لقد حدث تحوّل في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، حيث حدث اندفاع نحو العلوم النّافعة أو العملية أو التطبيقية التي يحتاجها المجتمع وكانت الإيديولوجية الرسمية تحضّ على ذلك، فاعتبرت أنّ مَن يحصل على المعدّلات العالية هم الذين يُسمح لهم بدراسة الطبّ والهندسة، أمّا أصحاب المعدّلات المنخفضة في الشهادة الثانوية التي تؤهّل لدخول الجامعة، فليس أمامهم سوى دراسة الإنسانيّات واللغات.
من دون الدخول في نقاشٍ حول مَن الأجدر بدراسة هذه المادة أو تلك، فإنّ النظرة الاجتماعية إلى مواد الإنسانيّات اقترنت بنوع من الازدراء أو الشفقة خصوصًا أنّ مجال التوظيف يقتصر على التعليم، هذا إذا توفّرت الفرصة، وقد انقضى الزمن الذي كان عامّة الناس يبجّلون فيه طه حسين وأحمد شوقي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومارون عبود وسواهم.
الفلسفة تعني التفكير والعديد من الأنظمة وفّرت على شعوبها شقاء التفكير
وإذا كانت نظرة العامة إلى التخصّصات الأدبية والإنسانية قد انخفضت، فإنّ اتجاه السلطة مع الأنظمة العقائدية (ذات الأسس العسكرية والأمنية)، كان التضييق على التخصّصات الإنسانية وخصوصًا مواد الفلسفة وعلم الاجتماع. فالفكر هو ما تقدّمه الدولة من إيديولوجية اشتراكية أو علمانية أو دينية. فلا حاجة إلى التفلسف ولا حاجة إلى الكشف عن المشكلات الاجتماعية، وتخصيص مبالغ لدراستها، وكذلك الأمر بالنسبة لدراسة التاريخ التي ينبغي أن تندرج في إطار الإيديولوجية الرسمية. فلا نهمل أنّ أنظمة برّرت مشروعيّتها من خلال إدانة المراحل السابقة لقيامها واستيلائها على السلطة.
وإذا كانت الجامعات الحكوميّة والوطنيّة (الجامعة اللبنانية على سبيل المثال) لا تزال تستقبل أعدادًا كبيرة من طلبة الآداب واللغة، طالما أن فرصة الحصول على وظيفة تدريس في مراحل التعليم ما قبل الجامعي ما زالت قائمة، فإنّ دراسة الفلسفة في انحسار مشهود، إذ من المرجّح أنّ مَن يتخرّج من هذا القسم لن يحصل على أيّ فرصة عمل، حيث إن تدريس هذه المادّة يقتصر على ساعتيْن في الأسبوع. من دون أن ننسى أنّ العديد من البلدان العربية استغنت أصلًا عن تدريس الفلسفة. وإذا كانت الفلسفة تعني التفكير فإنّ العديد من الأنظمة وفّرت على شعوبها شقاء التفكير!.
القائمون على إدارة هذا الكوكب قرّروا أنّ الذكاء الاصطناعي هو الذي يقوم بمهمة التفكير والبحث والنقد والإنشاء
أمّا الجامعات الخاصّة، التي يدفع الطالب فيها أقساطًا مرتفعةً للحصول على الإجازة، فإنّها ألغت أو تكاد تُلغي أقسام التاريخ والفلسفة والأدب وعلم الاجتماع، وتقتصر على الفروع التي تؤهّل الطالب للهجرة من بلده.
ويبدو أننا انتقلنا مع بداية القرن الواحد والعشرين، إلى مرحلة جديدة، إذ إنّ القائمين على إدارة هذا الكوكب قرّروا أن لا حاجة إلى المواد التي تُفضي إلى التفكير والبحث والنّقد والإنشاء، فإنّ الذكاء الاصطناعي هو الذي يقوم بالمهمة. ولا حاجة إلى بذل الجهد في قراءة المراجع، والبحث المُضني عن المصادر. يكفي أن تحدّد طلبك وتصيغ سؤالك فإنّ الجواب سيأتيك في غضون ثوانٍ.
العلوم الإنسانية والفلسفية والاجتماعية كفيلة بإنهاض الأفكار والتصوّرات التي نحتاجها
لا يمكن إنكار الخدمات التي قدّمها ويقدّمها الذكاء الاصطناعي، على المستويات كافّة، إلّا أنّ ما يعنينا هنا أنّ هذا التقدم يخصّ شركاتٍ وأشخاصًا في خدمة أغراض السيطرة الاقتصادية والعسكرية. وبخصوص موضوعنا فإنّ الأمر يتعلّق بامتلاك الأدوات المعرفيّة التي يتمّ توجيهها نحو الشرائح الواسعة من الناس، بحيث يحلّ الافتراضي مكان الواقع، مع تعطيل التفكير الإنساني بحجّة خدمته.
إنّ الذكاء الاصطناعي على الرغم من كل الخدمات التي يمكن أن يقدّمها في مجالات عديدة مثل الهندسة والطب والحقوق... إلخ، إلّا أنّه لا يستطيع أن يُشخّص أحوالنا، وأن يُرشدنا إلى بناء مستقبلنا، وإلى إقامة الأنظمة السياسية التي نحتاجها بديلًا من الأنظمة التي حكمتنا على امتداد عقود، فما نحتاجه هو الإرادة الحرّة لبناء مجتمعاتنا التي لا غنى فيها عن العلوم الإنسانية والفلسفية والاجتماعية الكفيلة بإنهاض الأفكار والتصوّرات التي نحتاجها.
(خاص عروبة 22)

