار في جميع مصادر الطاقة لضمان الأمن والاستقرار العالميين.
وفي تحوّل مفاجئ وغير متوقّع، أظهرت أحدث تقارير وكالة الطاقة الدولية "توقعات الطاقة العالمية"، وتحديدًا في سيناريو السياسات الحالي، اعترافًا بنقيض ما صرّحت به سابقًا، إذ ينصّ السيناريو على أنّ الطلب على النّفط والغاز لن يصل إلى الذروة حتّى عام 2050، وأنّ النفط سيظلّ الوقود المهيمن طوال هذه الفترة، وفي حال انتهائه في عام 2050، قد يظهر في مناطق أخرى من العالم، باعتباره مصدرًا للطاقة.
واستنادًا إلى المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية في مؤتمر "سيراويك" في مارس/آذار 2025، هناك حاجة إلى الاستثمار في حقول النفط والغاز لدعم أمن الطاقة العالمي، بل وذهب إلى أبعد من ذلك، عند إطلاقه تقريرًا حول تداعيات معدّلات انحدار حقول النفط والغاز، فصرّح بأنّ غياب الاستثمار في المنبع سيزيل ما يعادل الإنتاج المشترك للبرازيل والنرويج من ميزان السوق العالميّة كل عام.
وقد انتقدت منظمة "أوبك" بشدّة الترويج لخطابات محدّدة، مثل الحاجة إلى عدم ضخّ استثمارات جديدة في النفط، والترويج لسيناريوات مثل سيناريو صافي الانبعاثات الصفرية بحلول 2050، الذي وصفته بأنّه سيناريو معياري وليس استكشافيًا، حيث يبني مسارًا عكسيًا لتحقيق نتائج محدّدة على حساب السيناريوات الأخرى.
إنّ هذا الترويج غير مفيد لرسم مسارات واقعية لمستقبل الطاقة، خصوصًا لضمان توفير الاستثمارات المستقبلية الضرورية، ليس فقط في الإنتاج لتلبية طلب المستهلكين، ولكن أيضًا في التقنيّات الحيوية، مثل احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، والتقاط الهواء المباشر، المطلوبة للمساعدة في خفض الانبعاثات، حيث إنّ الواقع يُظهر أنّ العالم يستهلك حاليًا كميات أكبر من النفط، والفحم، والغاز.
ضرورة العودة إلى التحليل القائم على حقائق الطاقة وتجاوز المفهوم المُضلّل للذروة النفطية
ومن الضروري الإشارة إلى دعوة "أوبك" إلى أساسيّات التحليل الموثوق والمحايد: صناعة الطاقة بحاجة إلى تحليل قوي يستند إلى البيانات؛ نحن بحاجة إلى حقائق لا تخيّلات، ونحن بحاجة إلى نزاهة لا إيديولوجيا، والأمل في أن يمثّل تقرير الوكالة الأخير عودةً إلى التحليل القائم على حقائق الطاقة، وأن نكون قد تجاوزنا ذروة المفهوم المُضلّل للذروة النفطية.
وفي الختام، دعت مجموعة من العلماء والاقتصاديين في بيانٍ تزامن مع يوم الأرض في أبريل/نيسان 2015، إلى ضرورة أن تظلّ ثلاثة أرباع احتياطيّات الوقود الأحفوري في باطن الأرض إذا أُريد للإنسانية أن تتجنّب أسوأ تأثيرات تغيّر المناخ، وإذا أُريد لحرارة الأرض ألّا تتعدّى الزيادة درجتيْن مئويتيْن، وهو الحدّ الآمن المتّفق عليه من قبل الحكومات!.
(خاص عروبة 22)

